لا خطر من إيران ، والخليج أقوى بإيران كدولة صديقة

لـ

في بداية المقالة أود أن أعالج مسألة مهمة متعلقة بالاتفاق النووي ، البعض عارض أو تشاءم من الاتفاق النووي الذي تم بين ايران والدول الست الكبرى ، ورأى في رفع العقوبات خطرا على الخليج والمنطقة من ناحية سياسية حيث ستقوى شوكة ايران وايضا من ناحية اقتصادية تتمثل في خطر اكتساح الاقتصاد الإيراني للمنطقة وأيضا من ناحية أهم هي عودة انتاجية ايران للنفط الى كامل طاقتها وهو ما سيؤثر سلبا على الدول المنتجة للنفط وعلى أسعار النفط العالمية .

لا أرى في الاتفاق هذا الخطر الكبير ، وابرر هذا بعدد من النقاط :

# من ناحية انسانية واجتماعية : ما يجب أن نعيه قبل رفض الاتفاق هو أن العقوبات لم تؤثر على الحكومة في ايران ، النصيب الاسد من الاثر كان على معيشة الشعب الايراني ، حيث ارتفعت نسبة الفقر وانخفضت رفاهية المواطنين وانتجت العقوبات أزمة على مستوى المعيشة ومستوى التضخم وعلى مستوى مختلف المرافق الحيوية التي تخدم الشعب الايراني . الامر لا يقتصر على الجانب الداخلي فقط . فعلى المستوى الخارجي عانت نسبة من الايرانيين من الاضطهاد نتيجة الحصار وهجوم وسائل الاعلام ، وعانوا ايضا مع البنوك التي كانت تحظر التعاون مع اي بنوك ايرانية ، وعليه لم يكن في استطاعتهم ارسال الأموال لذويهم او اتمام اي اجراءات تكون المؤسسات الايرانية طرفا آخر فيها . بناء على هذا الجانب ، لا حق لنا انسانيا أن نرفض الاتفاق بحكم أن المتضرر الاكبر من العقوبات هم بشر مثلنا . ويحق لهم أن يعيشوا حياة كريمة مثلما هي حق لنا .

# أما الخوف من مسالة أن ايران دولة نفطية ، وأن رفع العقوبات سيؤثر على سعر النفط العالمي . من وجهة نظري الأثر لن يكون بالحجم الكبير لعدة أسباب : أولا لأن ايران ستعود لحصتها الطبيعية في الانتاج عالميا والتي عوضتها السعودية والامارات ودول اخرى حينما تم اقصاء ايران من اجمالي مستوى العرض العالمي . عودة ايران لا بد وان تسبقها تفاهمات داخل الاوباك لبحث آلية عودتها دون الاضرار بسعر السوق ، وهذه مصلحة عامة للدول المنتجة يعيها الكل . ثم إن الفرق بين مستوى انتاج ايران في ظل العقوبات وقبل العقوبات ليس بالفارق الكبير الذي قد يقلب أسعار السوق رأسا على عقب . يضاف إلى هذا أمر آخر مهم وهو متمثل في استمرار أزمة انخفاض اسعار النفط الحالية ، حيث ستؤدي إلى انخفاض معدل انتاج النفط الصخري الامريكي نتيجة لارتفاع تكلفة الانتاج الكبيرة مقارنة بسعر العرض الحالي . وقد حدث أن أغلقت شركات امريكية وستغلق غيرها مستقبلا . هذا سيخلق عامل مهم لعودة اسعار النفط حتى مع عودة ايران .

# أما الخوف من أن رفع العقوبات قد يعطي لإيران قوة سياسية اكبر على المنطقة ، هذا فيه صحة ، لكن على الجانب الآخر قد يفتح آفاق لتسوية أزمات المنطقة ، أعني سوريا والعراق واليمن على وجه التحديد ، وبشكل عام اعتقد أن على دول المنطقة رفع جاهزيتها السياسية والدبلوماسية كسبيل لخلق التكافؤ، لأن ايران وأن ظلت مقيدة بالعقوبات لا بد وان يأتي يوم تكون فيه حرة نتيجة لتقدمها وقوتها السياسية والاقتصادية المشهودة .

وأهم من ذلك كله ، أجد أن على دول الخليج اعادة دراسة الخيارات مع ايران ، معظم دول الخليج انتهجت سياسة العداء مع ايران طيلة العقود الماضية ، ولم نرى الا الدم والدمار ، ايران اليوم وبعد الاتفاق النووي التاريخي أصبحت في وضع يصعب فيه أن تجاريها بالطرق التقليدية المتمثلة في قطع الدبلوماسية معها أو في محاولة خلق الاضطرابات داخل نفوذ أمنها القومي أو الوصول لمرحلة الحرب معها . ايران اليوم ومع كامل اقتصادها ومع التقدم والتطور التكنلوجي الذي تشهده ، دولة خرجت من اطارها الاقليمي إلى الاطار العالمي ، والتقرب منها اصبح محل اهتمام مختلف القوى العالمية الكبرى لأسباب اقتصادية وجيوسياسية . وعما قريب قد نشهد اختلاف في علاقة الدول الغربية الكبرى مع دول الخليج إن استمر الخليج على وضعه السياسي الحالي . ولعل تصريحات أوباما الاخيرة خير مؤشر .

لذا أجد في فشل خيار العداء مع ايران فرصة لبحث خيار فتح طاولة الحوار والتفاهمات مع ايران ، خصوصا وأن النتائج قد تثمر عن شراكة اقتصادية وسياسية فيها منفعة تاريخية للخليج . ولعل في منهج وسياسة سلطنة عمان مع ايران نموذج واضح لصورة الشراكة التي قد تجمع ايران بدول الخليج . اليوم هذا الخيار يتطلبه وضع المنطقة المتأزم واستمرار الصدام مع ايران خاصة بعد اتفاق الدول الست الكبرى سيعقد الامور اكثر ، ولا بد من خيار محاولة خلق الفرص السياسية والاقتصادية المتبادلة بيننا وبين ايران لتحسين أوضاع المنطقة .

فلسفة التفاهمات مع ايران ليس بالطريق السهل ، وسنحتاج لخوض مسار طويل حتى نحل القضايا العالقة بين ايران ودول أخرى مؤثرة على جيوسياسية المنطقة ، لكن الطريق موجود ، ومع المبدأ الذي اقره السلطان لسياسة السلطنة مع دول الجوار والذي ينص على ( ( أننا نؤمن بأن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومراعاة المواثيق والمعاهدات، والالتزام بقواعد القانون الدولي من شأنه ولا شك، أن ينتقل بالعالم إلى حالة أكثر مواءمة بين مصالح الدول، وهو ما ندعو إليه دائما من خلال نشر ثقافة التسامح والسلام والتعاون والتفاهم، بين جميع الأمم، كما أننا نأمل أن يؤدي ذلك إلى اقتلاع كثير من الأسباب لظاهرتي العنف وعدم الاستقرار )) ما قد يمهد لعلاقة جوار مثمرة مع ايران .

هنالك عوامل تخص ايران من شأنها ان تشجع و تدعم خيار إعادة فتح العلاقة مع ايران على حساب خيار الصدام معها ، هذه العوامل تتمثل في أن ايران دولة ذات تجربة ديمقراطية . ومنطق سياستها مع دول الجوار بحسب الملاحظ يقوم على الشراكة والمصالح المشتركة أكثر من الإلزام . كما أن لجوء ايران لقوة السلاح والمال سيناريو غير بارز في حلها للخلافات و للمسائل الخارجية العالقة ، الأساليب السياسية والدبلوماسية تأخذ حيز واضح في تعاملها مع الخلافات . ولولا دبلوماسيتها لما نجحت في اتمام الاتفاق النووي التاريخي عبر المحادثات فقط .وسواء اختلفنا مع مواقف أيران أو لا ، يظل أن علاقاتها تتسم بأنها ثابتة راسخة والدليل بقاءها إلى جانب سوريا والعراق في أزماتها . اضف لذلك أنه نادرا ما تظهر في ايران منابر للطائفية أو الفتنة ، واعادة فتح العلاقات مع ايران قد يتيح أمل لكبت جماح المذهبية التي تعصف بالسنة والشيعة ومختلف المذاهب الاسلامية على السواء . وقد يغير من ملامح المنطقة المكسوة بدماء المذهبية .

أن أي ملاحظ للوضع الحالي يجد ان أساس المذهبية أبعاد سياسية والتحريض يتم بأدوات سياسية وأساس التحريض هو سياسية العداء المتبعة ضد ايران، لذا لابد من الخيار الدبلوماسي مع ايران حتى تنعم المنطقة بالاستقرار ومن ثم التقدم .

0 2499 26 يوليو, 2015 الحادي والستون, سياسة يوليو 26, 2015