بين الحكم الإلهي والقانون المدني

لـ

لا زالت أحلام قيام خلافة راشدة على منهاج النبوة تداعب خيال الكثيرين، ومرادهم من ذلك تطبيق الحدود ونشر الدعوة، وليس بمخيالهم البناء والتعمير بقدر ما يتشوقون لممارسة الصلب، والحلم بمشاركتهم في حفلة رجم ينتقمون فيها من البغايا، وللأسف الأسيف فإن خطابنا الديني والوعظي يغذي هذه النزعة بسكونه في الماضي وإغراقه في الطوباوية، وكأن مجتمع الصحابة كان نقيا خالصا من كل عيب، وهذه الهالة القدسية لأولئك الصحابة هي التي تدفع بالكثير للتمني بأن يرجع الزمان ليعيش عيشتهم، ويقاتل في صفين، ويشارك في حرب الجمل، ويحضر وقعة المدينة، وحرب النهروان، وينطلق ليغزو ويروع الآمنين ويسبي الغواني ويملأ خزائنه بالدرهم والدينار والضياع، متناسيا أن الزمان تغير وأن العيش في جلباب الماضي هو شأن الخاملين والكسالى والمؤدلجين، وأن الله سبحانه أراد من الناس أن يعيشوا زمانهم ولذلك كان خطاب القرءان الكريم يحمل مبادئ عامة تصلح لكل زمان ومكان كالدعوة للسلم وإقامة العدل وإصلاح ذات البين وإعانة الضعيف وأحكاما خاصة نزلت لزمانها ولا يمكن بحال من الأحوال أن تسحب على كل زمان، ليس لقصور بها ولكن لأن السياقات التي نزلت فيها تختلف عن سياقات اليوم ونوعية المخاطبين تختلف، وعند التمعن في آيات الأحكام نجد التدرج سمة ظاهرة من سماتها، فتحريم الخمر مثلا مر بتدرج يشي بأن الخطاب والحكم يملك مرونة تجعل منه قادرا على التكيف بما يحقق العدل والمصلحة أو يقترب منها، “ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال: (يحدث للناس في كل زمان من الأحكام ما يناسبهم) وقد يتأيد هذا بما في البخاري عن عائشة أنها قالت: (لو علم النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثته النساء بعده لمنعهن من المساجد) وقول عمر بن عبد العزيز: (يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور)”.
ولعل سبب هذا الإلحاح والمناداة بتطبيق الحدود سببه؛ الظن بأن عدم تطبيقها يدخل في قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، والحقيقة أن الآية نزلت في موضوع معين ولها سبب خاص لا ينبغي إغفاله ، على أنه يمكننا التساؤل عن ماهية حكم الله المراد تطبيقه، أليس كل حكم وقانون يبرمه العقد الاجتماعي المراعي للمبادئ العامة التي جاء بها الإسلام كالعدالة والرحمة والإصلاح يعتبر حكما بما أنزل الله؟، ثم ألم تسأل الحركات الإسلامية نفسها ما هي الشريعة التي تريد تطبيقها؟ وعلى أي مذهب؟ ماذا لو كان في البلد أكثر من مذهب؟ ألن يدفع الاختلاف إلى الخلاف والشقاق والفتن، ثم أين الفقهاء من إدراك أن هذا الدين جاء بتحقيق المصالح العليا للإنسان والتي ينبغي أن تتغير بسببها الأحكام إن تعارضت مع هذه المصالح، أليس في تغير الخطاب القرآني بعد الهجرة من مكة إلى المدينة دليل على أن تغير المخاطبين واختلاف السياقات التي تنزلت فيها الأحكام يستتبع تغير الأحكام لكي تنتظم أمور الحياة التي لا تنتظم بالخطاب السابق لكونه جاء معالجا لأوضاع معينة وسط ظروف أملتها طبيعة المرحلة؟.
إن نشدان الحق والعدالة والقيم الإنسانية الرفيعة يكون بجعل مصلحة الإنسان هي التي يدور الشرع معها حيث دارت لأن الشرع والدين إنما جاء لمصلحة الإنسان وليس العكس بمعنى أن الدين جاء لاحقا للإنسان وليس سابقا له ماهية ووجودا، فإذا اتضحت لنا هذه المسألة ووعيناها أدركنا أن ما يبدو في ظاهره تعارضا بين الشرع الإلهي والقانون المدني ليس في حقيقته تعارضا بل هو تكامل وتطور وهذا التكامل من صميم الشرع وحسبنا أن الله تعالى يقول: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، والعدل هو الواجب والإحسان مندوب لكنه أفضل من الواجب فإذا وجدنا إحسانا في قانون يفوق العدل-في حكم شرعي- في تحقيق مصلحة الإنسان فإن المصير إليه وتطبيقه هو تطبيق لشرع الله وحكم بما أنزله.

0 2645 17 أغسطس, 2015 الحادي والستون, ثقافة وفكر أغسطس 17, 2015