(أَمَة/إِمَاء) بين مآلات القرآن والتاريخ

لـ

(أَمَة/إِمائِكم) كلمات وردت في القرآن:
(وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) البقرة:221
(وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور:32
يلاحظ أن لفظ (أَمَة) يرتبط بعلاقة عضوية مع ألفاظ (أُم-أُمة-أُمي-أُميين-إمام-أئمة) التي تشترك معه في الجذر (أم)، والاشتراك في الجذر يدل على وجود علاقة سُننية ناظمة بين كل هذه الألفاظ وما تدل عليه، وهذه الألفاظ عوملت في الجمع (الروائي/اللغوي) بافتراض أنه لا يربطها رابط سُنني.
لكن عند قراءة هذه الألفاظ بإمعان سنكتشف الخيط الذي ينظمها جميعاً:
أ. (إِمام/أئمة) من الجذر (أم) في الآيات:
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) البقرة:124
(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) القصص:5
السياق في الآيات يدل على معنى التحكم والمركزية.
ب. الأم الوالدة (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل:78
وعبر بلفظة (أُم) عن أم القرى (بكة) شرفها الله (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام:92.
الأم في الموضعين دالة على معنى التحكم والمركزية بعلو المكانة والأهمية.
في القرآن أيضاً أُم الكتاب (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) آل عمران:7، وأم الكتاب هي آياته التي تشكل أساسه وقوامه بما تملكه من مركزية وتحكم يجعل بقية الآيات تتمحور حولها.
ج. أما (أُمَّة) فقد عبر بها عن الجمع الكبير من الناس، وعبر بها أيضاً عن الفرد الواحد:
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) الأنبياء:92
(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) النحل:120
فالأُمة سواء كانت جمعاً كبيراً أو فرداً واحداً يجمعهم عمق تأثير ومركزية المبادئ القائمة على توحيد الله ولزوم الخلق، فإبراهيم كان أُمَّةً بترقيه وسعيه لمراتب عليا في الكمال الإنساني، والأمة بمجموعها تسعى من خلال حراكها الاجتماعي أن تتحكم بواقعها وتطور اجتماعها البشري.
د. في القرآن وصف الرسول النبي بأنه (أُمي): (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) الأعراف:157
وبعث الرسول النبي (الأمي) في (الأميين): (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) الجمعة:2.
والمعنى أن (الأمي) و(الأميين) مرتبطة بالتحكم والمركزية، فالأميون هم أولئك الناس الذي يحكمون أنفسهم بقيم الكتاب ومآلاته، فـ(الأمي) و(الأميين) مرتبطة بالرقي الإنساني لا الجهل بالقراءة والكتابة.
أما ما قدمته كتب التفسير واللغة حول معنى (أمي) و(أميين) من أن المقصود بهم الذين لا يقرأون ولا يكتبون؛ فهو بعيد عن الصواب ولا يوجد ما يؤيده مما يعقل من القرآن، وهو تفسير مستند إلى استعمال لغوي زمني إقليمي هيمنوا به على لسان القرآن ونظامه.
وقد استعملت كلمات (أَمَة/إِماء) في الآيات:
(وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) النور:32
(وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) البقرة:221
وذلك في سياق الحديث عن الأصناف التي تُنكح؛ بما لها من أولوية في النكاح أو فيها خيره، وبما أن الجذر (أم) الذي تنتمي إليه (أَمَة/إِماء) يؤول إلى معنى التحكم والسيطرة، فإذن نعقل أن (أَمَة/إِماء) تعني الأنثى الناضجة التي تتحكم بغرائزها، وهو ما قرنها بالصالحين من عبادكم، فالمعنى مرتبط بالعفة والطهارة النفسية لا بأعراف الرق كما شاع ذلك في الجمع (الروائي/اللغوي).

-2-
في الآية: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور:32 يخاطب القرآن المجتمعات بأن يُنكحوا ثلاث فئات هي:
– الأيامى
– الصالحين من عبادكم
– إمائكم
الأيامى جمع أيَّم، وجذرها (أَيَم)، المقطع (يم) في (أيم) عبر به القرآن عن المسطح المائي بما لمياهه من قوة وطاقة (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) الأعراف:136، والأيامى هم أولئك الذين تختزن أجسادهم طاقة حيوية ونفسية هائلة، وهذا ينطبق على الجنسين، ورد في الجمع اللغوي: (عن ابن الأعرابي، يُقال للرجل الذي لم يتزوج: أَيّم، وللمرأة أيّمة، إذا لم تتزوَّج. قال: والأيّم: البِكْر والثَّيِّب. قال: ويقال: آم الرَّجُلُ يَئِيم أيْمةً، إذا لم تكن له زَوْجة. وكذلك المرأة، إذا لم يكن لها زَوْج) انظر: الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (أم).
ثم خصت الآية صنفين من الأيامى أعطت لهما الأولوية في النكاح لاعتبارات اجتماعية ونفسية وحيوية:
1. الصنف الأول: (الصالحين من عبادكم)، وهو صنف له أولوية لصلاحه في علاقته بربه والناس.
2. الصنف الثاني: و(إمائكم) جمع مفردها (أَمَة)، وهن الإناث اللاتي يتفتقن حيوية وطاقة ورغبة، لكنهن حفظن غرائزهن ورغباتهن واستعففن.

-3-
الشائع في الجمع (الروائي/اللغوي) أن (أَمَة/إِماء) تعني المملوكة وهي خِلاف الحُرَّة عندهم، بمعنى أنها الرقيق من الإناث وفقاً لأعراف الرق، وقد نسب الرواة إلى النبي عليه السلام عدة أحاديث حملت فيها الأَمَة على معنى الرقيق من الإناث، منها:
– روى الربيع بن حبيب وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن وطء السبايا من الإماء.
– وعند أصحاب الصحاح والسنن عن أبي هريرة: أن النبي عليه السلام نهى عن كسب الإِماء.
وقد نشأت في الفقه آراء حول مفهوم الأَمَة مستمد أكثرها من أعراف الرق، من ذلك ضرورة التفريق في المظهر بين الحرة والأَمَة بحسب تصورهم لمعنى الأَمَة، روى البيهقي في السنن الكبرى (3037) أن امرأة مختمرة متجلببة خرجت، فقال عُمر رضي الله عنه: من هذه المرأة؟ فقيل له هذه جارية لفلان رجل من بنيه. فأرسل إلى حفصة رضي الله عنها فقال: ما حملك على أن تخمري هذه الأمة وتجلببيها وتشبهيها بالمحصنات حتى هممت أن أقع بها لا أحسبها إلا من المحصنات، لا تشبهوا الإِماء بالمحصنات.
ورادف الفقه بين مفهومه للأَمَة وما مَلكت أَيمانُكم، حيث حملا على معنى الرقيق الذي لا يقدر على شيء، وذلك عند قراءته للآية (النساء:25)، وساهمت هذه المرادفة في خلط الأوراق وتغييب مآلات الآيات وربطها زمنياً بأعراف الرق التي كانت سائدة قبل القرآن.
وهذا المعنى الذي شاع في جمع الناس مستمد من أعرافهم الإقليمية والزمنية ثم أسقط على القرآن بدعوى أن القرآن نزل بلسان الناس في تلك الحقبة، وهذه النظرية التي جعلت القرآن تابعاً لأعراف الناس ولغوهم الزمني تعادل موضوعياً القول بتاريخية القرآن عند بعض المعاصرين.
وكون لسان القرآن عربياً؛ يقتضي وضوحه ودقته في التعبير عن الإنسان والطبيعة والغيب، لأنه الوصف الجامع للكتاب الذي أنذرت به أم القرى ومن حولها (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) الشورى:7.
والقرآن عندما تحدث عن الكواعب قال: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا) الواقعة:35-37 فكانت نتيجة الإنشاء الجديد صفات:
(أبكاراً) وتعني أنهن في خلقهن في الحد الحرج للشباب.
(عُرباً) أي أنهن أصبحن في درجة من الإتضاح في النفسية والتحدد بالاتجاه، بحيث أنهن يعبرن عن جميع المتطلبات التي يُرغب فيها بانسجام وتلاحم مزاجي وفكري تام، مما يدل أن الجذر (عرب) لا ارتباط له بعرق معين، فاللسان العربي ارتبط بالأرض وحضارتها عبر التاريخ التي سكنتها أجناس مختلفة من الشعوب والقبائل عبر التاريخ وسميت عرباً.
في سورة يوسف (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ، إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) يوسف:2-4 ربطت عربية القرآن بأحسن القصص، وفي هذه السورة كانت قصة يعقوب وأبنائه، وهذا الربط جرد من الجغرافيا والعرق، فلم يحدد القرآن بشكل حاسم جغرافيا قصة يوسف وأبيه يعقوب، كذلك لم تربط عربية القرآن بشعب أو قبيلة، بل عربيته وفقاً للآية مرتبطة بعنصرين:
– الرسالة (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ)
– التعقل (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

0 1242 22 سبتمبر, 2015 الثالث والستون, ثقافة وفكر سبتمبر 22, 2015