الكلمات بالصورة، الصورة بالكلمات

لـ

(في أي صورة ما شاء ركبك) ٨: الانفطار

انهما اثنان ما دمت عابداً للصورة/
وعندما تنظر الى الصورة فأنت تنظر بعينين
فانظر الى النور الذي ينبعث واحداً.
جلال الدين الرومي

هناك مناطق وبلدات في فنجا وازكي اسمها التصاوير، الاسم جذر قديم، جد سحيق وغابر للرسم وللصورة معاً، لكن الاسم ممتع، وحيثما وجدت رسومات على الجبال فذلك اسمها: تصاوير، وأينما يقودك الجذر (صر) فهو يصورك. وأنت أتتصير أم تتصور؟

واحدة من صديقات والدتي أحضرت لها صورة قديمة، نادرة، (سوزان سونتاغ ورولان بارت معاً: الكاميرا حولت حياتنا لمتحف). في الصورة شابة جالسة وتمسك طفلاً، تسألني أمي وهي تريني الصورة: هل تعرف من في الصورة؟ اتأمل الصورة، آثار القدم بادية على الصورة، تقنية التصوير، وورق الطباعة، صورة هواة، الشابة باهرة الجمال، والطفل ينظر باستغراب، لأن أمي هي من قدمت لي الصورة فقد خمنت انها هي الشابة، لكن من الطفل أنا أم أخي؟ قلت لها: هذا أنت وأخي، ضحكت وقالت لا هذا أنت. أنا لم أتعرف علي نفسي في الصورة. هل علي ان أخجل من نفسي لأني لم أعرف صورتي؟

لا الكاميرا ولا اي تقنية تصوير تستطيع ان تصور خيالاتك، أحلامك، لكن الصورة تقدم نموذجاً، هل اصبحت متأثراً بذلك النموذج، أتسائل الآن مع نفسي أيهما يشبه حمزة بن عبدالمطلب اكثر؟ طوني كوين ام عبدالله غيث، اي خيال وتصور يأتيك كلما طرأ اسم عمر المختار؟ هل تستطيع أن تزيح صور علي بن ابي طالب في اللوحات المنتشرة لكي تتخيل شكله حسب الوصف القديم؟

هل أستطيع ان أتحرر؟ عائداً لمنبع الخيال الأول. هل تخرج تلك الصور التي تشبعت بها من خيالك وأن تعيد التصور او التخيل، ربما تحتاج صورة أخرى، ضبابية. في ذاكرتك لجدك/تك المتوفي/ة صورة، في ألبوم العائلة صورة أخرى، هل الصورتان متشابهتان، أم أن المادة والشيء يغلبان في النهاية ذاكرتك. ام تستطيع ذاكرتك ان تتغلب على الصورة؟

الصورة ليست الأصل، تبدو نسخة ملونة، اذكر مرة أني استفردت بآلة نسخ وصورت بها وجهي، الصقت صفحة خدي على سطح آلة النسخ وضغطت الزر، في البدايات اغمضت عيني في المحاولات التالية ابقيتها مفتوحة. بدت لي الصورة أكثر قرباً من كل صوري، اكثر حقيقة، فيما بعد فعلت نفس الشيء مع جهاز مسح الصور (scaner) كانت نتيجة تلك التجارب هي الصور الوحيدة التي اقنعتني انها حقيقية، أما الشخصية التي تظهر في جميع صوري فهي أخرى مختلفة، نادراً ما أشعر أنني أنا نفسي في الصورة.

ترى صورتك، هي صورتك بآلة التصوير، هاوياً كان المصور أم محترفاً، تنظر لنفسك وتتعرف على صورة غريبة، ليست أنت، لكنك أمام الشئ المادي تبعد كل مشاعرك وتصدق الشيء، هذه صورتي، في داخلك صورة أخرى، لكنك تحاول التعايش مع الصورتين: صورتك التي لا يمكن تصويرها وصورتك التي تقدمها آلة التصوير.

الرغبة التي قد يكون اسمها الصدفة، هي التي جمعت امامي سوزان سونتاغ وبيير بورديو ورولان بارت ليتحدثوا عن الصور، كتبهم كانت تتحدث، سوزان سونتاغ بالتحديد هي من استثارت هذا المقال، استفزته.

لم تنتشر في بلادي، ولا العالم، محلات للرسم لكن انتشرت محلات التصوير، فللتصوير (هناك حاجة أخرى، تقول سوزان، هي ضرورة الاثبات) تحتاج صورة لبطاقتك الشخصية وجوازك ورخصتك وطلبات عملك.
آخر اعلان شاهدته لشركة كاميرات كانون هو (اغمض عيناً لترى) كانت سوزان ايضاً تقرأ اعلانات الشركات المصنعة للأجهزة، كانون تريد ان تستبدل العين بعين الكاميرا، الرؤية الطبيعية بالرؤية الفوتوغرافية، أو حتى غير الفوتوغرافية، هل تنقرض الرؤية الحقيقية، ما الذي يبقى في الذاكرة، الشيء المرئي بعين كاميرا الصورة، أم الشيء المرئي بالعين؟
العين ليست كاميرا، حقاً؟ أحدهم يضع صبعين على صبعين أمام عينه ويفتعل التصوير، يصدر صوت الآلة بفمه، (تشك تشك) ما الذي يعنيه ذلك بالضبط؟

وأنا كلي عيون ولا استطيع اغماضها، انها تنبع، كان المعري يتحدث عن العين النابعة والعين الطالعة الأولى ماء والثانية شمس لكن ماذا عن العين الرابعة؟ هل توجد عين رابعة اصلاً؟ ما العيون الثلاث الأولى اذن؟

تصور الكاميرا منظراً طبيعياً، هنا ما من فرق بين الكاميرا الفوتوغرافية والكاميرا السينمائية، (حلو يقول رولان بارت، السكر حلو مع اني اعتبره عنيفاً) اذن حلو، صورة عنيفة، سُكّره. المنظر الطبيعي مكانه، صورة المنظر الطبيعي تجوب العالم، ابداً لا يتطابق المنظر الطبيعي مع صورة المنظر الطبيعي، تصور انت بكاميرتك نفس المنظر الطبيعي: المنظر نفسه، وما تراه بعينك، وما لديك في الصورة اشياء مختلفة، مهما بلغت الدقة، مهما كانت المعدات والعدسات التقريبية، الصورة تنتمي لعالم آخر، ما تراه الآلة مختلف عما تراه العين.

الصورة ماضوية دائماً، في الماضي ولا تستطيع تجاوز ماضيها، هي سجينة هناك، (رولان بارت وسوزان سونتاغ يتفقان ان المصور يعمل كأنه وكيل للموت، انه يصور ما يموت) تدعي الصورة ان هذه هي صورة البيت، لكن في عيني الحية للبيت صورة أخرى، صورة جدتي لا تشبه صورتها في ذاكرتي، (ألبوم العائلة الذي هو كل ما يبقى من العائلة كما تقول سوزان) لكن الصورة الحية للعائلة داخلي مختلفة، انظر لصوري في اعمار مختلفة، ولا أجدني، لست أنا. اتأمل صور أطفالي، (الصورة تقول (انظر ها هو) كما يقول رولان بارت، كالطفل وهو يقول (دا دا) هذا هذا) لكن لا ليس هو، هذه التي في الصورة ليست ابنتي.

تلعب الصورة على ذاكرتي، ربما لو كانت لدي ذاكرة أكثر دقة ما كانت الصور تتلاعب بي هكذا، لكني متأكد من شعوري، ارى صورة قديمة لمركاض بلدتي وللسوق في هبطة سادس ذي الحجة، وتعيد لي الذاكرة صورة المركاض وسوق المنترب في الثمانينات، ما عشت فيه أنا هو ما كان الواقع الحقيقي، وما قبضت عليه الصورة هو مجرد ظل، أما ما رأته عيني وعايشته فهو كل تلك الأشعة، مجموعها، مرئية بعين حية غير آلية. فهل اصدق الظل الآن بعد ان اختفت تلك الأضواء؟

احضر لي أبي في احدى رحلاته للحج (شبه كاميرا وشبه منظار) واحدة مما كنا نسميها كاميرات الحج (أيقونات دينية مصورة تنظر اليها كما في منظار الدوربين) حمراء، هل كان ذلك تدريباً مقدساً لطفولتنا على النظر الى العالم كصورة؟ والصورة كأيقونة دينية، كانوا يعودون من الحج بصورة كبيرة للحرمين المكي والمدني داخلهما فراغ لوضع اسم الحاج، شبه شهادة او اثبات حج، وكانوا يعلقونها في المجالس: ايقونة تتظاهر انها مجرد صورة ام صورة تتظاهر انها ايقونة؟

(سوزان تستدعي نظرية دوشامب عن الكاميرا التي كانت اول من أبدل مفهوم الفن الذي هو ثمرة حمل وولادة، لأن الصورة انتجت فناً من موعد أول) سونتاغ نفسها هي التي تفصص اختلاف المصورين حول ما اذا كانت الصورة فناً ام لا، (يعتقدون ان ما يقومون به أهم بكثير)

أين كان ذلك الجيل من اجدادنا الذين كانوا يرفضون التصوير؟ كانوا يفتشون في الدين عن اي شيء يحميهم من هذه الآلة، أي تحريم يحررهم من سلطة الكاميرا، والكاميرا كانت تترصدهم، تبحث عنهم، هل من صورة للإمام محمد بن عبدالله الخليلي؟ هل تذكر الشيخ علي بن سالم الحباسي؟ أمي صارت تتحسس اليوم من التصوير، بالقوة يحاول أحفادها اقناعها بالتقاط صورة، يستعينون بي أحياناً لأجعلها توافق.
العصري هو المتخم بالصور حد الانفجار، هل لذلك كنا نصم بالتخلف من رفضوا التعرض للكاميرا؟ كان هناك ضوء عزيز ستستحوذ عليه الصورة وتدعيه، (العالم سيصدق الصورة ويكذبك أنت يقول رولان بارت)، (سوزان تذكر أن بلزاك كان يخاف ان تلتقط له صورة، بودلير يصف التصوير بأنه كان العدو المهلك لفن الرسم) لحسن الحظ ان (الرسم كما تضيف سوزان كان قد اخلى، منذ وقت طويل، المنطقة التي احتلها التصوير، الرسم التفت لما هو أحدث)

سوزان ستؤكد على ان (السريالية التي فشلت في اشكال فنية اخرى وجدت تمثلها الأكبر في الصورة) (نقد السريالية لدى سونتاغ ممتع) الصورة اكثر شيء لا واقعية، والعجيب ان الصورة التي تبدو الصق شيء بما هو واقعي صارت ابعد شيء عنه.

احياناً نظن ان طمس صورة ماض ما يعني طمس ذلك الماضي، في غرارة شبابي ذهبت الى المصور بإبرى قلت له ان الصورة التي يضعها على الطاولة تحت الزجاج في محله هي لأخي المتوفي وطلبت منه نزعها، أنا الأحمق، كنت التف على نفسي، كانت تلك صورة المراهق الملتحي الذي كنته، لم أكن اتذكر متى التقطت تلك الصورة، هل كانت لغرض البطاقة الشخصية؟ ربما، كذبت على نفسي قبل ان اكذب على المصور، ومن شدة ارتباكي لم أعد لمحل التصوير ذلك ابداً لأتأكد ان كان المصور أزال الصورة ام هي موجودة مكانها.

في محل التصوير تحت زجاج طاولة الاستقبال صور لعشرات الرجال، والأطفال من البلدة، بلا صورة امرأة واحدة، يستعاض عن صور النساء بصور عارضات وممثلات هنديات، اتفرس في صور الناس، هل انوي ان اتعرف عليهم، من هذا؟ ربما يشبه فلان، (انظر هذا هو) تقول الصورة، ولا تقول شيئاً آخر، يكرر بارت، كل الصور اوراق، أشياء، الصورة حولتك لموضوع، وتوقفت، وضعت الموضوع على ورق مطبوع، او محفوظ في جهاز، شيء، (انت تشيأت، رولان وسوزان معاً، واصبح لصورتك مصير الأشياء) هل هذه هي صورتك؟ لكن الصورة لا تقول شيئاً آخر، هذا هو وتسكت الصورة.

يمكن ان تنسخ الصورة الى ما لا نهاية، نحن مسافرون لكننا نترك السفر جانباً لنتفرغ للتصوير، للتوثيق المرئي، قد تفوتنا متعة السفر نفسها، (سوزان تتحدث عن الناس المرغمين على العمل عندما يجدون انفسهم في اجازة، فيقومون بعمل آخر، التصوير)، متعة الغداء قد تفسد، في انتظار الكاميرا، الصورة متحف للموت، لمن هذه الصورة، ما استخداماتها، كم ستبقى بعدك، كم ألف صورة في جهازك، من سيؤرشفها، من سيستفيد منها؟ هل تدور في الفراغ؟!

(رولان يقول ان الصورة من تلك الأشياء الصحائفية التي اذا فصلتها عن بعضها فسدت، رولان يضرب مثلاً: النافذة والمنظر الطبيعي)

انظر الى شاشة الفيلم، انا ممنوع من التفكير اثناء النظر، لا رؤية ما دامت الصورة تحتل رؤيتي، تستبق تفكيري، تؤطرني، تقودني كالقطيع، مغمض العينين عن غيرها، وهكذا ستكون الصورة هي افضل وسيلة معاصرة للقمع، سيل الصور مستمر، الأخبار تنتظر، وأنت تعرف ما الذي تتوقعه من الأخبار مبدئياً، لن تختلط عليك الأمور (الآن يصل صوت بيير بورديو من بعيد) لن تنتظر من البرنامج ما تنتظره من الأخبار، وجبة عصرية، (المجتمع المعاصر هو المجتمع الذي يستهلك الصور، أمريكا حيث العالم متكون من الصور، سوزان ورولان على التوالي) (بيير بورديو يحاضر عن التلفزيون وآليات اللعب بالعقول طوال الوقت)
صوت التلفزيون كان حاضراً طوال الوقت في الخلفية، تخيل!! كنا نتكلم وننظر، نعرض ادمغتنا لأصابع التلفزيون. (بورديو: اذا شئت ان تنظم مظاهرة فنظمها للتلفزيون والا فلا فائدة) الغضب متلفزاً، الثورة متلفزة.

(يتفق بارت وسونتاغ على ان الصورة بكماء، تحتاج الى كلام) وأن الكلام الذي يشرحها يكون اقوى منها، الصورة خاضعة للبيئة التي تعرض فيها، للمكان، للزمان، وتأثيرها في الناس خاضع للأدلجة المسبقة، ما يعتبر وثيقة خالصة، يمكن ان يتحول الى وثيقة مزورة، في المحاكم لا يعترفون بالصورة كدليل قاطع.

(سوزان وحدها من تلتفت الى ان التصوير صار ركناً من أركان الأعراس والزيجات) لا يتم العرس دون كاميرا، ومع أهمية الموت بالمقابل لا أحد يحمل كاميرا في المقبرة، بعض الشباب في سبلة الزواج يصورون الحدث، الشابات في صالة العرس، بالفيديو. كانت أحرج اللحظات سابقاً وقت تظهير الفيلم، كان على المصور في محل التصوير ان يمثل دور الخصي الذي يتاح له التكشف على العورات، دوما كان هناك متبرعون للتحميض الخاص والسري، التصوير يدفع باستيهامات جنسية في صلبه، كنوع من التلصص العلني. هل اتذكر هنا من جديد فيلم الكسي بالبانوف المغايبة والرجال ( of freaks and men) عن بدايات التصوير؟

والآن الطفرة، عصر الصورة، الاستهلاكية تكتمل وتتعزز وتستثار بالصورة، الحداثة مدججة بالصورة، والجميع مصورون ومعلنون ولديهم منتجات، على التطبيقات الاجتماعية، طبخات معدة للتصوير، الجميع يعمل في الاعلانات، الحياة تتحول لنوع من الاعلانات، اكداس من الصور، لن يستعيدها احد من فم الموت، من المقبرة، ستحترق، ستحرق عمداً، نسخ بلا نهاية، صور، محترفات لتصوير الاطفال الصغار مع تأثيرات الفوتو شوب، محل التصوير تحول الى برنامج، والى طابع ثقافي.

ألف ألف صورة رأيت، وسلبيات الصور (النيجاتيف) تختفي اليوم، والأفلام، ألف ألف صورة لا زالت تنتظر لمحة من عينك، لأن الصورة بلا قيمة اذا لم تكن هناك عين بانتظار ان تراها، وفي كل الصور، (يقول بارت، نحن لا نرى الصورة بل موضوعها) لم ير أحدٌ الصورة نفسها ك(صورة) بل ما صورته. موضوعها. ذلك كل ما يتبقى. لو نظر ابن الهيثم الى صورته، كان يتكلم عن العين، والرؤية، ولو رأى عين الكاميرا.

أبحث عن تلك الصورة ولا أجدها. أين اختفت؟
صورت شموسا واقمارا كنت اريد ان امتلك اللحظة واللحظة فرت وبقيت الصورة ليست دليلاً الا على فشلي.

* تم استخدام كلمات وأفكار كل منك سوزان سونتاغ في كتابيها حول الفوتوغراف وآلام الآخرين، والغرفة المضيئة لرولان بارت، والتلاعب بالعقول لبيير بورديو.

0 1774 15 ديسمبر, 2015 السادس والستون, حداء الروح, مختارات الأدب ديسمبر 15, 2015