الحوار الوطني وإشكالية التصويت

لـ

(1)

“ربما ننفق كل العمر .. كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال .. مرة !
ربما لو لم يكن هذا الجدار ..
ما عرفنا قيمة الضوءِ الطليق!!”

أمل دنقل

(2)

منذ فترة انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مبادرة تدعو إلى التوقيع على ما أسمته “ميثاق الحوار الوطني”، وهي تطالب بحوار مفتوح بين الشعب والسلطة الحاكمة يفضي إلى شراكة حقيقية وفاعلة وتنمية إنسانية مستدامة، كما نص بيان المبادرة على 10 أهداف رئيسية يمكن استعراضها بإيجاز كالتالي: (خلق ثقافة سياسية عامة، إيجاد شراكة ديمقراطية في إدارة الشؤون العامة، بناء مفهوم شامل للأمن الإنساني، تطوير نظام التعليم، بناء اقتصاد يرتكز على المعرفة، استقلال القضاء، حماية المال العام، ضمان توزيع عادل للثروة الوطنية، بناء وعي نقابي، وتعزيز ثقافة النقد والمحاسبة). وقد انتهت الدعوة بتوقيع ما يقارب 80 شخصاً عليها. ويتضح من خلال نسبة الموقعين، ونتائج الاستفتاء الذي أجري حولها في مواقع التواصل، وحجم التفاعل معها وردود الأفعال حولها أن الدعوة لم تحز على إقبال كبير كما هو متوقع من أي دعوة للحوار، بل على العكس قابلها الكثير من النقد والاستهجان.

(3)

ربما عزوف الرأي العام عن التوقيع على دعوة “للحوار الوطني” يستوجب التوقف والتساؤل، خاصة حين تنادي هذه الدعوة لما فيه خير وصلاح الوطن والإنسان. ولكن هل يكفي أن تنص دعوةٌ ما على الخير وعزة الوطن والإنسان كي تحقق النجاح؟ أليست هنالك أُسس يجب أن تكون موجودة في أي دعوة للحوار حتى تكتسب القبول والثقة والقدرة على الإقناع وبالتالي اكتساب التأييد؟

(4)

ما هو الحوار الوطني؟ ومن هم أطرافه الذين سيمثلون الإرادة العامة؟ وهل هنالك إمكانية فعلية لوجود حوار وطني في ظل الواقع السياسي المعاش الذي تستهدفه هذه الدعوة؟ من الواضح، حسب نص البيان، أن مفهوم “الحوار الوطني” الذي أطلقته هذه المبادرة يتسم بالضبابية وعدم الوضوح والتحديد، وهذا هو السبب الرئيسي في عزوف الجمهور العام عن تأييده. فالحوار الوطني، كما هو معروف، حوار يتم من خلال وفيما بين مؤسسات المجتمع المدني المستقلة لمناقشة قضايا عامة معينة للوصول إلى اتفاق عام مشترك حولها، بينما نص ميثاق هذه المبادرة على أنه “حوار وطني مفتوح بين الشعب – مصدر جميع السلطات- بكافة أطيافه ومكوناته وبين السلطة الحاكمة”، وهنا يتضح أن هنالك فرقاً كبيراً بين مفهوم الحوار الوطني والحوار الذي تدعو إليه هذه المبادرة، حيث أن الدعوة التي لا تقوم على أساس واضح وراسخ، مهما كانت بواعثها خيّرة، لا تقود إلا إلى متاهة أكبر!

(5)

عندما يعيد المرء قراءة نص بيان هذه المبادرة في محاولة جادة ومنصفة بحثاً عن إمكانية وجود حوار مفتوح بين الشعب بأكمله والسلطة الحاكمة يجد بديهياً عدم إمكانية ذلك. صحيح أن الشعب مصدر جميع السلطات كما تنص الأدبيات السياسية الحديثة ولكن مثلما أنه من الصعب أن يقوم شعبٌ بأكمله بالحكم كذلك من الصعب أن يقوم شعبٌ بأكمله بالحوار. فالشعب يحكم أو يقوم بالحوار من خلال من يمثل إرادته كمؤسسات المجتمع المدني والاحزاب السياسية، فبدون وجود قوى سياسية مستقلة تُمثِّلُ إرادة الشعب تصبح العملية بالغة الصعوبة ويمكن وصفها بالمستحيلة! الأمر الآخر هو أن وجود مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية يتطلب وجود مجتمع مدني أولاً، وثقافة مدنية، والواقع أن أي فرصة لإمكانية تشكّل مجتمع مدني قد تم تعطيلها، وإلى الآن لازلنا نعيش في إطار مجتمع عشائري. تبقى الحرية هي الشرط الأساسي لوجود المجتمع المدني، فلا يُتصور إمكانية الحوار الحقيقي في أي وطن دون الحرية أولاً، ولهذا تعاني المجتمعات من صراعات طويلة من أجل التحرر من أطرها التقليدية المقيّدة للحرية، وحين تكتسب حقها في حرية الرأي والتعبير، وتنشأ ثقافة احترام الآخر والقبول بالاختلاف والتعدد تولد الروح المدنية، وينشأ المجتمع المدني، وتتشكل مؤسسات المجتمع المدني التي تُمثّل أفراداً أحراراً مستقلين، وآنذاك يمكن أن ينشأ الحوار الوطني الحقيقي الذي يقود هذا المجتمع إلى تطوره وازدهاره.

(6)

هنالك إشكالية أخرى وقعت فيها هذه المبادرة وهي الخلط بين المبدأ الإنساني والإجراء العملي، فالحوار كمبدأ وقيمة إنسانية قائم بطبيعته على احترام الآخر والقبول بالتعدد والاختلاف في وجهات النظر، وأن الحقيقة لا يملكها طرف واحد، بل إن فهم الحقيقة يتضح ويتسع من خلال تبادل الآراء ووجهات النظر وتَشَارُك جميع الأطراف في الوصول إلى هذه الحقيقة، في حين أن هذه المبادرة لم تكتفِ بالتأكيد على الحوار كمبدأ وقيمة إنسانية وإنما طالبت الجمهور بالتصويت (مع الحوار)، وهو ما يعني بالضرورة أن من لم يصوّت مع الحوار فهو بذلك ضد الحوار، وفي هذا إقصاء جائر وانتقاص لمبدأ الحوار! فالمبادئ الإنسانية، باعتبارها عامة وملزمة لكل الناس، يتم التأكيد عليها فقط، ولا يمكن طرحها للتصويت ب مع/ أو ضد. أما ما يطرح للتصويت عادةً فهي القضايا أو الموضوعات المحددة التي سيتركز عليها الحوار، وفي هذه الحالة، يمكن دعوة الناس للتصويت عليها، وبالتالي قد يتفقون أو يختلفون حولها. لكن التصويت هو جانب إجرائي يتطلب وجود قضايا محددة للحوار، ووجود آراء حولها حتى يتم طرح مسألة التصويت العام عليها، في حين أن هذه المبادرة لم تُحدد موضوعات أو قضايا للحوار، فعلى ماذا تدعو الجمهور للتصويت؟!
المفارقة العجيبة فعلاً هي أن تقوم دعوة للحوار بالزج بالمجتمع في دائرة تصنيف إما مع أو ضد، أي، إما اللون الأبيض أو الأسود، فهذه الثقافة لا يمكن تساعد أي مجتمع على الحوار والتقدم، فجوهر الحوار يتنافى مع هذه الدائرة الضيقة، لأن الحوار يعني الخروج من دائرة التصنيف، والانفتاح على تعدد الآراء ووجهات النظر، وقبل كل هذا فالحوار مبدأ وقيمة إنسانية، والمبادئ والقيم الإنسانية لا يمكن طرحها للتصويت مع أو ضد، فلا يمكن أن تُطرح قيم ومبادئ كالأمانة والصدق والحرية والعدالة والمساواة للتصويت العام: مع أو ضد، لأنه يفترض أن يكون الجميع مع هذه القيم والمبادئ!

(7)

أخيراً إن أي دعوةٍ تَنشُدُ النجاح والتأييد المجتمعي لها ينبغي أولاً أن تنطلق من مفهوم واضح حتى تصل لعموم المجتمع بشكل واضح وإلا سيكون مصيرها الفشل، وهذا ما حدث لهذه المبادرة التي يبدو أنها انطلقت بدون أن تحدد ماهية هذا الحوار أو موضوعاته، لهذا كانت الدعوة للتصويت أشبه بالدعوة للتوقيع على شيء مبهم، وهو ما جعل السواد الأعظم يعزف عن التفاعل مع هذه الدعوة ويقابلها بعدم الاهتمام، ومع ذلك، يظل الحوار مبدأ أساسي وقيمة إنسانية عليا لا غنى عنها في أي مجتمع، ولكن لا يمكن أن يتفتح الحوار وينضج ويتطور بدون وجود الحرية أولاً.

0 1432 28 ديسمبر, 2015 السادس والستون, سياسة ديسمبر 28, 2015