دهشة زياد خداش

لـ

(ثمة شلال لطيف، صعدنا الى سيارته ليوصلنا الى البيت، يسمونه (سائق أجرة)…)*

مجازفة في الجمال، تهور على جرف هاوية الحسن، مقامرة بمدخرات المكتبات العامة، وتبديد لممتلكات صناديق الانشطة الخيرية، ولعب بأموال التبرعات، مثل أن تمد يدك العارية في مجمع كهرباء لاكتشاف ما الذي يصعق في الكهربية بالضبط.

كيف يكتب زياد خداش قصة عن الحرب آخرها ما يلي:

(كان الشعب كله يعيش في الحرب، وكان الوطن الذي مات في الحرب لا يزال يموت في الحرب، وكان الكل (من مات ومن ينتظر) يتساءل: لماذا تعيش فقط في بلادنا الحرب؟ ألا تسافر الحرب.. يا لهذه الحرب التي لا تموت أبداً في الحرب)*

دوماً شعرت اننا اذا اردنا ان نعرف معنى الوطن حقاً اليوم فعلينا اذن ان نبحث عن مرجع فلسطيني، قصص وروايات غسان كنفاني، رسومات ناجي العلي (أسمع صوت ناجي من غرفة مجاورة. “أيوا يا عيني يا ناجي، هل قلت شيئاً”)*، قصائد محمود درويش. كتب ادوارد سعيد. لنعرف أن الوطن أكبر من الانظمة التي تتكلم باسمه، وتحكمه، أوسع حتى من الأرض التي يتموقع فيها، وأن الوطن في مكان آخر، لا يمكن الوصول اليه واحتلاله وإملاء الشروط على أهله، لنعي أن الوطن ليس ما تتحدث عنه نشرات الأخبار والصحف، التي تحاول تجهيلنا بالوطن.

(قل لي بجد؟ في فلسطين؟ في تراب عادي وناس وماء وسماء عادية؟ عادية مثل هذه التي عندي؟ في شوارع وسيارات وأصوات ناس وسوق خضار؟ في ناس بتنام وتصحى؟ وأولاد ومدارس؟)*

يدخل زياد خداش المعلم صفه، وبمساعدة الطلاب يجعل من الكراسي والطاولات شجرة بأغصانها، يركب المعلم وطلابه فوق تلك الكراسي والطاولات، هكذا توجد شجرة كافية، وأغصان يقف عليها الطلاب الطيور، ويغردون عن حبهم للحياة. ويطير المعلم وطلابه ولا يتوقفون عن الطيران حتى يصلوا سماء أخرى هي السماء الحقيقية.

في كتابة زياد خداش نقرأ كيف ينتصر الحلم ويحطم الحربَ والشرطة والريح الذين يفسدون الرقص والغناء واللوحة والكتابة (حلمنا وحلمنا وحلمنا، فانكسرت الحرب واختفت الشرطة وماتت الريح وسقطت السكين)*

ذاك المعلم عاشق سري، تنجذب روحه للمسنين والمسنات، يقتفيهم يتبعهم، يحلم لو أنه يستطيع أن يغرسهم وتطلع منهم أشجار معمرة، تتحول بين يديه المخيمات الفلسطينية وشارع الارسال الى ينابيع سرية، تنبع من فلسطين وتعود لتصب فيها، يسحره الجمال الى درجة أنه يتهيب من أن يكون رهين جمال واحد فيفوته باقي الجمال، يبقى حراً، كي يبقى دوماً في موضع إمكانية العشق لكل جمال ممكن.

قصص (يد الجد المعبأة بالبرتقال) والشيوخ الباكين فوق قطعة أرض في المنفى و(العجوز الذي ينهض) يوزع الشوكولاتة على أمين المكتبة وعمال البناء وينتظر الاطفال وحين يحين الليل ولا يأتي الأطفال ينهض (يقترب من شجرة سرو ضخمة، ينحني أمامها، يضع بالقرب من جذعها حبة الشوكولاتة الأخيرة، ثم يغادر مع كيسه الورقي الفارغ، مبتسماً يغادر، ومتنهداً مثل الآخرين)

ببساطة شديدة، بالحياة الواقعية نفسها، بالدوارات والمقاهي، كقصة فَرَج آذن المدرسة الذي ربما قتلت مخللاته محمود درويش، برام الله، التي هي نفسها رام الله. هل نعرف رام الله؟ كل البلاد تدعي انها بلاد الله، لكن وحدها رام الله هي رام الله، أنا لا أذكر الآن بلاداً اخرى يضع الله اسمه داخل اسمها، ولا المدن المقدسة حظيت بذلك، وحدها رام الله، اسمها من اسم الله شخصياً، ربما كانت مخططاً من مخططات مدن الجنة المستقبلية، او مدينة للملائكة في الأصل، وهذا الكاتب ملاك تناثر ريش أجنحته على حواجز الاحتلال، عندما كان يحاول الطيران أعلى من الجدران العازلة والشباك الشائكة، لكنه لم ييأس، استعاض عنها بأجنحة الكتابة، وها هو الآن يحلق في كل مكان، وهو مكانه في رام الله.

اليس نقص الحب هو التشخيص المناسب لعالمنا؟ ولنا؟ هل نستطيع أن نحب؟ الحب يكملنا فمن اقنعنا أن للحب حدوداً وعيباً في الكتابة، لماذا نقول يعجبني كتاب ونحن نحبه؟ أليس المفروض حين نحب أن تقول نحب، وهل الحب مقصور أم ممدود، الا نرى ما فعله اقتصار الحب بالعالم من مآسي؟

من حاضر المستقبل ومستقبل الحاضر يستمد زياد خداش فنه، كتابته، حين تقرأه تعاودك تلك القشعريرة الخاصة، عصب اللذة القرائية يتحرك فيك، ذلك الشرط القرائي الذي كنت تبحث عنه، أن تقرأ وتحب ما تقرأه، ويغذي امراً غامضاً فيك، ان تقرأ فلا تعود تعرف ان كنت تقرأ أم تندهش، أليست الدهشة هي شرط شروط القراءة الحقيقية والحب هو الهدف؟

الدهشة تحيط بما يكتبه زياد خداش، القصص التي يحلم القارئ بقراءتها يجدها مكتوبة، الصوت الناقص والحكاية المفقودة، يعثر القارئ على الشعور الضائع، والزمن المفقود الذي كان بروست يبحث عنه.

تقرأ نص زياد خداش وتتحقق لك المتعة القرائية، تتضح القيمة، يتحول تنفّسُ القراءة امام تلك النصوص الى حاجة ملحة، لا يعرفها المرء حتى يجربها، الكاتب وضع روحه الحية هناك، لذلك هي تحيا كلما أعيدت قرائتها، تتنفس في قرائها من جديد، تبعث هواءً جديداً في الهواء المستهلك، نسيماً يهب من حقول لم تولد بعد.

لا يجتر نص زياد النواح البائس المعتاد الصادر من الحفر والفخاخ على ما يدعى (القضية الفلسطينية)، كيف استسغنا اصلاً تحويل فلسطين الى مجرد قضية ونسينا انها بلاد وأرض وكائنات وبشر! بل يتجاوز بفلسطين النمطية عالماً وأفقاً نحو عالم وأفق جديد، يحيي البلاد ولا يميتها، تزهر في كفه، تتحول الى شابة مليئة بالحياة، اكثر حيوية من كل شيء آخر، تلتهب نارها الحقيقية في آلاف القلوب، تنبض فيها آلاف الأذهان التي حررت انفسها من الفخاخ، وطارت لتحلق في المستقبل.

يمثل نص زياد فلسطين بمَثَل صباح بيتين في رام الله: البيت الذاهل المريض (أخوة وأخوات يقتلون برد الألم بوهم النوم) والبيت الحيوي الحي (أخت سعيدة تصنع فولاً بيتياً للأخ المحرر) (خطوات غزيرة لأطفال تصعد بمرح الدرجات) (صباح بيتين فلسطينيين في رام الله، كنت في البيت الثاني وسمعت صمت البيت الأول، خرجت من البيت الثاني وطرقت باب البيت الأول: لم يفتح أحد) هناك تتضح فلسطين من زوايا أخرى (فلسطين: بيوت تفتح أبوابها حتى قبل الطرقة الأولى، وبيوت لا تفتح أبوابها حتى بعد زخات من الطرقات/ فلسطين: أمهات حزينات، وأمهات سعيدات/ فلسطين: عمات يتصلن من الخارج، وعمات لا يتصلن أبداً/ هبطت درج العمارة باكياً ظلمة إخوتي هناك، ومبتسماً لشمس إخوتي هنا.)*

لعل معالجة فلسطين اليوم لكاتب فلسطيني من أصعب المعالجات، وهي المعالجة التي يفلح فيها زياد خداش الذي تشتبه امرأة، ولها الحق، بأنه طبيب: (مش أنت دكتور؟ أنت دكتور، مبين عليك، أنا بعرف انك دكتور) في قصة (أن تقعي أرضاً ويكون اسمك أماني): (اكتشفت بشكل مباغت أنه من العيب والنذالة واللاحداثي والحرام ألا أكون طبيباً في هذه اللحظة) هكذا يطبب زياد فلسطين بعلاجات كتابية ناجعة، وأدوية تجعلها تتشافى بسرعة وترغب في الحياة بدل العلاج السائد الذي يجعلها تموت كمداً.

بخفة الصدق وحيويته يكتب، بروحه الحرة، متدفقة بإتقان حيوي نابض بالحياة، بالتحرر من التكلس والجمود، بالمحافظة على الدهشة، وبزرع الحيوي في حقول اليومي، وبتثبيت اطواد الحلم على الأرض كلها حتى تصعد الأرض أعلى من مصيدة التاريخ الزائفة.

(كلما طبعت حرفاً قتلت نملة، كلما نطقت كلمة سحقت فراشة، تلك هي الكتابة: حياة على جثة، ذلك هو الكلام: ميلاد على موت، فلتسامحني النملات الميتات، على أسطح حروفي المدماة، فلتسامحني فراشاتي التي قتلتها بالكلام، منذ جئت الى هذا العالم)*

مؤكد انه لا يكتب من الماضي الذي يعرفه جيداً، بل من المستقبل، سافر الى الغد البعيد ورأى الحرية المضيئة، من المستقبل حيث رأى فيما رآه حفيده وابنة اخيه يضعان ورداً لا يعرف نوعه على قبره، ثم يركب الحفيد قطاراً، سيوجد في زمن الحفيد وابنة الأخت، من رام الله الى بيروت (القطار الذي يمر من رام الله في طريقه الى القدس، فعمان فدمشق، فبيروت، قادماً من رأس الناقورة، مروراً بحيفا وجنين)*

* كل الاقتباسات مستلة من مجموعة (ان تقعي ارضاً ويكون اسمك اماني) زياد خداش، الأهلية للنشر/ ٢٠١٣م

0 1267 03 يناير, 2016 السابع والستون, حداء الروح يناير 3, 2016