جدلية الشعر والكهانة

لـ

تقترن صفتا “شاعر” و” كاهن” في الآيتين41،42 من سورة الحاقة، وصفتا “شاعر مجنون” في الآية 36 من سورة الصافات. فإذا استثنينا صفة الجنون الواردة في آية الصافات، تبقّى لنا اقتران صفة الكهانة بالشعر. فما العلاقة بينهما؟
ويفيد الجذر” كهن” لدى الساميين في الدلالة على الناطق بلسان الإله…. وينطوي هذا الجذر في الأصل على فكرة الانخطاف، إضافة إلى أفكار أخرى مثل:الوقوف أمام الإله والركوع أمامه والخشوع له وتعظيمه…. وعبر ألفته الحميمة مع الإله من المفترض أن يكون عليماً بأسراره. وبوصفه نبياً وكاهناً وملكاً في آن، كان يملك السلطة المطلقة على النطق باسمه…. “توفيق فهد، الكهانة العربيَّة ص42″.
فالسجع ضرب من الخطاب الديني يتسم بالشفاهية، ويقوم في أساسه كما وصل إلينا مقترناً بأحاديث الكهان والمتنبئين الذين زعم العرب أنهم كانوا على اتصال وثيق بعالم الجن والقوى السحرية والغيبية الأخرى، التي تساعدهم في أداء مهمتهم، المتمركزة في التنبؤ ودرء الأخطار وحذف اللعنات على الخصوم أو التزلف إلى الآلهة. وبهذا احتل هذا الخطاب السجعي الكهاني هالة في النفوس، لما يقوم عليه من نسيج لغوي وبنية أسلوبية جعلته مفارقاً لغةً وتراكيبَ وإيقاعاً للغة المألوفة في الخطاب البشري.
وقد كان لسجع الكهان وللكهان أنفسهم سلطة روحية. ولارتباط السجع بالحياة الدينية عند العرب، فقد ربط الجاهليون بينه وبين القرآن وقرنوه بسجع كهنتهم. وقد ردَّ القرآن المجيد مزاعمهم هذه في سورتي الطور: ٢٩ – ٣٠ والحاقة: ٤٢-41 .
والباعث لدى الجاهليّين في رمي الرَّسول عليه السلام بالكهانة، راجع إلى إخباره عليه السلام بقصص الماضين المغيبة، وتحذيرهم وإنذارهم بما أوحي إليه من قصص من أن يؤول مصيرهم ومصرعهم إلى ما آل إليه مَن سبقهم.
وقد اجتمعت وظيفتا الشّاعر والكاهن معاً، فكلاهما يؤدي الدورين وينهز بالمَهمَّتين؛ الشعر والكهانة، على نحو ما نجده في شخصيَّة الشّاعر دريد بن الصمة، الذي أشار برأيه ونصحه على قومه في الحرب وحذّرهم فلم يسمعوا نصحه، فقال:
أمرتهم أمري بمنعرج اللِّوى / فلم يستبينوا الرشد إلا في ضحى الغد.
‏ فقد جرت العادة لدى الجاهليّين استشارة الكاهن قبل المضي في أي حملة عسكرية أو غزوة تقوم بها القبيلة. والشّاعر والكاهن كلاهما يسدي النصح ويحذر من الأخطار كما فعل لقيط بن يعمر الإيادي الذي كان كاتباً في ديوان كسرى سابور ذي الأكتاف، فلمّا رآه مجمعاً على غزو إياد أرسل إلى قومه كتاباً ينذرهم فيه غزو كسرى إياهم، ويقترح فيها عليهم كيفية مواجهته، وذلك في عينيته الَّتي مطلعها:
يا دار عمرة من مُحتلِّها الجَرَعا/ هاجت لي الهم والأحزان والوجعا.

والكاهن في عرف الجاهليّين رجلُ تلبّسه الجِنّ، ويردد كلماته وأسجاعه تحت تأثير قوىً غيبية تلهمه القول. فالكاهن بهذا المعنى يلتقي مع الشّاعر من حيث الطبيعة الحادثة فيهما، فكلاهما يتلبسه الجِنّ، ومن حيث الوظيفة الاجتماعية في القبيلة، بتقديم نبوءة قائمة على النصح والإرشاد والتحذير من الأخطار المحتملة والمتوقعة، وحل المشكلات، وغيرها من المهام الَّتي كان يتلقى عليها حلواناً، حتّى لتبدو الكهانة مؤسسة دينية ذات نفوذ وسلطان.
ومن السهل ملاحظة وجود التلازم بين طبيعة العروض الشِّعري وبخاصة بحر الرجز، وبين سجع الكهان، إنْ من حيث الأبعاد الصُّورية والشكلية، أو الأبعاد السرّانية للتعبير المتمثلة في المجازات الغريبة الَّتي يتضمنها سجع الكهان، وهو ما دعا الجاهليّين إلى مماهاة سجع الكهان بالنَّصّ القرآني ، انطلاقاً من أن سجع الكهّان يتسم بالغموض والقداسة معاً، فهو سجع مختلف عن سجع الخطباء وغيرهم ، كونه سجعاً قابلاً للتأويل، فضلاً عن أن المقسم به في سجع الكهان يحمل معنى مقدساً في وجدانهم ما يجعل له التأثير المنشود في السامعين.
قالكاهن يعمد إلى السجع، في حين يغلب الرجز على كلام الشّاعر، وبخاصة في المرحلة المتقدمة تاريخياً في فن القول الشِّعري. ومعروف أنَّ الرجز هو البحر الأقدم في العروض العربي، وبينه وبين السجع وشيجة تتمثل في الإيقاع. وإذا كان الرجز قد تطور عن السجع بعد أن أُخضع للوزن، فإنَّ الرجز”هو أصل الشعر العربي الذي تطورت عنه البحور الأخرى” -شكري عياد، موسيقى الشعر، ص 102-. واللافت أنَّ في الرجز ما يؤشر على شعور الاضطراب والقلق والغضب، وكل ما يتصل بالانفعال العنيف الَّذي يعلو ويخفت بحسب التأثيرات الخارجية الموحية بما يرتجزه الشاعر، وهو ما يتوافق تماماً مع الحالة النفسية والتعبيرية التي يكون عليها الكاهن. ونجد اقتراناً دلالياً بين الرَّجَز بوصفه نمطاً شعرياً يجري في لغة الشاعر والكاهن، وبين الرِّجز.
فمن معاني (الرِّجْز) في النص القرآني المجيد: الغضب الإلهيّ، كما تشير إليه سورة العنكبوت: آية٣٤، البقرة: ٥٩. ونجد العلاقة المعنوية الوثيقة بين دلالة الرِّجز والرجس في سورة الأنفال: ١١. والرجس في القرآن الكريم يشمل مجموعة من المحرَّمات منها ما يتعلق بعادات وثنية تتصل بالتكهن “الأنصاب، الأزلام، الأوثان، لحم الأضاحي المقدمة للأوثان” كما يبدو في الآية 90 من سورة المائدة والآية 30 من سورة الحج. وكذلك يقترن معنى الرجس والرجز في قوله تعالى «قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ» الأعراف: ٧١. وحين يصف الله المشركين في سورة التوبة:95 بالرجس ، فلكونهم ينفون الوحي، ويصرّون على الاعتقاد بالقوى الوثنية، ومنها الجن والكهّان.
والجدير بالذكر أنَّ الشكل التعبيري للرجز قد مال إلى أن يكون أكثر اقتراناً بالشاعر، فيما استأثر الكاهن بالسجع الَّذي تماهى في خطابه، إلى درجة أننا نرى أنَّ الرسول عليه السلام يذمُّ السَّجع ولا يذمُّ الرجز، وذلك لارتباط السجع بالكهانة التي تقدس الوثنية، وهو الارتباط الذي منح الكاهن وظيفة مقدسة مرجعيتها الآلهة المتعددة. ويرى توفيق فهد أنه “من الممكن إعطاء تفسيرين لعبارة:بنات طارق، الَّتي غدت اسماً علماً. أما التفسير الأول فهو ذو طابع شعائري، يجعل من بنات نجمة الصباح هؤلاء نوعاً من جمعية رهبانية مرتبطة بمعبد اللات. والتفسير الآخر ذو طابع كهاني، يشير إلى الوظيفة الَّتي تؤديها الكاهنات على رأس الجيش؛ إذ يقدِّرن فرص النصر بمساعدة شتى الطرائق الكهانية وفي مقدمتها الاقتراع. ففي ساحة المعركة كان التكهن بالحصى هو الطريقة الأكثر سرعة، وهو ما سيسوِّغ الاسم الَّذي أعطي لتلك الكاهنات أي: بنات طارق- ص88 توفيق فهد-. فالكهان كانوا يرافقون الجيوش في ساحة المعركة، ويطلقون عبارات شعرية هجائية تفيض بالسخط والمقت تجاه خصومهم، وكانت لهؤلاء الكهان معابد متنقلة يرفعون عليها شعار الآلهة.
والسجع شكل من أشكال التعبير الشكلي للوحي. وقد استخلصه العرب من الشجو المتكرر والمتقطع والرتيب للحمامة. وفي حصار المسلمين لآل كندة يبدو لنا الدور الَّذي لعبه الرجز، فحين شعر آل كندة بأنهم مهزومون لا محالة (حلقوا رؤوسهم دلالة على تكريس أنفسهم لله، وأقسموا على عدم الافتراق عن بعضهم، وجعل راجزُهُم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم…) – الطبري ج4 ص174-. وفي السجع تكمن حالة من الوجد والانخطاف، فالكاهن بهذا يدخل في رِعدة وغَشْية. ولنا أنْ نستحضر الحالات الَّتي عبَّر بها النبيُّ عليه السلام عمَّا كان يغشاه لحظة تنزُّل الوحي الكريم عليه، لنرى كيف ماهى كفار مكة بين حالتي النبي والكاهن لحظة التلقّي.
والجامع بين الكاهن والشّاعر والساحر والنبي هو: قيامهم بالوظيفة الاجتماعية نفسها، المتمثلة في النصح والإرشاد والإخبار عن المغيبات، وإنْ بأساليب متمايزة ومختلفة عن بعضها بعضاً في ما يصدر عن كل واحد منهم من قول، فضلاً عن اتصالهم بقوى خفية، فسجع الكاهن هو نثر مقفى يفتقر إلى الوزن، وغالباً ما يقترن بصيغ القسم المألوفة.
والعلاقة الوظيفية بين الكاهن والشّاعر واحدة، فالشِّعر ابتداءً تطوَّر عن الكهانة “من أناشيد دينية كانوا يتجهون بها إلى آلهتم يستعينون بها على حياتهم، فتارة يطلبون منها القضاء على خصومهم، وتارة يطلبون منها نصرتهم، ونصرة أبطالهم، ومن ثمَّ نشأ هجاء أعدائهم، ومدح فرسانهم، وسادتهم، كما نشأ شعر الرثاء، وهو في أصله تعويذات للميت، حتّى يطمئن في قبره،وفي أثناء ذلك كانوا يمجدون قوى الطبيعة المقدسة، الَّتي تكمن فيها آلهتهم، والَّتي تبعث فيهم الخوف، ومعنى هذا كله، أن موضوعات الشِّعر الجاهليّ، تطورت من أدعية وتعويذات وابتهالات للآلهة إلى موضوعات مستقلة.”- شوقي ضيف العصر الجاهليّ ص 196-.
والجاهليّون حين يقرنون بين الشِّعر والسحر والكهانة الَّتي رموا بها الرَّسول الكريم عليه السلام فإنَّما ذلك لاعتقادهم بوحدة العلاقة بين هذه الفنون، وأن شخصاً واحداً يمكن له أن يتصف بها جميعاً. فثمَّة دارسون يرون أن السحر هو البداية الطبيعية في المجتمعات البدائية، فالكهانة هي إحدى وسائل التعبُّد، وتتطلب معرفة خارقة، أما السحر فيتطلب قوة إرادة خارقة، وكلاهما قوة سحرية تستخدم لخدمة الدِّين. وفي حقبة ما من تطور العقل الدِّيني امتزج السحر بالكهانة، مع أن الساحر يتلقى قدرته السحرية من الآلهة أو الجِنّ أو الشَّياطين، وهي المصادر نفسها الَّتي يتلقى عنها الشّاعر. فجرير يصف الشِّعر بأنه ” رقى الشيطان” ويصف الطريقة السحرية للشاعر في استفزاز الممدوح لكسب العطايا، فيستحيل الشِّعر وسيلة سحرية تسيطر على الممدوح وتحقيق الغاية من المدح: التكسّب، فقال في مدح الخليفة عمر بن عبد العزيز:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه / وقد كان شيطاني من الجِنّ راقيا
والإنشاد الشِّعري الَّذي يردده الحادي في الصحراء نوع من التعاويذ الَّتي يرقي بها نفسه عن مس الجِنّ، أو ليدل الجِنّ على نفسه كي تلهمه مزيداً من الشِّعر.
لقد اختلط مفهوم ” النبي” بمفهوم” الكاهن في العقلية الجاهليَّة، فهم يطلبون من النبي ما كان يحققه لهم الكاهن من التنبؤ بحوادث المستقبل المتوقع حدوثها، وهو ما نفى القرآن إمكان تحققه للنبي « ولا أقول لكم إني أعلم الغيب» . فالمشركون على هذا كله وجدوا مشابهة بين انخطافه ووحيه ولغة القرآن، وبين وحي الكهان وسجعهم، وغموض التعبير.
والروايات المبثوثة في كتب الأدب تجمع على أن الشّاعر كان ينشد شعره إنشاداً في الأسواق والمنتديات، فلم يكن يلقي شعره ولا يغنّيه، وإنَّما ينشده، ففي إنشاده خصائص صوتية تبعث في الشِّعر وفي متلقيه الحرارة والحياة والحماس والقوة، مما لا يتوفر في الإلقاء والغناء. وفي سورة المزمل حضَّ القرآن الكريم على ترتيل القرآن، ولهذا ربط العرب بين طريقتهم في إلقاء الشِّعر، والإنشاد، وترتيل القرآن الكريم. فالترتيل فيه بيان، وهو بعيد عن العجلة في النطق، يتبين فيه السامع الحروف المنطوقة،وقد استوفت حقها من الإشباع فيتمكن الخاطر من تأملها بقلب حاضر تكتمل به المعرفة، وفيه تجويد في تنضيد اللفظ والمعنى. وفي الإنشاد قدر من الترتيل. يقول الأسود بن يعفر النهشلي:
غنّيه بحّاءُ الغناء مُجيدةٌ / بصوتٍ رخيم أو سماع مرتَّلِ
فبالموسيقى يُعبِّر الإنسان عن أفكاره وانفعالاته ووراء اللحن تنساق النفس الإنسانيَّة، وتتبعه في تموجاته وتَغيُّره وتوالي إيقاعه. والشِّعر يقوم على الوزن الذي يقارب جانبه الإيقاعي. فالأسباب والأوتاد والمصاريع مكونات إيقاعية صوتية، تتناغم فيها الحركة والسكون في بنية زمنية متعاقبة، تُحدث التخييل في القول فيندمج المتلقي في صميم التجربة الشِّعرية بوجداناتها وخيالاتها وصورها وعوالمها الفنية الَّتي تشكل القصيدة. فطريقة تنغيم الكلمات تشد انتباه المتلقي وتهيء وجدانه للتفاعل ” لما ألقى علقمة بن عبدة قوله الشِّعري بين يدي ملك غسان مستعطفاً إياه أن يطلق سراح خاله لم يحرك شعره في نفسه شيئاً، لكنه حين لحنه وتغنى به استجاب بسرعة لطلبه، لأن اللذة الجمالية الَّتي تضمنها شعره الملحّن عطلت الحركة الذهنية لفكره ورويته، أو أثارت في المقابل الانفعالات الغريزية والنزوعية لقواه الخيالية، فنسي بذلك ملك غسان إساءة أسيره إليه وغضبه عليه، فتغيرت مواقفه السلبية منه بمشاعر الغبطة والسرور والثقة في الذات”.- التخييل والشِّعر، يوسف الإدريسي، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2012، ص 214-.
ولنا أن نستذكر كيف أن تلاوة الرَّسول الكريم عليه السلام للآيات الأولى من سورة فصلت أثرت في سمع عتبة بن ربيعة، حين استمع إلى الرَّسول – صلى اللّه عليه وسلم – وهو يتلو على سمعه قوله تعالى: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ».. فقام مذعوراً فوضع يده على فم رسول اللّه – صلى اللّه عليه وسلم – يقول: أنشدك اللّه والرحم يا محمد! خوفاً من وقوع النذير. فالقيمة التخييلية للآيات وفق قانون الترتيل أخرجت المتلقي / عتبة بن ربيعة، من حالة شعورية إلى أخرى، فتغيرت مواقفة الانفعالية وفقاً لغاية موضوع الآيات القرآنيَّة.

0 1382 06 يناير, 2016 السابع والستون, ثقافة وفكر يناير 6, 2016

عن الكاتب

شاعر واديب اردني، عضو رابطة الكتاب الاردنيين، وعضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العربز له العديد من الاصدارات الشعرية، والروائية والاعمال المسرحية اضافة لادب الاطفال. تولى العديد من المواقع الثقافية على المستوى المحلي، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الثقافية الاردنية والعربية.

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد سلام جميعان