نحن والتسامح والتفاهم

لـ

تزخر كتب الأثر بمديح أهل عمان، منها نصوص مركزية كالأحاديث النبوية، ولعل أغلبنا سمع ببعض أو كل تلك الأحاديث ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد، نصوص مروية من مثل (لو أهل عمان أتيت ما سبوك وما ضربوك) و (إني لأعلم أرضاً يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر بها حيّ من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر) و (من تعذرت عليه التجارة فعليه بعمان) و (نعم المرضعون أهل عمان) و نصوص أخرى صححها من صححها وضعّفها من ضعفها، اضافة الى خطبة تروى عن ابي بكر في أهل عمان ورسالة للجاحظ.

كل تلك النصوص تراكم أسساً ثقافية تشجعنا على توسيع آفاقنا ومساحة تقبلنا وسعة صدورنا لتقبل الجديد، والاختلاف، وعدم الانكفاء على الذات، ونبذ التعصب، والتخلص من الأفق الضيق، مثلما أن لدينا شواهد اجتماعية تدلل على قبولنا وامتراجنا بجماعات أخرى، مثل تواشجنا مع سواحل المحيط الهندي وكل الآثار التاريخية المشتركة الممتدة على ساحل المحيط الهندي الى الصين وإلى شرق أفريقية، لكن بالمقابل هناك ايضاً وقائع تاريخية مضادة تؤكد ثباتنا على الاستقلالية الذاتية ورفضنا الانصياع لقبضة السلطة المركزية المدججة بالسلاح والقوة كما حدث ابتداءاً من واقعة النهروان ثم في عهد الأمويين والعباسيين من بعدهم، كما أن هناك شواهد أخرى أشد بروزاً ووضوحا من هذه وتلك تدل على مدى تشظينا وحروبنا البينية التي استمرت متقطعة لما يزيد عن المائة وخمسين سنة، وأعني هنا أبراج المراقبة التي تزين الجبال شواهد واضحة على الحروب الأهلية وعلى فترات الاضطراب خارج الدولة المركزية، تلك الفترات التي جعلت كل جماعة تسعى لحماية نفسها والبحث عن موارد لتعزيز قوتها وسيطرتها.

لدينا مدن معروفة انقسمت على نفسها الى شطرين وكان كل شطر منها يحارب الآخر، بل لدينا ما هو أنكى من ذلك من قبائل متحدة قسمتها الحروب وشطرت وحدتها الى أجزاء، ومرويات عديدة عن انقسامات وقعت في البيت الواحد، وعن قتل الولد لوالده والعم لأبناء أخيه الى ما هنالك مما تزخر به كتب التاريخ.

كل ذلك يدلل على أننا نقدر على التسامح والسعة ونقدر على الضيق، حسب الظروف السائدة، لكن ماذا عن اليوم؟

اليوم تنشط فعاليات عمانية تدعو الى التسامح والى قبول الآخر ولعل الإشارة الى اسبوع التقارب والوئام الانساني في مسقط الذي ينظمه مركز السلطان قابوس للثقافة كافية، رغم أن لدينا أيضاً مشروع مجلة مستمرة تصدر عن وزارة الأوقاف هي التفاهم، كان اسمها التسامح، ومنهجها واضح في تجسير الهوّة بيننا وبين الآخر، اضافة لحملة تعريفية ترعاها وزارة الأوقاف أيضاً تجوب البلدان للتعريف باعتدال الاسلام ومثله العليا، مع ان معظم انشطتها، أو ما وصلنا منه على الأقل، تقام في الغرب في حين أن الشرق أكثر حاجة الى مثل تلك الدعوة، أما اجتماعياً وعبر مواقع التواصل ينشط ويتكون خطاب سطحي نوعاً ما عن ما يشبه الطهرانية العمانية وضرب المثل بالتعايش العماني، مقارنة بما يوصم به الآخرون، صدقاً أو كذباً، من رفض الآخر وخطاب العداء بين المذاهب وبين الأديان والأجناس.

في الثقافة الشعبية هناك نقد شعبي للذات منتشر ويعرفه الجميع عن مدى طيبة العماني ولطفه مع الآخر وعن مدى توجسه من ذاته وأخيه وشبيهه، ولعل أمثالاً متداولة من مثل (الثمرة تحِتّ بعيد عن جوسها أي الثمرة تسقط بعيداً عن جذعها) ومثل التنظيرات الشعبية والنكات الشائعة عن حسد العماني مثل: (عماني وهندي حكموا عليهم بالاعدام، وقبل تنفيذ الاعدام سألوا العماني ايش آخر أمنية لك قبل ما تموت؟ قال لهم: سألوا الهندي قبل. فسألوا الهندي عن آخر أمنية فقال: أريد أشوف أمي قبل ما اموت؟ فتسائل منفذو الاعدام بينهم من اين يأتون له بأمه الآن وأمه في الهند، لكن لنسأل العماني عن أمنيته ثم نرى أمر الهندي، فعادوا ليسألوا العماني عن أمنيته الأخيرة فقال: أمنيتي ان ذا ود ال… ما يشوف امّه) وهي وشبيهاتها تدلل على انتشار مثل ذلك التوجس من الذات وذلك التوقع والحكم المسبق، مع أن الأمر نسبيّ في كافة الأحوال، لكن له جذوره ومسبباته النفسية في الفوضى الطويلة وفترات الضعف التى عمت البلاد اثر الاضطرابات السياسية، والغارات المتبادلة بين القبائل، والعبث السياسي، وانعدام الأمن والحروب والثورات التي أنهكت البلاد على امتداد قرن ونصف على الأقل، فولّدت شكّاً في الذات وتوجساً وريبةً وانعدام ثقة.

مع ذلك كان الأمل في العصر الجديد الذي نعيشه، بكافة تغيراته الجذرية، في قدرته على تذويب تلك العقد المتبقية والحزازات النفسية، لكن أمراً خطيراً يعود الى الظهور من جديد في السنوات القليلة الماضية يجعلنا نتوجس من جديد على منسوب التفاهم والسماحة والتسامح في المجتمع، ولعل مثال القضية التي أثارها وكلاء فلج دارس على الإعلامي نصر البوسعيدي تدلل على ذلك المستوى، فرغم أن الدافع الأساسي هو المصلحة العامة، وقد اتضح ذلك بالمرسوم السلطاني الذي تلى تداول القضية وقرر صفة المنفعة العامة للحديقة، لكن لم يغلب حسن التقدير وحس التسامح والعفو على المجتمع وبالتالي يغلّب تبرئة المتهم وتجاوز الإساءة، إن وجدت، أو العفو والصفح وسعة الصدر بل العكس.
القضية نفسها مجرد مثال شهير، فأروقة المحاكم ومكاتب الادعاء العام مشغولة بكم كبير من القضايا على هذه الشاكلة، يرفعها مواطنون ضد بعضهم البعض، وكلها تعكس ضيق صدورنا ببعضنا البعض، وتغليب العداوة على السماحة، وتلقّف الزلّات والهفوات وتحويلها الى قضايا وطلب القصاص، ولا أحد يتذكر الآية (فمن عفى وأصلح فأجره على الله) وهي واردة في القصاص من الجروح بما فيها القتل، فإذا كان القرآن يدعونا الى العفو عن أخذ الثأر لمن قُتل فكيف بما دون القتل من أخطاء؟!

هناك مثال آخر نستطيع عبره تبين ضيق الصدور بالأخطاء، وهو مثال قرارات الحكومة والسلطة التنفيذية وردات الأفعال الاجتماعية والرأي العام الذي أصبح في غاية الاستنفار تجاه أدنى هفوة، أو خطأ غير مقصود، بل بلغ الأمر مبلغ تعميم التهمة والحكم المسبق ورمي كل مسئول بتهمة الفساد، وفي أحيان كثيرة وصلنا الى حالة من التقسيم بين الشعب والحكومة تجعل الثانية تعمل ضد الأول، عكس سير الأمور الطبيعي، فقط لإثبات الحالة، وأحياناً للبحث عن مسوغ لفشلنا العام، وبحثاً عن كبش فداء مناسب لمجموع الأخطاء.
السؤال الآن هو من أين ينبعث ويتفاقم كل ذلك ويرتد؟
هل نظن هنا ويعتقد معنا السياسيون والذين يديرون دفة النظام والأمن في البلاد أن ثقافة قضايا الإعابة والإساءة بريئة من إثارة هذه الحالة العامة؟ أو نظن أن ما حدث من جعل تلك القضايا مناخاً عاماً بريء من هذه الحالة الاجتماعية الضيقة بذاتها؟ فلا يكاد مستخدم مجهول يكتب كلمة صغيرة على مواقع التواصل يمكن أن لا تلفت الانتباه من أساسه حتى يجد نفسه تحت طائلة الاستدعاء والحبس محالاً للمحكمة بتهمة الإعابة والإساءة، هل كل ذلك لا دور له في اشاعة ضيق النفوس العام هذا؟ وما دامت الدفة موجهة باتجاه ما فكيف اعتقدنا أن السفينة لن تذهب كلها في ذلك الجهة؟!

يقول المقنّع الكندي في قصيدته الشهيرة يعاتبني قومي:
ولا أحمِلُ الحِقدَ القديمَ عليهمُ فليسَ رئيسُ القومِ من يحمِلُ الحقدا/.. فإن أكلوا لحمي وَفَرتُ لُحومهم وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا..

ستذهب كل جهودنا في نشر ثقافة التسامح والتعايش هباءً إذا لم نؤصّل ثقافة العفو والتسامح والتفاهم ثقافياً واجتماعياً داخل نسيجنا، لقد درجت كلمة التفاهم في رسائل العمانيين القديمة فلا تكاد تخلو رسالة بين علية القوم منها بصيغها المتعددة: تفاهم، مفاهمة، فهمنا، فهموا عنا، لنفهم ..الخ ونحن اليوم أحوج في كل مناحي حياتنا الى ذلك الفهم والتآزر والعفو الذي يحتاج سعة صدر جذرية بدونها لا يقوم فهمٌ ولا مفاهمة.

0 1289 28 فبراير, 2016 الثامن والستون, ثقافة وفكر فبراير 28, 2016