التصوف الفارسي وترجماته العربية

لـ

غير خافٍ اليوم حضورُ التصوف موضوعًا ودرسًا وإنتاجًا في بلادنا العربية، وبصفة خاصة في مصر، نظرًا لمكانتها وتراثها الروحي وتاريخها الطويل الذي ازدهر فيه هذا اللونُ من الإبداع ، بكافة صوره وألوانه من شعر ونثر وقصص وأزجال وملاحم وغيرها من فنون القول، فلا تزال شواهدُ وآثارُ القوم الصوفية في بلادنا قائمة، ولا يزال المحبون يرددون كلمات السادة الصوفية حكمة وشعرًا ويتغنون بها، فمتى انقطع ذِكرُ حِكم ابن عطاء الله السكندري؟! ومتى كفّ المنشدون عن ترديد أبيات ابن الفارض؟! ومتى غاب عن صدور المحبين أنينُ قلبِ رابعة العدوية وابتهالاتها فالكل يحفظ من أشعارها وما نُسب إليها ما يسعد الروح ويحققها.
لم تكن الآدابُ العربية وحدها التي ذاعت وانتشرت في مصر، فعبر هجرات العلماء إلى مصر عرفت البلاد الموشحات والأزجال الأندلسية كما عرفت الملمعات والرباعيات الفارسية، وتخبرنا المصادر التاريخية وكتب الطبقات عن حضور صوفية من بلاد إيران وفارس، وصوفية من تركيا والبلقان، هاجروا إلى مصر ومارسوا طقوسهم وأنشأوا مدارسهم وتكاياهم هنا، وحفظ المصريون بعضًا من إنتاج هؤلاء القوم، وإن درست آثارهم في عصرنا الحديث وغاب وجودهم بفعل سياسات الدول، وعُجمة اللسان واختلاف البيئة وتشبّع المصريين بما لديهم من تراث الأدب الصوفي.
التفت إلى التراث الصوفي الفارسي غير واحد من أعلام المدرسة المصرية، سنتحدث في هذه المقالة عن ثلاثة منهم (عبد الوهاب عزّام- محمد عبد السلام كفافي- الصاوي شعلان) .
بعد إصدار مطبعة بولاق أجمل طبعات المثنوي، وشرحه (المنهج القوي لطلاب المثنوي) ، وطباعة مؤلفات فريد الدين العطار، وبرز من هؤلاء الأساتذة بشكل لافت الأستاذ عبد الوهاب عزّام (رائد الدراسات الشرقية) في العالم العربي، الذي تتلمذ على يد المستشرق (دنسّ رس) و(نيكلسون) و (توماس أرنولد).
إن واحدًا من أساتذته المستشرقين صرف عمره في درس التصوف الإسلامي، حتى أمسى حُجّة في علمه، وله فيه مؤلفات كثيرة يعتمد عليها الباحثون في التصوف، وهي حريّة بأن يعتمد عليها، وقد نشر بعض كتب التصوف القيمة بالعربية والفارسية وترجم بعضها إلى الانكليزية، وحسبنا أن نقول إنه ترجم المثنوي، ونشر الأصل الفارسي والترجمة. فكان الأصل الذي نشره عمدة قراء المثنوي في أصله، والترجمة مرجع قرائه في الإنجليزية. وكان قد نشر قبلًا قصائد من الديوان الكبير، ديوان جلال الدين المسمى ديوان شمس تبريزي مع ترجمة هذه القصائد، وقدم لها مقدمة وافية كافية في تاريخ جلال الدين ومذهبه.
شهدت مجلة الرسالة المصرية تقديم الأستاذ عزّام لأعلام التصوف الفارسي والهندي والتركي، فنقرأ في مجلداتها الثرية عن بيدل الدهلوي و ميرزا غالب ومحمد إقبال والرومي وفضولي ويونس إمره وفريد الدين العطار وسعدي الشيرازي. وبعد سلسلة من المقالات والترجمات في هذه المجلة ومجلة الثقافة المصرية يُصدر عزّام كتابه عن (التصوف وفريد الدين العطّار)، وهو الكتاب الذي يظلّ حاضرًا في مجال الدرس الصوفي لمن أراد أن يتعرّف على تصوّف عطّار نيسابور.
فريدُ الدّين العطّار (صاحب منطق الطّير وإلهي نامه ومصيبت نامه وبند نامه) أحد أشهر ثلاثة ارتبطت أشعارهم بالتصوف الإسلامي أوّلهم سنائي الغزنوي صاحب حديقة الحقيقة التي تأثر بها مولانا جلال الدّين الرومي تأثّرا بالغًا في كتابة المثنوي، وثانيهم العطّار، وثالثهم وأعظمهم وأشهرهم اليوم جلال الدين الرومي.
ويعد عطّار نيسابور أحد الآباء الروحيين للرومي، فالكتابة عنه تمهيد ومفتتح لحدائق الرومي الثرية، فضلاً عن أصالة العطار وقيمته.
بدأ عزّام كتابه عن العطّار بدراسة تمهيدية عن التّصوف كيف نشأ وكيف تطوّر في فصلين، وناقش فيهما آراء المستشرقين في مصدرية التصوف وتطوره، ثم أصّل للتصوف من خلال آيات القرآن وأحاديث النبي الأكرم، ثم عقد بابًا للحديث عن التصوّف والأدب، ثم قدّم دراسة موجزة لإنتاج فريد الدين العطار، وفي الباب الرابع تناول تصوّف العطّار في خمسة فصول على النحو التالي:
1- طريق المعرفة عند العطّار 2- الله والعالم والإنسان 3-القضاء والقدر 4-الطريقة 5-تصوّفُ العطّار والإسلام.
بعد عرض عزّام لتجربة العطّار انتقل إلى تعريف القارئ العربي بمولانا جلال الدين الرومي من خلال نشره لمجموعة مقالات في مجلة الثقافة عام 1942م، ليعرّف القرّاء به وبثمار رحلته الروحية، فتابع الحديث عنه في أربعة مقالات نُشرت في الأعداد 165، 167، 168، 169 من السنة الرابعة عام 1942م، لتصبح هذه المقالات فيما بعد نواة لكتابه الذي نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر عام 1946 في 199 صفحة، بعنوان: (فصول من المثنوي).
جمع عزّام في هذا الكتاب خلاصة مقالاته السابقة، وجعلها مقدِّمة لفصولٍ ترجمها عن المثنوي. وهذه الفصول هي: «قصة التاجر والببغاء» و«قصة الأسد والوحوش» من المجلد الأول، ثم مقدمة الجزء الثالث من المثنوي. وترجمة القصة الأولى منظومة، وقد قرن فيها الترجمة العربيّة بالنصّ الفارسيّ، وبلغ عدد الأبيات المترجمة نحواً من ستمائة بيت.
كانت أعمال عزّام بداية لاهتمام أكبر ظهرت آثاره مع تأسيس كرس الدراسات الشرقية بالجامعة المصرية، ويروي محمد عبد السلام كفافي التلميذ الوارث لعزّام بعض الأخبار عن هذه الفترة مما يحسن ذكرها هنا يقول كفافي: (وكان أستاذنا المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزّام من أقدر الباحثين العرب على فهم المثنوي وتذوّقه، وكان له الفضل الأوّل في توجيه انتباهي إلى المثنوي. فقد كنّا ندرس آداب الأمم الإسلامية في المعهد العالي للغات الشرقية وآدابها بجامعة القاهرة، بين عامي 1943-1946م، وكان الأستاذ يفرض علينا قراءة مئات من الأبيات من المثنوي إبّان عطلات الصيف، كما أنه كثيرًا ما كلّفني بأن أقرأ المثنوي وأشرحه أمامه، وكان هذا باعثًا ومشجعًا في تلك الفترة من حياتي الدراسية).
لم يكن المثنوي وحده ما وجّه الأستاذُ عزّام عناية طلاّبه إليه، فقد سبقت الإشارة إلى مؤلفات فريد الدّين العطّار . إن كتابًا منها يحمل عنوان: (پند نامه) عدّه الأستاذ عبد الوهاب عزّام من أجلّ كتب عطّار نيسابور، وهو (كتاب صغير في النصائح والمواعظ، تُرجم إلى التركية والعربية، وشُرح مرارًا). اعتمد كفافي في قراءته على النسخة التي طُبعت في بولاق بالفارسية عام 1291هـ، وفي عام 1972 ثم أصدر كفافي الترجمة العربية للنصائح بعنوان: پند نامه: مختارات من كتاب النصيحة دار النهضة العربية، بمصر، وقد أحسنت جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا بإعادة طبع الكتاب عام 2009. إذ لم يعد معروفًا عند قطاع كبير من القراء العرب عطاء كفافي في هذا المجال.
لذا أنتهز هذه الفرصة لأتحدث عن كفافي ومسيرته العلمية مع التصوف الفارسي ونقله إلى العربية
بدأ محمد عبد السلام كفافي تعريفه بمولانا جلال الدين الرومي منذ وقت مبكر، ففي عام 1946 دُعي لإلقاء سلسلة من الأحاديث الأدبية من محطة الإذاعة العربية بلندن وذلك إبّان التحاقه بجامعة لندن في الأعوام (1946-1950)، فما رأى أبلغ وأجمل من دروس حضرة مولانا جلال الدين الرومي ليجعلها موضوعًا لأحد تلك الأحاديث. لتنشر فيما بعد في مجلة (المستمع العربي) العدد الثامن من السنة التاسعة.
كما ألقى عن مولانا جلال الدين بحثًا في الموسم الثقافي الثالث لجامعة بيروت العربية في عام 1963، نُشر هذا البحث فيما بعد مع مختارات مترجمة من شعر مولانا في بيروت 1963. وظلّ كفافي مشغولاً بالرومي يحاضر في الجامعة المصرية واللبنانية عنه منذ انضمامه إلى هيئة التدريس في كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1950 حتى قبل وفاته رحمه الله.
ويخبرنا الدكتور محمد عبد السلام كفافي أن روعة المثنوي تأتي من أنه يتناول الحياة بكل جوانبها، فلا نكاد نرى موضوعاً من موضوعات الأخلاق والسلوك لم يطرقه الشاعر، ولكن سبيل معالجته لم يكن سبيل الواعظ، بل سبيل الشاعر الفنان، وكذلك حفل المثنوي بالقرآن، والحديث، وقصص الأنبياء، والقصص الشعرية، والفلك والأساطير، والعادات، والفلسفة، والكلام، والطب، بل ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنه كشف عن معرفة جلال الدين بألعاب التسلية الشائعة من: شطرنج، ونرد، وكرة، وصولجان.
أما تناول هذه المسائل فقد كان بأسلوب تحليلي يتّسم بالجدّ، ولكنّه بين حين وآخر يدخل فيه عنصر الفكاهة والسخرية فيكون بالغ الأثر، ويرسم به لوحات رائعة لا تتاح إلاّ لمن أوتي قدراً عالياً من براعة التصوير.
كان كثيرٌ منها معروفاً ذائعاً، سواء ما كان دينياً وشعبياً، ولكن تناول الشاعر لهذه القصص جعلها تكتسب طابعاً جديداً، وتبدوا وكأن الشاعر قد ابتدعها، ذلك لما كان ببثّه فيها من روح فني، ولما كان يصوغه لها من حوار رائع، يشهد للأوزان العربية بمرونتها واتساعها لألوان جديدة من الإبداع والفن، وقدرتها على استيعاب ملامح وسمات لم تظهر في أدبنا العربي حتى يومنا هذا.
والمثنوي كله مبنيّ حول مجموعة من القصص، ولكنّ رواية القصص في هذه المنظومة لا تُقصد لذاتها، و إنما هي لبيان مقاصد فلسفيّة، أو لأهداف تعليميّة. فالشاعر يبدأ القصّة فلا يكاد يروي أولى وقائعها حتى يستطرد منها للتحدّث في حكمة هذه الواقعة، فيذكر الآيات القرآنيّة ويفسّرها، وقد يذكر الأحاديث، ويظل يبني عليها الآراء و الحكم.
أصدر كفافي الجزء الأول من ترجمته للمثنوي في بيروت عام 1960 بعد رحلة معايشة ومذاكرة وشرح له بدأت منذ أن كان طالبًا في الجامعة يتلقى دروس اللغة الفارسية على يد أستاذه عبد الوهاب عزّام، وفي عام 1967 صدر الجزء الثاني من ترجمته للمثنوي وشرحه، ثم صدر له في سبتمبر 1967 كتابه عن (أدب الفرس وحضارتهم) وفي عام 1970 أصدر كتابه (شاعر الصوفية الأكبر جلال الدين الرومي في حياته وشعره).
وبعد انتقال كفافي إلى جوار ربّه سعى إخوته الكرام أن يتابعوا مسيرة الراحل النورانية، فنشروا جميع كتبه وبحوثه ما كان مطبوعًا من قبل، أو ما تركه مخطوطًا لم يُطبع، ومن جملة ذلك الجزء الثالث والرابع من ترجمته للمثنوي، الذي نُشر في مطابع الشروق بالقاهرة عام 2001 .
ونختم هذا الكلمة عن كفافي بجملة إنسانية رفيعة استشهد بها كفافي في محاضرته عن (شعر الصوفية) في بيروت، قالها أبو سليمان الدارني، على أن نعود إلى الحديث عن جهود كفافي في وقت آخر:
(لو تمثّلت المعرفة رجلاً لهلك كل من نظر إليها، لفرط جمالها وحُسنها وطيبها، ولبدا كل نور ظلامًا بالقياس إلى بهائها)!
أما الشخصية الأخيرة التي نتحدث عن جهودها في نقل التصوف الفارسي إلى العربية هي شخصية الشيخ الصاوي شعلان
يذكر أبو الحسن الندوي في كتابه (مذكرات سائح) أنه في أثناء زيارته لمصر عام 1951م، استعان بالشيخ الصاوي ليترجم له شعر إقبال من الأوردية إلى العربية؛ ليستشهد به في محاضراته في المحافل التي كان يُدعى إليها. يقول الندوي: «الأستاذ صاوي شعلان له شغفٌ عظيم بالثقافة الإسلامية الهندية، يعرف الفارسية ويحفظ لإقبال شيئا كبيرًا .. وله قدرة على ترجمة الشعر مع أن ذلك من أصعب الأشياء ومثل الأستاذ صاوي يستحق أن تستعين به الحكومة والمجامع العلمية على الأقل في نشر فكر إقبال في العالم العربي.
كتب الشيخ الصاوي شعلان عن شخصيات عدّة من شخصيات التصوف الفارسي، بعد أن خصص جزءًا من مقالاته للسيرة النبوية، التي شغلته وقتًا طويلاً فاستدعى من دروسها الكثير في مقالاته، ولم ينس انشغاله بالشخصية المحمدية وهو يترجم قطوفًا من حدائق التصوف، وسنذكر هنا عنوانات بعض مقالاته التي اهتم فيها بالتصوف الفارسي وأعلامه من الشعراء حتى يتعرف القارئ على هذه الشخصية التي لم يُعرف عنها سوى أن (السيدة أم كلثوم) أعجبت بترجمته لقصيدة (حديث الروح) لشاعر الشرق محمد إقبال فغنتها وظل اسمه مرتبطًا بها فحسب.
كتب الصاوي عن محمد إقبال عدة مقالات، نذكر منها:
(فلسفة الحياة في نظر إقبال- في ذكرى إقبال – إقبال والأمة العربية – مراحل تربية الذات عند محمد إقبال- إقبال يشكو إلى رسول الله- مختارات من ديوان إقبال والآن ماذا نصنع يا أمم الشرق- إقبال وأسرار الحياة- حزب الشيطان عند إقبال- إقبال والثورة الليبية) إضافة إلى ما كتبه بالاشتراك مع محمد حسن الأعظمي (الحياة والموت في فلسفة إقبال)، ونشره في حيدر آباد 1945.
الصاوي شعلان والتصوّف
من بين أعمال الصاوي شعلان التي تستحق التحقيق والنشر جمعه لألف حديث من السنة وشرحه لها شرحًا بديعًا امتزج فيه التصوف بالأدب، أما إنتاجه الأبرز بالنسبة لاهتمامنا بحضور التصوف الفارسي في الثقافة العربية، هو ترجماته لمختارات من مثنوي الرومي، لا يعرفها الكثيرون اليوم، وغير مشهور عن الصاوي أنه سجل أطروحته للدكتوراه بجامعة القاهرة، في الخمسينيات، بعنوان «نظم ألف بيت من مثنوي جلال الرومي، مع التحليل والدراسة»، وبعد أن أنجزها، واجتمعت اللجنة العلمية لمناقشتها، ترك الشيخ الصاوي شعلان القاعة، وآثر الانسحاب في هدوء بعد خلاف مع اللجنة المناقشة!
ونختم مقالنا بذكر قطعة من ترجماته للمثنوي بعنوان: الغرام-الهادئ-العنيف
قال لي المحبوب لمّا زرتُه.. من ببابي؟ قلتُ بالباب أنا
قال لي: أنكرت توحيد الهوى.. عندما فرّقت فيه بيننا
ومضى عامٌ .. فلمّا جئته..
قال لي من أنت؟ قلتُ انظر.. فما ثم إلاّ أنت بالباب هنا
قال لي: أدركت توحيد الهوى.. وعرفت الحبّ فادخل يا أنا.

0 2814 14 مارس, 2016 التاسع والستون, ثقافة وفكر مارس 14, 2016