“قابلية الاستعمار”

لـ

هو مصطلح نحته عالم الاجتماع الجزائري وأحد مفكري ورواد النهضة الكبار في القرن العشرين، مالك بن نبي، الذي لاحظ ومن خلال تتبعه لسلوك عدد من المجتمعات، بما فيها المجتمع العربي، أن هذه المجتمعات حتى وإن تحررت ظاهريا من الاستعمار، الا أن بداخلها تستقر قابلية أن تكون خاضعة للاحتلال أو الانتداب أو الوصاية، وأن حضور الاستعمار بمختلف صوره وأشكاله نتيجة طبيعية لهذا الاستعداد. ونحن هنا نتكلم عن مفكر خاضت بلاده غمار حرب تحررية تعد من أهم وأبرز حركات التحرر في القرن العشرين، ومع ذلك فان آثار هذا الاستعمار وتداعيات وجوده لا زالت ماثلة حاضرة الى اليوم.
تطبيقات هذه المقولة نجدها شاخصة وبقوة في التاريخ العربي الحديث، وتحديدا في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث عمدت القوى الامبريالية الغربية إلى تقاسم حصصها في المناطق التي أخلتها الجيش التركي، وكانت هذه القوى، البريطانية والفرنسية، قد تقاسمت منطقة الهلال الخصيب باعتبارها منطقة نفوذ خاصة وفق تفاهمات ومحاصصة توجت لاحقا فيما يعرف تاريخيا باتفاق سايكس – بيكو، وهو الاتفاق الذي عمل على تفتيت المنطقة العربية إلى أجزاء وكيانات منفصلة عن بعضها، فانسلخت لبنان عن سوريا، وكذلك استقل العراق بكيان خاص، وألحقت فلسطين تحت الانتداب البريطاني تمهيدا لاستبداله بالاحتلال الصهيوني، وأخيرا جرى استحداث كيان جديد أطلق عليه إمارة شرق الأردن.
القضية إلى هنا وفقا للتجاذبات والمصالح الدولية مسألة طبيعية، فالقوي في أي فترة زمنية لديه شهية طيبة في سبيل تمدده وانتشاره طالما يحقق هذا التمدد مصالحه، ويستجيب لمخططاته الاستعمارية، أما غير الطبيعي أن نجد قوى وفئات مجتمعية وعائلية ليست بالقليلة لم تتقبل فقط فكرة التقسيم والتجزئة، بل سعت جاهدة إلى ما هو أكبر وأكثر خطورة من خلال هذا الاستدعاء المُلِحّ، بل والتمني على القوى الاستعمارية في سبيل أن تحقق مخططاتها ومشاريعها، ولكل من هذه الفئات أو العائلات حساباتها وظروفها المنفعية الخاصة بها.
قد يكون هذا الكلام غريبا، أو مفاجئا للبعض، الذين يتصوروا واهمين أن الوجود الاستعماري منذ اللحظة الأولى لوجوده في المنطقة وانتهاء بمغادرته الصورية، بأنه لم يلاق إلا بأعنف وأقسى أشكال المقاومة، وأنه واجه التحاما مجتمعيا عريضا رافضا لهذا الوجود الغريب، وأن قوى مجتمعة وموحدة عملت باخلاص في سبيل التخلص من المستعمر وطرده خارجا. هذه الصورة المتخيلة أو الانطباع السائد، إلا أن الحقيقة التاريخية وما حدث فعلا، وفقا للعديد العديد من الوثائق المعلنة ينبئ بشيء مختلف، ويظهر الصورة على نحو مغاير لما يتم تلقينه في الكتب المدرسية، وكذلك في غالبية المراجع والمؤلفات المتخصصة بالتاريخ العربي الحديث.
إن الوعي العربي كعادته يلقي بكامل مسؤولية التجزئة والتجربة الاستعمارية التي تعرض لها على القوى الإمبريالية الغربية ويخلي نفسه من أية تبعات أو مسؤولية، ولم يتوصل هذا الوعي، وواقعنا هذه الأيام أكبر دليل على هذه المسألة، إلى اكتشاف قوانين الوحدة التاريخية، وأهم فاعل في الظاهرة الوحدوية هي المخاطر الخارجية التي تحفز الأمم المبعثرة والمنقسمة نحو الوحدة وصنع أمة مقاومة وموحدة، وقد أسهب المفكر اللبناني نديم البيطار في تتبع تجارب الأمم الحية التي توحدت وتشكلت، مظهرا كيف أن هذه الوحدة جاءت نتيجة قاسم مشترك هو مواجهة الخطر الخارجي، وعدّ عشرات الأمثلة والنماذج. فالخطر الخارجي هو الذي صنع الأمة الفرنسية نتيجة لصراعها الطويل مع بريطانيا، وأنكلترا حققت وحدتها نتيجة الخطر الدنماركي، وتوحدت ألمانيا في سبيل مواجهة الغزو الفرنسي، وكذا فعلت ايطاليا في مواجهتها للإمبراطورية النمساوية، واتحاد كندا كان مدفوعا بهدف مواجهة الخطر الأمريكي، والخوف من الفرنسيين وقبائل الهنود هو العامل الأكبر في اتحاد الولايات الأمريكية.. والقائمة تطول.
هذا الوعي في مواجهة الغزو الخارجي لم تكن لا القيادات أو المجتمعات العربية بمختلف فئاتها تمتلكه، فالعائلات الكبيرة كانت منقسمة على نفسها، وعملت فيها الخلافات والعداءات إلى درجة أعمتها عن رؤية الواقع أو استشراف المستقبل، ولم تعد ترى من الأحداث إلا بمنظور نفعي بحت وبما يتلاءم أو يتعارض مع مصالحها، أما السواد الأعظم من المجتمعات فكانت عاجزة، وبدون أي مشروع تقدمي يكفل لها الاستقلال أو الحياة الكريمة، وكانت ولاءاتها موزعة إما للقبيلة أو للطائفة، ومن ثم للوطن.
تخيلوا أن مسؤولا بريطانيا كبيرا، والحديث هنا استكمالي للفترة التي أعلن فيها اتفاق سايكس – بيكو، يشكو في إحدى رسائله الموجهة إلى وزارة خارجية بلاده من هذا الإلحاح والإصرار الذي يتعرض له من جهة شيوخ قبائل وأعيان وهم يطلبون منه بصيغة الرجاء أن يبذل جهده كيما يكونوا تابعين للحكم البريطاني وليس الفرنسي، وتخيلوا أن يقابل الجيش البريطاني لدى دخوله عاصمة عربية كبرى وفقا لشاهد عيان، بفرحة ربما تفوق فرحة المنتصر ونشوته، وكتب هذا الشاهد مقالا قال فيه:” إن الأهالي استقبلوا الجنود … في يوم الاحتلال بالهتاف الشديد والسرور العظيم”. وإذا كانت قوى اجتماعية في بلد عربي أصرت وتمنت على مسؤولي بريطاني أن يكونوا تحت وصاية حكومتهم، كذلك فان الخارجية الفرنسية استقبلت فيضا من الرسائل من جهة قطاعات مجتمعية ومثقفين كبار في بلد آخر، يصرون عليها أن تتولى إدارتهم وحكمهم على نحو مباشر، وأن لا يكونوا تابعين للاحتلال البريطاني. هذه الشواهد ليست شحيحة، كما أنها غير مقتصرة على فئة أو مجموعة قليلة، بل إنها شواهد مؤكدة وحقيقية وتمثل شريحة لا يستهان بها من مجمل المجتمع العربي مطلع القرن العشرين، والخطأ في ثبوتها وحقيقيتها صفر بالمائة.
نعم كانت هناك مقاومة، بعضها بدوافع وطنية ودينية بحتة، وبعضها ملتبس في هدفه وغايته، إلا أن هذه المقاومة لم تحقق هدفها الأكبر الكامن في تحرر الإنسان، لذا كان من الطبيعي أن الاستعمار لا زال ماثلا بين ظهرانينا إلى اليوم، حتى وان غابت جيوشه وآلته العسكرية، إلا أن نفوذه وسطوته لا زالت حاضرة، لا لشيء إلا لأننا لم نفقه الدرس، ولا زالت قابلية الاستعمار كامنة في دواخلنا.

0 1499 17 مارس, 2016 التاسع والستون, سياسة مارس 17, 2016