المثقف العماني ٢٠١٦، أو ما الذي يحدث ١٩٨٤

لـ

إلى عبدالله حبيب

١.
أجل، عندك اقتناعات راسخة وتُصدر أحكاماً، لكن التوصل إليها يتأمن بالعمل، وبحس الارتباط بالآخرين، بمثقفين، بحركة قاعدة شعبية، بتاريخ متواصل، بمجموعة من الناس لهم طبيعة حياة معينة. أما الأفكار المجردة والمعتقدات التقليدية، فالمشكلة معها أنها كأولياء نعمة، بحاجة طوال الوقت إلى الاسترضاء.
ص١٤
أدوارد سعيد، صور المثقف

٢.
يستدعى المثقف الرمزي (عبدالله حبيب مثالاً) ليواجه التحقيق الأمني، والتحقيق وجه من وجوه السلطة، لا تعلم من يتعمد مواجهة الآخر؟ المؤكد في هذه الحالة أن السلطة هي التي تعترض سبيل المثقف، لكن ليس سراً أن الكاتب يحفر تحت السلطات كلها، ليس السياسية وحدها، بل كل السلطات الاجتماعية، بما في ذلك سلطة المعرفة، ولماذا يفعل ذلك؟!
كي يكشف الحقيقة.
٣.
قدر الكاتب الصادق أن يكون ضميراً للأمة، وللإنسانية، لأن أهميته الجماعية لا تنبع من كونه يكتب فقط، كما يتبادر للذهن، بل من ذلك الصدق، ومن قدرته على تمثل الضمير، ما الذي تفعله السلطة لضمير الأمة الذي يتكلم بصوت عالٍ؟ ما الذي تفعله للعقل المفكر؟ هل تحتجزه وتسجنه؟! وإذا فعلت ذلك هل تظن أن أعين الأمة القلبية، لا أعينها الجواسيسية، ستبقى مفتوحة؟! والسلطة تكثر من العيون والمراقبة والترصد لماذا؟ لأنها تفضح بذلك أنها عمياء. فهل يكون الحل هو أن تكون الأمة كلها عمياء؟!
لماذا إذن تطفئ النور؟!
٤.
يختفي المرء فيمارس الناس دور الكهنة، كما لو أنهم يتنبأون بشيء غامض، كي يعرفوا الجريمة الحقيقية، يعاودون استقراء آخر الأشياء التي قالها أو فعلها المُحتَجز، ثم يطلقون نبوءاتهم الفجائعية.
طلب السلامة الذاتية درب الهلاك الجمعي، في الركود موت الكل، وحدها الحيوية والتفاعل الحي هي السلامة الحقيقية، في اللحظة التي لا نفعل فيها شيئا إزاء ما يقلقنا ويزعجنا نكون قد متنا.

٥.
الولاء يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي. ص٦٤

الولاء للحزب بكل ما تحمله الكلمة من معان يتطلب من المرء أن يتحكم تحكماً تاماً في العمليات الفكرية التي تدور في ذهنه تماماً مثلما يتحكم لاعب الأكروبات في جسمه. ص٢٤٩

جورج أوريل ١٩٨٤

٦.
ينبش الكاتب صندوق المخاوف العامة، في المحصلة النهائية يغسل الكاتب العقل الجمعي من وساوسه ومخاوفة، يحصنه بعمله، يحرره من الماضي، يؤهله لإنسانيته، وأدوار حياته الطبيعية، لكن في ذلك الطريق الليلي تكمن آلاف المخاوف، التي تحولت إلى حراس، وشرطة، وضباط أمن.
تدوي أبواق الإنذار، تضاء كَشّافات قوية تترصدك: لا تحرك الخوف من مكانه، نحن نتحكم بالخوف، لدينا ملكية الخوف، لماذا تتجول هنا؟ من أنت؟ ماذا تريد؟
لا يريد الكاتب شيئاً من الخوف، إنه يحاول أن يزرع بكلماته وأسئلته شجر الأمان، لكن لأن كل فعل في أرض الخوف يبعث المخاوف يتم القبض على الكاتب بتهمة جريمة الفكر.

٧.
ليست المعاني للأقوال وحدها، بل للأفعال في الأصل،
لماذا نفترض حصانة السلطة من الماضي، في حين أن السلطة تغلّب الشك في ذاتها؟ لماذا نفترض عافية السلطة بينما السلطة تريد أن تؤكد مرضها؟ لم نفترض سلامة السلطة وسلامة نواياها تجاهنا كسلامة نوايانا تجاهها، بينما السلطة لا تريد ذلك؟ لم تقول بأفعالها أنها تريد أن تبقى منطقة سوء الظن قائمة بيننا.
ما الفائدة إذن؟
الفائدة تكمن ما وراء السلطة، في اللحظة التي نرى فيها إلى ما وراء السلطة نرى تلك التي ندعوها: أرض الوطن.

٨.
عن الخوف من شرطة الفكر التابعة لوزارة الحب يكتب ونستون في مفكرته:
كانوا دائماً يأتونك ليلاً، والأفضل لك أن تقتل نفسك قبل أن يقبضوا عليك، ومن المؤكد أن كثيرين سبقوك لذلك، فأكثر حالات الاختفاء كانت عمليات انتحار حقيقية. لكن الأمر يستلزم شجاعة اليأس حتى تقتل نفسك في عالم يتعذر فيه الحصول على سلاح ناري أو على سم سريع المفعول وأكيد الأثر.
ص١١٧
جورج أوريل ١٩٨٤

٩.

الكاتب شخصية عامة، رمز، ممثل يتم اختياره ليس بانتخاب الناس، بل بالانتخاب الطبيعي، ليست لديه حصانة قانونية، لكن لديه حصانة إبداعية، يمكن بالطبع أن تمارس السلطات ما تشاء ضده من ممارسات فيزيائية يستجيب لها جسده الفاني، لكن جسده الرمزي المكون من الكلمات يضيء أكثر، روحه منقسمة في تحول من الجسد الفيزيائي، حياة الكاتب عبارة عن طور من التحول الروحي من الجسد إلى الكلمات، حيث ستعيش مستقبلها المديد، وهناك كلنا نستطيع أن نتبأ بإمكانيات الروح.

١٠.

إذا كان هدفك ليس أن تظل على قيد الحياة وإنما أن تظل إنساناً فإن البون يصبح شاسعاً فهم لا يستطيعون تبديل مشاعرك… يظل قلبك المكنون، والذي لا يمكنك أنت نفسك سبر أغواره، حصناً منيعاً عليهم.
ص١٩٧
جورج أوريل، ١٩٨٤

١١.
أي يتمٍ هذا الليل
لا أحد فيه
لا أنت يا أنا
لا أنا يا أنت.

عبدالله حبيب، فراق بعده حتوف

١٢.
أبقِ الأمل مضاءاً.
ليس العيش صعباً بلا فسحة الأمل كما يقول المتنبي بل هو عين المستحيل، اذا توقفنا عن الحلم والعمل من أجل سلطة أقوى وأفضل، وتراجعنا عن مكتسباتنا الحقيقية وانتكصنا لنقيس الزمن بمقاييس الماضي فنحن نفوت الفرصة الثمينة على أنفسنا وبلادنا، حصانة الأرض ليست بمقدار قوتها العسكرية والأمنية وانجازاتها الظاهرية، بل في مقدار الوعي الذي يتمتع به أفرادها، والأمن ليس شرطياً يقف أمام الباب بل يقيناً يسكن في الوعي والقلب.
إذا تعاملنا مع كلمات الكاتب والمثقف بالشوكة والسكين لنحاسبها فإننا نتعامى عن هدفه الأخير والأكبر، نتعامى عن دوافعه الإنسانية وعن نواياه التي تتجاوز ضيق آفاقنا ومخاوفنا إلى فضاء أرحب.
كلما احتجز كاتب انجرح قلب الأرض.

0 1877 17 أبريل, 2016 السبعون, حداء الروح أبريل 17, 2016