الكاتب العماني 2016

لـ

 

إلى سليمان المعمري..

 

١.

قال الأحنف بن قيس: من لم يَصبِر على كَلمةٍ أُسمِعَ كلمات..

 

٢.

ما فائدة الكاتب؟ هذا النوع من الكتاب تحديداً؟ لماذا من المهم الوقوف معهم؟ ما الذي تستفيده الجماعة والإنسانية من كتاب وصفهم مؤخراً شيخ دين على منشوره بالفيس بوك بالفاشلين، أو كما سمعت شخصاً قانونياً يتسائل هم يكتبون قصة وخواطر فما شأنهم وهذه القضايا، إذاً ما الفائدة التي نتوخاها من الوقوف مع هذه النوعية من الكتاب؟

من يسأل عن فائدة الكاتب عليه أن يجيب على أسئلة من مثل ما فائدة الحواس للجسد والعقل للإنسان، فإذا أجاب عليها ثم نظر إلى الوجود نظرته إلى نفسه وهو العالم الأصغر، فسيرى فائدة الكاتب، لسان الضمير، ومولد أفكار العقل، والمعبر عن مشاعر القلب، هو بالنسبة لأي أمة وللإنسانية جمعاء لسان قلبها وضميرها وأفكارها العقلية، وبقدر ما تكون تلك الحواس يقظة وحية ونشطة بقدر عمق انتاج الكاتب وجودة فنه.

 

وهؤلاء الكتاب العصريون المعاصرون، تخلقوا من رحم الحاضر فهم أبناؤه جسداً وروحاً، اندمجوا مع روح العصر، تشربوها فهي تتسرب من الحدائق النصية التي ينتجونها على شكل كتابي وإبداعي وفني، هم في الحقيقة طريق الجماعة إلى المستقبل، وتلك هي صورتهم الحقيقية.

يوسعون الأفق المسدود ويفسدون الخطط المحكمة والسيناريوهات الإفتراضية، عبر ربطهم العميق للزمن واستشرافهم للغد، ليس على شكل حلم بل على شكل فعل مستمر، مقاوم ومعارض يحافظون على الحرية لأنها بيتهم، يقفون في وجه التسلط والقمع لأنه يعمي العيون، يوسعون حرية الرأي في المكان ليكفي للتحليق والطيران حتى ولو كان على حساب سلامتهم، يكتبون أساساً ليربطوا بين الجماعة وحاضرها الحقيقي، يحدقون بنظرة واقعية إلى الذات الجماعية، ينظرون بصدق تام وفناء كامل على الذات ويعكسون رؤاهم فيما يكتبون وحيث يقفون، من هنا تنبع أهميتهم للحاضر مثلما للمستقبل، هم في الحقيقة بيان روح الجماعة الحي المرتبط مع العالم ومع إنسانية الإنسان وهمه السامي، فيهم انعكاس روح الأرض الحية، لا يتعلقون بالماضي إلا بقدر ما يصيغون منه الحاضر والمستقبل.

عندما ينظر المرء اليوم إلى ما أنجزوه فإنه يرى انعكاساً لروح العالم المعاصر، تفاعلاً حقيقياً معها، وخروجاً من أسر الذات ومن اختباء جسد الجماعة خلف الحجب الكثيفة من الشكلانيات والتقليد.

يمخرون بحر العالم بمراكبهم اللغوية، تنبع من كتبهم أفلاج حية، هم حراس هامش الحرية المتبقي، يحافظون بعنبر أعمارهم على النقاط المضيئة التي ستنطفئ من دونهم، تلك النقاط التي كلما انطفأت تغلغل اليأس لروح الجماعة، وصارت الهجرة مبررة للشباب، وصار الرحيل خياراً على مرارته ممكناً فكرياً.

 

٣.

“كانت لي كلمة مسموعة عند بعض الملوك، وهو الملك الظاهر، صاحب مدينة حلب رحمه الله غازي ابن الملك الناصر لدين الله صلاح الدين يوسف بن أيوب، فرفعت إليه من حوائج الناس في مجلس واحد مائة وثمان عشرة حاجة فقضاها كلها، وكان منها أني كلمته في رجل أظهر سره وقدح في ملكه وكان من جملة بطانته وعزم على قتله، وأوصى به نائبه في القلعة بدر الدين أي دمور أن يخفى أمره حتى لا يصل إليّ حديثه، فوصلني حديثه، فلما كلمته في شأنهِ أطرق وقال: حتى أعرِّفَ المولى ذنب هذا المذكور وأنه من الذنوب الذي لا تتجاوز الملوك عن مثله.

فقلت له: يا هذا أتخليت إن لك همة الملوك، وأنك سلطان؟ والله ما أعلم أن في العالم ذنباً يقاوم عفوي، وأنا واحد من رعيتك، وكيف يقاوم ذنب رجل عفوك في غير حد من حدود الله؟ إنك لدنيء الهمة.

فخجل وسرّحه، وعفا عنه. وقال لي: جزاك الله خيراً من جليس، مثلك من يجالس الملوك. وبعد ذلك المجلس ما رفعت إليه حاجة إلا سارع في قضائها لفوره من غير توقف كانت ما كانت.” ص٣٣١٠

 

ابن عربي

الفتوحات المكية

 

٤.

حين يحتجز الكاتب لا يُسجن شخصٌ واحد، بل يحتجز معه ألف ضمير ولسان وعين صادقة وقلب، فإذا احتُجِزت أقلام البلاد وحُبست ألسنتها، وأخفيت مراياها، وأطفئت شموعها، ثم لم يبق غير المادح المغالي والمتطرف في نفاقها، كجميلة مغرورة غَرّها جمالها عن قبحها فسمعت قول غاويها وصدت عن قول ناصحها، فأي شيء يكون منتهاها؟

 

قلتم الوطنية هي الحب، فإذا جاء من يعلمكم كيف يكون الحُب حقاً وصدقاً، رميتموه بتهم الجفاء والعداوة، وقربتم منكم المداهن، وحبستم المشفق وهو ذباب النحل، فاجتمع عليكم ذباب المَحَل، فمات الزهر وتحطمت أجنحة الفراشات، فأي عسل تنتظرون من هذا الذباب؟!

 

حبسُ الكاتب سجنٌ للروح، فإذا كانت الروح سجينة فلا معنى للجسد، وإن تزيّن وكذب على نفسه وكذب عليه صناع الكذب ودهاة النفاق وأمّلوه وغروه، إنما روح البلاد ضميرها الحي الجائع النهم إلى أن يصلها بعنان سماوات السُّمو ومراتب الرفعة، لا يخشى في سبيل ذلك ما يلاقي، وإن اعترضته العوائق وصدت في وجهه أبوابها.

تظل الروح تنادي في بهيم الليل أن استيقظ أيها القلب ولا تغرك عجرفة العقول ولا لذات النفوس، استيقظ أيها القلب إن كنت عاشقاً حقاً، فكما للمهاوي أودية فإن للمعالي جبالاً، وكما للشياطين وسوسة فإن للملائكة نوراً جلياً ولله وحيا صادقاً.

 

٥.

“الهزيمة الآن كلمة سهلة. ولكنها في ذلك الحين كانت انهيار بنيان هائل من الثقة بالنفس والإيمان بالمستقبل والاطمئنان إلى الذات والغرور الوطني والاستهتار بالخصم وتصديق القيادات السياسية.

صرنا نطيع شارات المرور أكثر، وكان هذا دليلاً على إحساس الجميع أن الهزيمة لم يلحقها بنا العدو بل ألحقها بنا تخلفنا وضعفنا وانعدام إحساسنا بالمسؤولية والخطأ الذي تقوم عليه علاقتنا اليومية والدائمة”

ص٢٧،٢٦

ممدوح عدوان

دفاعاً عن الجنون

 

٦.

احتجاز الكاتب ليس مقصوداً لشخص الكاتب، إنما لوعيه، لتفكيره ولما ينشره، تحتجز السلطة كاتباً واحداً، وذلك ضمناً يعني أن كل كاتب مهدد، وأن الاتهام شامل وعام لذلك الوعي الكتابي، وتلك الحساسية النقدية، الكاتب علني أكثر من العلن نفسه، وواضح وصريح بقدر ما هو النص واضح وصريح، وبسيط وجلي بقدر ماء الروح، فما الذي يخفيه الكاتب والمثقف؟ فهو لا يعمل لجهة ما غير الضمير، وليس عضواً في أي منظمة كانت غير منظمة الورى، وحزب الخلق، وجماعة الإنسانية، وقبيلة البَرِية، وما هو في النهاية إلا طالب من طلاب الحق.

 

من يثق في خطوته يمضي إلى آخر الطريق، فإذا كانت الأرواح مبذولة من أجل الحق، فكيف بالوعي والأعمار؟ وإنما يُحبس الزمن، أما الجسد فداخله من روح الأنوار ما يجعل من الحبس طريقاً مشرَعاً، ومن السجن فضاءً بلا حدود.

هل نصغي إلى المادح ونسجن الناقد؟ فما هي الإنسانية إذاً إن لم تنتقد نفسها وتصوب مسارها؟ وكيف يصل إلى الحق من يتمدح حمأة كل منزلق يهوي فيه، ومن لا يجسر على قول لا لدرب الباطل؟

وهل الإنسانية إلا سموها عن الحضيض؟ وهل الإنسان الكامل شيئاً آخر غير الذي يجعل أخطائه مراقي إلى حضرة الحق؟ أما الذي يعتبر نفسه بلا أخطاء فإنما ينزلق إلى هاوية من وهم النفس بلا قرار.

 

٧.

يقولون أن بسطاء الناس لا يكترثون بحرية التعبير والاختلاف بقدر عنايتهم بلقمة العيش والرزق، صدقتم، لكن هؤلاء الكتاب يعملون كي لا يجعلوا من معنى الوطن لائقاً بالبسطاء فحسب، بل ولائقاً بالعظماء أيضاً.

نحن محكومون ببعضنا البعض، لا نملك أن نجعل أرضنا وبلادنا لمن يتطابق معنا فقط، نحن محكومون بالاختلاف وبأن نتقدم ونكمل النمو بكل هذا الاختلاف دون أن نهمل منه ذرة واحدة.

واعتقالكم واتهامكم للكاتب اليوم، وإن استنكرناه واستهجناه، يستوجب على الكلمة الشكر، فالكلمة تشكركم إذاً لهذا الإثبات الجديد، للمرة الألف ربما، على قدرة الكلمات وقدر الكلمة الصادقة، لأنه يفيد من تبقى من المشككين في قدرة الكلمات وفي قَدر الصدق.

 

٨.

الكتب تدريبات ومفاتيح لقراءة العالم، ومعرفة الطريق والسبيل والصراط القويم، فمن لم تفده قرائته قرباً من الحقيقة، فخيرٌ له أن يدعها، وإذا كان الكاتب لا يستطيع البلوغ بقرائهِ إلى الحقيقة فمن الأفضل له أن يترك الكتابة، ليست الكتابة شيئاً آخر غير إنارة وعي الطريق، أما ألعاب الخفة والأكروبات واستعراض العضلات المعرفية والتشاوف على القراء ومسارح التعري فهناك من يجيدها أفضل من الكاتب.

سليمان المعمري وعبدالله حبيب يمثلان كنزاً، معرفياً وفنياً وثقافياً، وحبسهما واعتقالهما لا يؤدي قطعاً إلى بلاد أفضل ولا إلى وطن أجمل، بل يؤدي إلى ظلامية مطبقة وجهل، ووعي سطحي زائف، لن ينكشف إلا بعد حلول الكارثة.

كاتبان مثلهما إنما يريدان أن يجعلا للكلمة دوراً في بناء الإنسان والصعود بوعيه وتصويب خطوته ما أمكن، يريدان الصعود بالبلاد والعباد إلى مستوى أحلامهما بالبلاد وبالعباد، وإنما أحلامهما منسوجة من السمو والعلو والبهاء والنور والجمال، وهذا دورهما، وواجبهما، في موقفهما الأخلاقي وفي آرائهما تجاه القضايا الراهنة.

ومن العجائب أن سليمان المعمري، رغم سجنه، لا يزال هنا بيننا يوزع بصوته خبز المعرفة على الناس، هو الذي كتب بفنه المحكم الرائع أثرهم في كتبه، التي هي من أجمل ما يكتب اليوم في عمان ان لم تكن أجملها، يبعث صورتنا الجمعية الحقيقية من جديد في أعماله لتنتشر وتبقى، ثم فوق هذا وذاك هو عون كل واحد منا، من كتابنا الكبار إلى المبتدئين محرراً ومدققاً وناقداً، وهو الداعم لما لا يحصى من البرامج الإعلامية والإذاعية خصوصاً بما لديه من مساحة، يشكره الناس لأنه أيقونة من الحياة والحيوية والنشاط، نذر نفسه وحياته لعمله، وما تنطق به الألسنة وتلهج به الأفئدة له من حب إنما هو ترجمة لمحبته في نياط الأرض وقلب السماء.

نحن في خضم هادر لا يرحم، وإذا توقفنا عن التعاون في تحويل السيل الجارف عن بلادنا فإنما نخون بطن الصحراء التي أنجبتنا، والنخلة التي أطعمتنا، والفلج الذي طهرنا، والبحر الذي ربانا، والجبل الذي أرشدنا.

السلطة التي يُخضع أربابها أهلهم للسيطرة والقمع ولاستفرادها بالصوت والقرار والفعل ولا تريد من المحكومين غير السمع والطاعة تأخذ نفسها إلى التمزيق وحكمها وحكومتها إلى الموت المحتم، ولنا عبرة في أعتى وأسوأ المخابرات العالمية والعربية أين مضت بوطنها وإلى أي نار وجحيم قادت البلاد والعباد.

ليس موقف الكاتب والمثقف متحدياً للسلطة، فلم يأت هو كي يتحدى أحداً، بل يريد أن يتحد معه الجميع على اختلافاتهم من أجل أرضٍ أرادها الله مسرحاً لكنوزه، لا رغبة للكاتب في كرسي ولا غنائم، يعرف أن الدرب مليء بالأشواك لكنه يمضي إلى آخره من أجل وجه ذلك الحق الذي يلوح نوره هادياً ومرشداً. فتبارك الحق أحكم الحاكمين.

 

 

 

 

0 1576 01 مايو, 2016 السبعون, ثقافة وفكر مايو 1, 2016