التحديق في الموت

لـ

قراءة مجموعة (الأشجار لا تفارق مواطنها الأولى) للشاعر سماء عيسى، مسعى للنشر ط١، ٢٠١٦

 

حين نظرت إليك

ولأول مرة

سقطت دمعة من عينيَّ

على الشاطئ

كأنها قادمة

من بحر صوفيٍّ عميق.

ص٣١

 

من يقرأ شعر سماء عيسى يعرف السمة المميزة والعلاقة القائمة بينها وبين الغياب والموت، قصيدة سماء عيسى تُكسب قارئها نظراً أقوى إلى ما وراء الحياة، يحدق قراء شعره في الموت، قصيدة سماء عيسى ليست مرعبة، من كثرة استهلاك كلمة الرعب في الأفلام، لكنها مخيفة، ليس من ذاتها وما تسعى إليه، لكن من محمولها، لأنها مصرة على مواجهتك مع خوفك أنت، تسألك:

لماذا تخاف من الموت؟

 

قصائد مخيفة:

هذه القصائد مخيفة بسبب الأشياء التي نخاف منها والتي دفناها وهربنا منها، إنها تنبشها وتضعها أمامنا قائلة: أنظر إلى الموت، موتك. تصر على أن تعرفك عليه، شعر سماء عيسى يؤنسن الموت والقبور والفقد والغياب، قصائده تحيي كل تلك الأشياء، كي تجعل قارئها يتعايش معها شعرياً كشيء طبيعي، لا داعي لأن تهرب من مخاوفك، أو موتك، أو موت أحبابك، الحياة مكونة في الحقيقة من الموت أيضَاً بل أن القصائد تعيد تحديد مفاهيمنا، فنتعرف على الموت بوصفه اكتمالاً، والحياة بوصفها نقصاناً، وكذلك النص: لأن الموت اكتمل/ لأن الحياة لا تكتمل/ هي الأخرى/ أبداً لن يكتمل/ هذا النص. ص٣٦

 

تمشي بين الخرائب، تصل بيتاً مهجوراً، تقف أمام فوهة بئر مغطاة بالشوك، تزيل الشوك وتنظر جيداً في قعر البئر، ليس بلا خوف، بل بألفة مع الخوف، بصداقة، بمعرفة، وبفهم، لأن الخوف ذلك الإنساني والحيوي الذي ينتاب كل كائن حي، يكتبه سماء عيسى في قصائده، نرى الحياة عبره وهناك نرى كيف تتحول المياه الجبلية إلى نحيب: يهرع فيها الرعاة/ مع الأرامل/ تسقط الأشجار. ص١٣

 

عِلم الموت:

عبر الموت يمكن ربما الاقتراب أكثر من الحقيقة، عبر تحويل الموت ليس إلى شيء منفّر نهرب منه، بل إلى مُعلم نتعلم منه يمكننا أن نعيد معرفة الأشياء، ومعرفة أنفسنا، هنا نعرف ما هويتنا، ما هي الهوية؟ من أنا؟ من نحن؟ نتعرف إلى الهوية داخل عين المعلم ونرى الهوية وردة تراقب موت الجندي الذي اقتطفها وهرب بها إلى ساحة المعركة ومات، الهوية هناك، الوردة، تعريف الذات، تعريف الحياة، وردة قرب الجندي تبتسم له قبل موته، وتبكي عليه وحيدة بعد أن يموت:

“أنا الذي حياتي/ أشبه بوردة قطفها جندي/ هرب بها إلى ساحة المعركة.” ص٧

 

اضمامة قصائد هذه المجموعة كتبت بطريقة فنية تلخص الأشياء في زبدتها، تستخلص فكرة الموت من فم الموت وتحييها، وتعيد بها تعريف الحياة والموت وأشيائهما، لننظر جيداً في الموت عبر هذا الشعر، فهكذا سنجد أن للموت ضوءاً، إذا كنا نظن من قبل أن الموت ظلام. ص١٩

 

وقصائد المجموعة تسكن في الموت وتمارس يومها الاعتيادي:

أوقظ موتاي/ في كل فجر. ص٢٠

 

ولنتمهل قليلاً أمام المقطع التالي:

كنت لا أرى أمامي/ إلا الموت. ص٢١

في الموت ولكنني أرى، أنا مدفون ولكنني أبصر الموت.

 

وفي الموت لا نمو:

توقفت عن النمو كأفعى/ تزحف في الأرض/ وتتسلق الجدران. ص٢٥

 

ويحصي الشاعر الغياب، وما يكون الغياب إلا الفعل الأصيل للموت، هكذا يفتش الشاعر عنه ليعرف ماذا في غياب الليل، الله، العشق. ص٢٧

 

كنت ذكرت مرة أن سماء عيسى يؤنسن الموت، يبدو أنه يفعل أكثر من ذلك، يذهب أبعد: إنه ينبشه وينخله.

الموت الذي بكل هذا الحضور الجلي في الحياة، كيف يظل خبيء الأكفان، والتوابيت، والقبور؟ طبعاً نتعرف في تكفيننا للموتى ووضعهم في التوابيت والقبور وحتى في إحراقهم على خوف الإنسان المتخفي، الخوف الذي نتبعه، ويقودنا، وهو نفسه بكل تأكيد بوابة الموت.

 

سماء عيسى بقلب ثابت، يفتح شعرياً توابيت الموت، و ويبعثر حاجياتها في كل مكان:

“نسوة نائمات، وشياه غريقة، ورعاة يقتادهم الدرك إلى المشانق.” ص٢٩

 

داخل الرثاء:

لننظر إلى هذا الشاعر في الرثاء، كيف يرثي، هو المتمرس شعرياً بالموت، سنجده يسير داخل الرثاء، يرثي الشاعر حمد الخروصي ويسير وحيداً داخل رثاءه:

“هكذا سرتُ وحيداً/ كمن يحمل شجرة في تابوت/ كمن يتبعه قط أعمى/ إلى المقصلة” ص٣٢

 

يسير الشاعر داخل الرثاء ويبكي لكن إلى أين يسير؟:

“وهكذا سرتُ وحيداً/ وكنت أبكي/ دمعي يسقط على التراب/ تنبت مع كل دمعة شجره!/ كنت أضعها في تابوت/ وأرحل بها معي/ إلى المقصلة.” ص٣٣

 

الأمهات والأشجار في الموت:

 

في الموت أسئلة مختلفة:

“أين يذهب الدمع حين ترحل الأمهات”؟ ص٣٨

 

وفي الموت نرى:

“بعيداً/ ثمة موت يشرق/ عندما/ ترحل الأمهات.” ص٣٩

 

مؤكد إذن أن للموت ضوءاً، ليس فقط لأنه يشرق، بل لأنه يتسع المُشرقين.

 

الأمهات راحلات، رحلن أو سيرحلن أيضاً، لكن ما هو مصير مرآةِ الأم؟ وهل نعرف علاقة الأم بمرآتها؟ منذ متى؟ مما قبل الأمومة، وما بعدها، وها هنا مرآة أخرى، إنها مرآة مضافة إلى المرآة التي نرى فيها شبحاً. هل الموت مرآة؟ هل يتحول الموت إلى رحم؟ إلى بيت الضنى والضنين هو الآخر؟ والحياة ليست سوى المضي وحيداً إلى القبر. ص٤٣

 

والآن عند الأمهات لنُعد التعرف على الأشجار، وأدوارها، فعبر معرفة الموت يمكننا أن نتعرف على الأفق في صباحات خاصة:

“في صباح كهذا/ لن يشرق الموت على الأرض/ لم يعد أمام السجان/ غير فتح زنازنه/ أمام الأشجار/ كي تدخل/ وتحمل السجناء/ إلى الصحراء.” ص١٦

 

هل من نافل القول أم من صميمه أن نقول من هي تلك الأشجار التي لا تفارق مواطنها أبداً؟ لأنها هي والوطن واحد. هو من نافل القول لأن الأشجار هي نفسها الأشجار، ولكنه من صميمه بالنظر إلى أدوارها.

 

لا تفارق الأشجار مواطنها في هذه المجموعة الشعرية ثلاث مرات، اذا احتسبنا العنوان، المرتان الباقيتان ص٢٢:

“لا تفارق الأشجار/ مواطنها الأولى/ وحيدة حتى الموت.”

 

وفي رثاء الشيخ ناصر الاسماعيلي ص٣٦:

“أبداً يسير النهر إلى مصبِّه/ أبداً يسير الحريق إلى الرماد/ وأبداً لن تغادر الأشجار/ مواطنها الأولى.”

 

لننظر أيضاً إلى العلاقة القوية بالشجرة، لدرجة أن القتلة يكمنون عندها:

“القتلة يترصدونه/ قبل معانقة الشجرة.” ص٢٣

 

“الشجرة/ هرعتُ لأعانقها/ قبل الموت/ لكن رصاص الغدر تابعني/ وكان رماة غرباء يختبئون خلف التلِّ الأجرد/ قتلة الشعر والطفولة والحب/ خلف التل الأجرد/ ينتظرون وصولي.” ص٢٣

 

الشجرة إذاً هي من نعود إليها على الدوام، هي التي نرتبط بها ارتباطاً لا ينفك، هي التي يعلق عليها الموتى ملابسهم، وهي التي تشرب الدمع الذي تأخذه الريح بعد موت الأمهات، وهي التي تحمل السجناء من الزنازن.

لكن لندقق أكثر كي نعرف من هي الأشجار بالنظر ليس إليها بل إلى ظلها، شبحها، بعد الموت، لنرى بماذا يناديها الشاعر وما يريده منها، فهناك نعرف وجهاً أليفاً جداً من وجوه الشجرة:

 

“أيتها الشجرة/ يا أمي/ ظللي قبري/ في الهاجرة” ص٥٤

 

المَوَاطن والأوطان:

 

نحن نتنفج في كل مكان صارخين مطالبين بحقوقنا في الوطن، لكن هل نعرف الوطن؟ هل بحثنا عن تصور له؟ نحفظ كل ما نريده نحن بشدة من الوطن، لكن هل نعرف ما الذي يحتاجه هو بشدة منا؟

 

“الكثير من الحب/ كي أصغي.” ص٨

 

ولننظر إلى الشاعر كيف يكلم الوطن:

“كثير من الحب/ لأكون قادراً/ على البكاء معك/ أيها الوطن/ مرة واحدة فقط/ قبل الموت.” ص٨

 

من هنا، من البكاء مع الوطن، يدلف الشاعر بشعره وقصيدته إلى الاغاني الشعبية، يُعوّب معها بقصيدته، وينشد ويغني ويغرّد ويحدو، هكدا نجد قصيدة جدار ص٤٤، وهي تفصيح أغنية شعبية، مهداة لفنان شعبي، والأغنية الشعبية تقول:

“لا اتضعضع يا الجدار وتنهدم، داكي عليك الورد وفاغي بثمره.”

 

وأغنية عن النيروز ص٥١ تتضمن أيضاً مقاطع من أغاني النيروز الشعبية، ونقرأ قصيدة آمري، وآمري الناقلة التي فقدت ولدها، وهي قصيدة تتخلها مقاطع باللغة الجنوبية المهرية، نقرأ فيها قصيدة نثر، للناقة الثكلى بأبنائها، عن الراعية التي اختطفها الجن، وعودتها:

آمري/ كطفلة تبتسم/ في المهد/ تعود الراعية/ غداً في الفجر.. ص٤٧

 

بل نجد فيها مقطعاً كاملاً بالعربية الجنوبية، وفي هذه المواطن نقرأ عن الريح والمطر في زيارة النبي سليمان ونسوره، في قصيدة سلوت:

“المطر الأخير/ زفاف الأرض/ إلى السماء” ص٤٨

لنتعرف في اللحظة الأسطورية على اللحظة الواقعية للنماء والخصب.

 

قبل الختام يلوح الشاعر بثلاث تلويحات:

 

للحب: اسقني النار الموجعة. ص٥٧

للموت: دع الملك يتركني/ لأمضي وحيداً. ص٥٨

للمهاجر: لا يلتفت/ لأن الذكرى/ موغلة في العتمة والجذر. ص٥٩

 

وتنتهي المجموعة بنصين أولهما بعنوان: المهاجر، ليس عن هجرة المهاجر لكن عن عودته:

“فيما لو عدت/ سارع إلى الشجرة المعمرة.” ص٦٢

 

وقد صرنا نعرف الأشجار،

وفي النهاية تنتهي المجموعة باستشراف الغد ومكان الشاعر في ذلك الغد:

“غداً/ عندما لن أكون/ غير حديث عابر/ في الصحراء.” ص٦٢

 

إن مجموعة الأشجار لا تفارق مواطنها الأولى هي مجموعة شعرية مكثفة بقوة، مسبوكة بفن شعري خالص، فريد من نوعه اليوم، عليم بموضوعه وسابر عميق، فيه تبدو الأرض طفلة:

“كانت الأرض/ صبيةً تهيم/ في غابة مهجورة” ص٤٣

 

ووسط أغاني النيروز يظهر طفل آخر يقرأ قصائد زرادشت وبوذا تحت كل شجرة ص٥٥

فهل سيتعرف القارئ على ذلك الطفل؟!

 

لنختم قرآتنا إذاً بالنظر إلى الشاعر في المرآة، ينظر الشاعر إلى المرآة فماذا يرى، ومن الشبح إن لم يكن هو؟:

 

“أنا الذي رأيت في المرآة شبَحَاً/ كان ينظرُ إليَّ/ وأسى العالم في عينيه.” ص١٧

0 1436 25 مايو, 2016 الحادي والسبعون, حداء الروح مايو 25, 2016