حلقة الوصل العمانية للوصول إلى إيران

لـ

حلقة الوصل العمانية للوصول إلى إيران
والسرية التي تحيط الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي

معالي الدكتور سالم بن ناصر الإسماعيلي

معالي الدكتور سالم بن ناصر الإسماعيلي

ترجمة لمقالة نشرتها صحيفة واشنطن بوست:

https://www.washingtonpost.com/opinions/the-omani-back-channel-to-iran-and-the-secrecy-surrounding-the-nuclear-deal/2016/06/07/0b9e27d4-2ce1-11e6-b5db-e9bc84a2c8e4_story.html

من بين ألغاز حملات الترشّح الحالية للرئاسة في الولايات المتحدة هو عدم اعتبار المسألة الإيرانية قضية محورية، إلا أن كتابا صدر حديثا أشار إلى تفاصيل تحمل في طياتها الكثير حول السريّة التامة التي اتسمت بها الاتصالات الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية والتي بدأت منذ وقت طويل قبل إمساك الإصلاحيين في إيران بزمام الحكم هنالك، إضافة إلى تفاصيل أخرى حول الدور الضليع الذي لعبته المرشّحة الأمريكية هيلاري كلينتون.

أورد الكتاب الذي ألّفه مارك لاندر – مراسل صحيفة نيويورك تايمز في البيت الأبيض تفاصيل تنشر لأول مرّة حول الدور العُماني كحلقة وصل بين الطرفين والتي بدأت عام 2009م عبر معالي الدكتور سالم بن ناصر الإسماعيلي. يبين الكتاب كيف أن بوادر الاتصال مع الجانب الإيراني كانت مبكرة جدا كما أن لهيلاري كلينتون وعدد من مستشاري الخارجية دورا ضليعا في المفاوضات على الرغم من تشككها الكبير لاحتمالية الوصول إلى حل يرضي الطرفين. وتشير التفاصيل إلى أنه في هذه الأثناء التي يتّخذ المرشّح الجمهوري دونالد ترمب فيها أسلوبا متباعد الاتجاهات حيال تعاطيه مع مختلف قضايا الشؤون الخارجية، تبرز أهمية التعامل مع قنوات سريّة للوصول إلى حلول دائمة.

بدأ التواصل عبر معالي الإسماعيلي في شهر مايو من العام 2009م أي بعد أربع أشهر فقط من تولي باراك أوباما لسدّة الرئاسة، والتي رافقت لقاء دينيس روس أكبر مستشاري هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية آنذاك للإسماعيلي بالخارجية الأمريكية. فاجأ الإسماعيلي الأمريكيين في الاجتماع الأول بعرض مقدّم من إيران للتفاوض حول برنامجها النووي، على الرغم من أن أوباما كان قد أرسل مسبقا خطابات سريّة لآية الله علي خامنئي حول الشروع في مفاوضات ثنائية إلا أنها قوبلت بالرفض. في هذه الأثناء طمأن الإسماعيلي المستشار الأمريكي أنه قادر على الجمع بين الإيرانيين والأمريكيين في طاولة واحدة للحوار، وأن السلطنة هي الحاضن الأمثل لمثل هذه الحوارات السريّة. آلت هذه الوعود إلى أن تتحقّق على أرض الواقع لكن قبل ذلك بدأت الانتخابات الرئاسية الإيرانية في العام 2009م وتزامن معها التصدّي الكبير للسلطة على احتجاجات الانتخابات الرئاسية الإيرانية والتي حملت اسم “الثورة الخضراء”. وقد أشار بعض النقّاد أن تحمّس أوباما لفكرة فتح قناة للاتصال خفّفت من حدّة الرد الأمريكي على إعادة ترأس محمود أحمدي نجاد.

إلا أن الجهود العمانية تواصلت خصوصا بعد أن ألقت السلطات الإيرانية القبض على المتجوّلين الأمريكيين الثلاثة في يوليو 2009م والتي رافقت مفاوضات الإسماعيلي السرية لإطلاق سراحهم ما نتج عن الإفراج عن واحد منهم في سبتمبر 2010م، والإفراج عن الاثنين الباقين بعد عامين. زار المستشار روس مع أحد زملائه سلطنة عُمان في ديسمبر 2010م للإطلاع على المزيد عمّا تخبؤّه حلقة الوصل العُمانية وإمكانياتها. أما كلينون فقد كان لها زيارة استكشافية مماثلة للسلطان قابوس في يناير 2011م إلا أنها لم تعتبِر فتح قنوات اتصال سريّة آنذاك خطوة ستدلي بأي ثمار.

الإسماعيلي كيري

أما جون كيري فقد كان يصبو لانتهاز هذه الفرصة قبل أن يتقلّد منصب وزارة الخارجية، حيث تعرّف على الإسماعيلي من خلال المفاوضات لإطلاق سراح المحتجزين الأمريكيين كما زار السلطنة مرات عدة عام 2011م وبداية عام 2012م، والتقى أيضا بالإسماعيلي في لندن وروما وواشنطن. يشير الكتاب إلى أن كيري “كان في أوج حرصه على بدء المفاوضات مع الإيرانيين حيث أرسل الكثير من الرسائل للإيرانيين عبر الإسماعيلي كحلقة وصل. كل هذا وما زال كيري سيناتور في مجلس الشيوخ أي قبل أن يكون متحدثا رسميا بمنصب وزير الخارجية، حيث بادر مع الإسماعيلي إلى العمل على نص الاتفاقية والتي ستكون من بنودها أحد أهم مطالب طهران الأساسية وهو إمكانيتها من تخصيب اليورانيوم.

بُعيد ذلك تواصلت اجتماعات أكبر مساعدي كلينتون مع الجانب العُماني في عام 2012م، وفي عام 2013م بدأت المشاورات السرية تأخذ مسلكا أسرع بعد تعيين كيري وزيرا للخارجية واعتلاء حسن روحاني رئاسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبنهاية ذلك العام بدأت ملامح الوصول لاتفاق مبدئي تلوح في الأفق. وأشار أحد أكبر مستشاري الخارجية أنه على الرغم من أن شكوك كلينتون حيال الجانب العماني إلا أن ما قدموه كان معاكسا لتوقعاتها، حيث يشير الكتاب أن “لولا القناة العمانية لانقضى عام 2013م في بحث الجانب الأمريكي عن المسؤول الإيراني الأفضل للتفاوض والوسيلة المناسبة لذلك”.

وأشار الكتاب كذلك إلى الخطاب الإعلامي للإدارة الأمريكية بُعيد ترأس روحاني ركّزت على حصد ثمار الاتفاق عوضا عن التركيز عن حيثيات المشاورات المبكّرة بين الطرفين، ومن علامات ذلك حذف وزارة الخارجية للموجز الصحفي الذي عقد في ديسمبر 2013م والتي تم التطرّق فيه إلى سريّة المفاوضات.

ويخلص مقال صحيفة واشنطن بوست إلى أن على الإدارة الأمريكية تبيان سبب اعتمدها على مشاورات سريّة للوصول إلى اتفاق بهذا الحجم، وأن على ترمب تبرير قوله “أن العالم سيكون أكثر أمنا دون هذا الاتفاق” وتدعيم ادعائه بقدرته على المفاوضة على صفقة أفضل بكثير. كما يختم المقال أن الدور الذي لعبه الجانب الأمريكي في المفاوضات السرية لم يرتكز على أوباما وكيري فحسب، بل كان للمرشحة كلينتون دورا كبيرا في بداياته.

ملاحظات:
– يحمل كتاب مارك لاندر عنوان: Alter Egos: Hillary Clinton, Barack Obama, and the Twilight Struggle Over American Power

0 5126 09 يونيو, 2016 الثاني والسبعون, سياسة يونيو 9, 2016