الـ iPad درس تجاري وتسويقي

لـ

ipad

الـ iPad درس تجاري وتسويقي

حمد العزري

 

سنين من التخطيط والتجارب..

سنين من التكهنات والتوقعات..

وثم أخيرا.. في السابع والعشرين من يناير.. افصحت آبل عن جوهرتها الجديدة: الآيباد! (iPad)

جهاز لم يلمسه احد.. ما عدى قلة مختارة..

ولم يره على الحقيقة احد.. ما عدى تلك القلة!

ولم يعش تجربته احد.. ما عدى..قلة قلة!

ثم في يوم التدشين الرسمي، تمكنت آبل من بيع اكثر من ثلاثمائة الف جهاز!

ثلاثمائة الف مشتري لجهاز لم يجربوه ولم يلمسوه ولم يروه إلا في الصور!

ثلاثمائة الف قطعة من جوهرة تكنولوجية جديدة، من نوعية جديدة، في سوق لم يعرف قبل الآيباد اي نجاح ملموس!

هذا بدون حساب الملايين حول العالم ممن يتمنون الجهاز وينتظرونه على أحر من الجمر..

كيف حققت آبل هذا؟!!

المؤكد ان هذا النجاح الساحق لم يكن وليد يوم وليلة.. ولم يتمخض عن قرارات متسرعة محظوظة!

وعكس ما يتوقع الكثيرون، لم يكن هذا النجاح فقط نتيجة ترويج ودعاية كبيرة (مع التأكيد على دور الترويج)

في رأيّ، هذا النجاح يرجع إلى عاملين مهمين..

أولهما فلسفة واضحة! فلسفة دُرّست في تخصصات التسويق لعقود، ولم تطبق كثيرا خاصة في عالم الالكترونيات اليوم..

باختصار.. بحثت آبل عن اهم حاجات المستهلكين وصممت منتجا يلبي تلك الحاجات!

قد يبدو هذا بسيطا جدا، وقد يقول قائل وماذا عن كل الحواسيب التي انتجت لعقود؟!

الواقع ان اغلب منتجات الحواسيب صممت ابتداءا من قدرات وحدود التكنولوجيا، وانتهاءا بمحاولة تعليم الناس طريقة العمل على الحاسوب.. بمعنى آخر، يأتي المصممون ويقولون ما هي الحدود التي نستطيع الوصول اليها تكنولوجيّا؟ ما هي كل المواصفات التي يمكننا حشرها في هذا المنتج؟ ثم ينتجوه، ويرى المنافسون ذلك فيحاولون سحق المنافس بتصميم وتسويق منتجات لها مواصفات وقدرات اكبر.. فالهم كله في إطالة قائمة القدرات..

والثمن؟ الثمن استقرار النظام.. الثمن ان على المستخدمين ان يتعلموا طريقة عمل الجهاز.. اي ان يدخل غريب على بيتك ويتكلم لغة مختلفة، ثم عليك انت ان تتعلم لغته حتى تستطيع ان تتعامل معه وتستفيد من قدراته العجيبة!

لقد اعتدنا على ذلك سنينا وعقودا حتى اصبح امرا عاديا لا نفكر فيه..

ثم أتت آبل.. وتسائلت.. ما الذي يريده الناس تحديدا؟

كيف يريدون ان يتعاملوا مع التكنولوجيا.. ما هي الطريقة الطبيعية لقضاء حاجاتهم الحاسوبية اليومية؟

بدأت آبل من هناك.. ثم انكفت في تصميم المنتج الذي يلبي هذه الحاجات..

الفكرة أن المنتج يجب ان يكون سهل الاستخدام، سريع، جميل، مستقر، لا يحتاج ان تقوم بصيانته، سهل التنقل وفي نفس الوقت ذو شاشة كبيرة، وذو بطارية كبيرة تكفيك لاستخدام يوم كامل… ببساطة، منتج يسهل عليك القيام بمهام محددة ولا يحتاج منك إلى عناية كبيرة.. وهذا ما يحتاجه أغلب الناس!

اغلب الناس لا يريدون تعلم اجهزة معقدة ولا يريدون ان يقضوا يومهم في العناية بالجهاز.. كل ما يريدون هو ان يقوم الجهاز بما يطلبونه منه بيسر وبطريقة سلسلة ممتعة..

وهذا عامل مهم جدا في نجاح الآيباد.. وتستطيع ان تلاحظ ذلك عندما ترى الكثير من الناس يقررون شراء الآيباد بعد تجربته بفترة بسيطة.. بدأ هذا بالقلة التي جربت الجهاز قبل التدشين الرسمي واعلنوا للملأ عن اعجابهم به.. وترى ذلك أيضا عندما تعرف ان الطلب على الجهاز قد فاق توقعات آبل حتى انهم أخروا تدشين الجهاز عالميا بسبب نفاذ الكمية محليا!

أما العامل آخر المهم جدا في نجاح الآيباد.. والتابع اساسا للعامل الأول.. فهو الشعار الذي خلف الجهاز!!! الجهاز من صنع آبل!

وكيف ذلك؟

ليس الآيباد أول جهاز تدخل به آبل سوقا شبه ميتة وتنعشها بشكل لا يصدق..

للشركة سوابق.. وهذه السوابق أدّت إلى الثقة شبه العمياء للشركة من هؤلاء المشترين الأوائل ومن الملايين خلفهم..

لآبل باع طويل في ابتكار منتجات جديدة وخلق اسواق جديدة، وحتى اقناعنا بحاجات لم نكن نعلمها..

وسأكتفي بذكر مثالين، قريبين جدا من الآيباد..

وهما الآيبود والآيفون (iPod & iPhone)

والذين من خلالهما اتبعت آبل فلسفتها في تحديد حاجات الناس وتلبيتها..

قبل الآيبود، كانت سوق الاجهزة السمعية الالكترونية شبه ميتة، ولكن آبل دخلتها بقوة مع الآيبود وتحملت مخاطرة تجارية كبيرة..

والنتيجة؟ نجاح ساحق وإحياء لسوق لم تكد تكن تُعرف من قبل.. وانظروا إلى كم المنافسين المقلدين خلف آبل!

قبل الآيفون، كانت سوق اجهزة الهواتف المتطورة ذات شاشات اللمس (خاصة اللمس بالاصبع) ضعيفة محدودة.. ولكن آبل دخلتها بقوة مع الآيفون وتحملت مخاطرة كبيرة اخرى.. والنتيجة؟ نجاح ساحق وإحياء لسوق متعثرة.. وانظروا إلى كم المنافسين المقلدين خلف آبل!

بعد حوالي تسع سنوات من تدشين الآيبود وثلاث سنوات من تدشين الآيفون، بنت آبل سمعة إيجابية قوية وثقة لا متناهية في اذهان المستهلكين أن آبل تفهمهم.. أن آبل تبحث عن حاجاتهم وتلبيها.. أن آبل قادرة على دخول اسواق جديدة والنجاح فيها..

وهكذا، عندما اعلنت آبل عن الآيباد، كانت هناك شريحة عريضة من المستهلكين قد قررت شراء المنتج!! قبل أن يروه!! قبل أن يلمسوه!! قبل أن يجربوه!! (واعترف اني واحد منهم!)

لماذا؟ لأنه منتج لآبل! التي عرفوا عنها النجاح في الاسواق الجديدة، وعرفوا عنها القدرة العجيبة على اكتشاف حاجاتنا وتلبيتها بشكل كبير!

ثم فوق كل هذا، استخدمت آبل استراتيجية ترويجية مدروسة بعناية، بحيث ان جهاز الآيباد كان حديث الناس والانترنت والتلفزيون.. ولكن لولا العاملين السابقي الذكر، لما تمكنت آبل من تحقيق مثل هذا النجاح، ولانفقعت الفقاعة بسرعة..

المذهل ان المنافسين قد اعلنوا بسرعة عن اجهزة منافسة لها قائمة قدرات أطول! وما هذا إلا شهادة منهم أن آبل نجحت في اكتشاف سوق مشجعة كبيرة فوجدوا انفسهم يسارعون في ركوب الموجة الجديدة!

اتوقع شخصيا استمرارية نجاح الآيباد وتسارع المنتجات المنافسة مما سيغير تدريجيا من نظرتنا نحو اجهزة الحاسب الشخصية وكيف وأين نستخدمها..

0 2175 15 مايو, 2010 العدد الثالث, ثقافة وفكر مايو 15, 2010
Avatar

عن الكاتب

محاضر بجامعة السلطان قابوس.. يحضر للدكتوراة في جامعة بوردو (Purdue University) بالولايات المتحدة متخصص في التسويق السياحي وشغوف بتكنولوجيا المستهلكين وبريده الالكتروني: hamedalazri@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها حمد العزري