الخطاب الديني في سلطنة عمان: قراءة في الدلالات

لـ

يحاول هذا المقال، والمقالاتُ اللاحقة أن تسلط الضوء على واقع “الخطاب الديني” في السلطنة؛ هذا الواقع الذي كلّما حاول باحثٌ الاقترابَ منه؛ يتهم بالفتنة والطائفية، وكأن الدولة في حالة من الضعف بحيث تهتز لمناقشة، أو دراسة، أو مقال، إنني أتوجس خوفاً في حال الصمت عن “الراهن الديني” وانعدام نقده ودراسته من أن يتحول هذا الخطابُ إلى “أيديولوجيات مرسّمة” تقلق الوضع العام في المستقبل، علماً بأن “الكاتب” لا يريد نقداً موجها إلى شخص بعينه، ولكنّه يحاول معالجة الأفكار الدينية المنشورة في المؤلفات القديمة والمعاصرة بكل علائقياتها، وما يرتبط بها من واقع ديني راهن؛ فهو إذاً لا يريد شخصا بعينه، وإنما يحاول تلوين بعض المساحات الضبابية التي قد تنمو فيها الطفيليات الإقصائية أو الأنظمة الدينية ذات الطابع الشمولي؛ لذلك ونحن بين يدي هذه المقالات لا بد من التوقف ملياً على أمرين هما:

أولاً: يحدث سوء فهم بسبب الالتباس مع اللغة الدارجة، أن المقصود بـ”الخطاب” خطبة الجمعة كما قد استظهرته من تعليقات القراء ممن تتعدد مشاربهم وتختلف توجهاتهم؛ لذا يلزم التوجيه أن المقصود بالخطاب الديني كامل التوجهات الدينية ذات الصبغة الأيديولوجية، ولن يكون اعتقاد ديني متسماً بالسمة الأيديولوجية إلاّ في حال التزاوج مع السلطة، أو في حال السمة الشمولية بادعاء الحق، وإطلاق عبارات من مثل “اعتقاد الفرقة الناجية”؛ فيقصي الآخر ويدّعي بأنه الأوحد الذي يتصل بحبله المتين مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ عليه فإن موضوع المقالات يتعلق بالدائرة الواسعة من الممارسات الدينية في السلطنة، وعلاقة “المؤسسة الدينية” متمثلة بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بها بوصفها مؤسسة عامة في الجهاز الإداري للدولة.

ثانياً: قد يلزم الإيمان أو الاعتراف بأن “الإنسان العماني” يمتلك الحق الكامل في حرية الاعتقاد والتفكير؛ كما يمتلك الحق في النقد وفق القوانين النافذة الخاصة بشأن الثقافة والعلم، والدليل على ذلك وجود خطاب ديني مختلف، ومتباين؛ وفي النسيج العماني توجد المذاهب الإسلامية المختلفة؛ ولكن هذه الحرية يجب أن تنطلق من المفهوم الإنساني العميق المرتبط بسيادة الدولة، ومفاهيم المجتمع المدني؛ وذلك يقتضي الحذر من الأيديولوجيات الدينية المتطرفة التي تقصي الآخر وتنتهكه، وأكاد أجزم أن السبب الرئيسي في الاستقرار واختفاء العنف الديني في السلطنة وهو ما نصطلح عليه بــ”التسامح” مرده إلى طبيعة السلطة من حيث اكتمال بنيتها، وهيمنتها وتجنّبها ممارسة “الميل” النسبي إلى مذهب ديني محدد، بترسيخ “لعبة التوازنات” بين مختلف المكونات الدينية وغير الدينية، وإلى طبيعة المجتمع العماني؛ فالدين في المجتمع كان عنصراً طبيعياً قبل وجود الإعلام السلفي، ولكن ذلك لا يعني عدم وجود بذور دينية إقصائية في معتقداتنا، والمقالات تحاول الاقتراب منها بشيء من الشفافية والصراحة كما يزعم الكاتب.

وانطلاقا مما سبق؛ فإنه لابد من الاعتراف بحق الكاتب في طرح القضايا الدينية التي تمس المجتمع والشأن العام، ومن حق المجتمع أن يقرأ، ويناقش ذلك كله، مما يستدعي التنبيه إلى نقاط قد تُقارب وجهات النظر وهي:

  1. أن “الحق” فرعٌ من وضوح البرهان، وما يحاول الدلالة عليه، وليس فرعاً من مكانة الأشخاص وتقديسهم عند الأتباع في المذهب الواحد؛ لذا فإن على المرء أن يتهم رأيه أولاً، ويضعه تحت مجاهر النقد الذاتي؛ فإن العصبية تصنع الغشاوة، وهي تحجب الثغرات؛ وهذا الاتهام للرأي يضعنا أمام “المعقولية” التي تصنع الثقة المتبادلة بيني وبين الآخر المختلف.
  2. وتبعا لذلك فإن كثيراً من المصطلحات الدينية، والألقاب المذهبية خادعة؛ من حيث إنها تجعل الإنسان المسلم لا يقترب من الآخر، ولا يحاول اكتشافه، ولكنّه يصطحب معطيات التكريس الديني التي تجعل الآخر شراً محضاً؛ فما يجده في تاريخه أنه يقف على نقيض وعداوة وبراءة من الشيعة، والأشعرية، والماتريدية، والإباضية والمعتزلة، والجهمية، والمرجئة، والزيدية، والإمامية، والخوارج، هو نوعٌ من الأوهام التي روّجتها المؤسسات الدينية المتوسلة بالسلطة؛ وسيجد القارئ لاحقاً أدلة قد تؤيد مزاعمي تلك.
  3. أن الاعتقاد بوجود “فرقة ناجية” واحدة تدخل الجنة وهمٌ زائف يخالف منطق القرآن ويعتمد الدور المنطقي الباطل؛ ويتوسل حديثاً مضطرباً؛ يجعل الأمة في خلاف دائم، ويصنع الأعداء الوهميين؛ لأن معيار الحق للفرقة الناجية ينبع من ذاتها، وذلك يكفي سبباً للتهافت.
  4. أن المذاهب الإسلامية تراثٌ إنساني يقرأ وينتقد، بغض النظر عن أتباعه، فليس لأحد أن يدعي امتلاك مذهب؛ بما أن تعاليمه منشورة وموثقة؛ وذلك يبعدنا من مصطلح “موت المذهب” بسبب انتهاء أتباعه كمذهب الأوزاعي، والثوري، والطبري، وابن حزم وغيرهما؛ فهذه المذاهب لا تموت بما أن أفكارها باقية مدونة، وحق النقد لها بسبب انعدام الأتباع لا يعني انعدام الحق لمذهب آخر له أتباع أحياء، ومحاولة منع النقد بمثابة الرقم في الماء؛ فالمذاهب المدونة تبعٌ لأصحابها المؤلفين لدواوينها المزبورة، وليست تبعاً لمن يعتنقها مهما علا صوته لمنع النقد والقراءة.
  5. لن ألتزم بناء على ذلك كله بالألقاب الممنوحة للعلماء والأتباع؛ فالمسلك العلمي يحتم عليّ التعامل بالعدالة مع الجميع؛ لذا لن يجد القارئ في المقالات ألقاباً من مثل: شيخ الإسلام، والعلامة، والإمام، وسماحة الشيخ، وآية الله؛ فهذي الألقاب الجاهزة عبءٌ في مسالك النقد.
  6. أعلم تماماً ما سأجده من جرّاء هذه المقالات بسبب ما سيجده البعض مما قد ألفه من التعظيم والتبجيل؛ فلن يكون الطرح النقدي مألوفاً للبعض منهم؛ لأنه نقدٌ يحاول تقويض الأسس، وكشف الادعاءات؛ وذلك لن يثنيني من الكتابة بوصفها حقاً قانونياً وعلمياً لي ولغيري، وحقا للأجيال القارئة حتى لا تقع ضحية التيارات السلفية التي تقصي الآخر، وتسلبه حق إنسانيته وحريته في الاعتقاد والفهم.

كما أنني أجد لزاماً عليّ أن أحدد المنهج الذي أعالج به النقاشات؛ للتمشّي عبرها، حتى أروم وضع تساؤلات تقي الإنسان من الدوغمائية المطلقة؛ ويمكن إيجازه (أي المنهج) في الآتي:

أولا: أمارس”الشك الديكارتي” أو “تعليق الحكم” على العقائد الدينية التي تزعمها الفرق المختلفة، ومقالاتها؛ سواء أكانت معزوة إلى “السلف” كما يدعي التيار السلفي، أم كانت للمتكلمين؛ فهي عندي على درجة واحدة؛ حتى يتم فحصها، والهدف الأساسي من مناقشتها ليس الدحض المطلق؛ لأنها تتمتع بحرية الاختيار، وإنّما فك الارتباط بينها وبين التوجهات الإقصائية والزعم أنها “البرهان” و”الحق”؛ فالاختيار في الاعتقاد لا يخضع لمبدأ الثالث المرفوع؛ من حيث إن الحق واحد لا يتعدد (كما هو مزعوم)؛ بل هو متعدد؛ ما تعددت العقول، واحتمل النص.

ثانيا: يلزمني تحديد المصطلحات المفتاحية الأساسية تباعاً في كل مقال أعالج فيه قضية مرتبطة بذلك المصطلح، مع السعي إلى تحديد تاريخ تلك المصطلحات وأفكار أصحابها، وعلاقتها بالقضية المحورية العنقودية في الافتراق الديني عند المسلمين وهي “الإمامة” أو السعي إلى السلطة.

ثالثا: تتبّع المعطيات التاريخية، والكلامية القديمة وموقف العلماء منها، اعتماداً على أقدم الوثائق العلمية ما استطعت إلى ذلك سبيلاً؛ مع تنويع المصادر وتحديدها، دون إرهاق للقارئ.

رابعا: الحذر الشديد من إطلاق حكم؛ إلا ما كان معتمداً على دليل تاريخي، ويؤدي إليه التحليل العلمي، ودونما زعم بمطلقيته في الصواب.

ولو نظرنا في تاريخنا الإسلامي؛ لوجدنا أنّ “الافتراق” والبحث عنه، لا للتعايش والسلم، وإنما لبث روح الفرقة وإقصاء الآخر واتهامه، وإخراجه من دائرة رحمة الله الواسعة، ولم تكتف المقالات والفرق بالتصنيف في الدنيا، بل تمارس التصنيف يوم القيامة، وليس الافتراق قضية دينية كما يروج لها أصحاب الأبواق العالية في الفضائيات، ولكنّها قضية سياسية مصطبغة بالدين ومقولاته؛ ولو رجعنا إلى أقدم كتابين من كتب الفرق؛ وهما:

  1. كتاب الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (ت 260 هــ)، وهو الإيضاح في الرد على سائر الفرق.
  2. وكتاب الناشئ الأكبر (ت 293هـــ) مسائل الإمامة، ومقتطفات من الكتاب الأوسط في المقالات.

قلتُ: لو نظرنا فيهما؛ لاستقر في أذهاننا أن “الافتراق” في الدين ومقولاته فرع من الاختلاف في السلطة وأهوائها، ويعيش المسلم العادي حياته اليومية على هوامش الافتراق (الديني-السياسي)، وبغض النظر عن الفرق الإسلامية منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا؛ فإنني أجد نفسي مميزاً بين طائفتين لاعبتين في المسرح السياسي باسم الدين هما:

الأولى: هي “الصفاتية” نفياً وإثباتاً وتأويلاً ويستقر التيار السلفي في هذه الطائفة مطلقة على الآخرين أسماء مثل: المبتدعة، والفرق الضالة، والمعطلة وما سوى تلك الألقاب، والسلفية وهم بعض الحنابلة يمثلون “الحشوية وهم طغام أهل الشام وأتباع معاوية”[1] قديماً كما يزعم الناشئ الأكبر (ت293هـ)، وقد ظهرت هذه الفرقة في المرحلة الرابعة من الافتراق العنقودي[2] عنده بعد “التحاكم”، وهي تبرز الآن باسم التيار السلفي وأهل السنة والجماعة، وهي لا تريد السلطة كاملة، ولكنها تكتفي بالحصول على مساحات كاملة لممارسة معتقداتها الإقصائية؛ لأنها تعتقد بإمامة المفضول وجوازها، ومشكلتها دائما مع الآخر الذي تعده ضالاً، أو كافراً؛ لمجرد اعتقاده أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وتعتمد في تنزيه ذاتها الدورَ المنطقي الباطل والتضليل الإعلامي، وسوف يكون التيار السلفي محور الحديث في المقالات اللاحقة؛ لذا نكتفي بالإشارة هنا إليها، ونرجئ الحديث عمّا يمكن أن يكون من المغالطات التاريخية والتضليل الإعلامي إلى موضعه، ولكن ومما يجدر ذكره أنني لا أزعم وجود حدود حاسمة بين الطائفتين، ولكنني أكتفي بإبراز أهم ملامح الوضع الديني المحلي والعربي في هذه النقطة بالذات.

الثانية: وأطلق عليها “الجهادية” وهي كل فرقة دينية لها مقولات تتعلق بضرورة إمامة الفاضل، وعدم جواز إمامة المفضول، ولا أعني بـ”الجهاد” الصراع الدامي، ولكنني أقصد المعنى الشمولي من وجود مقولات مذهبية توجب إقامة الإمامة والوصول إلى التمكين الكلي لتطبيق “الإسلام الحدّي” الذي يُختزل في الحدود كالردة والزنا؛ فما إن نظّرت هذه الفرق لإقامة دولة أو إمامة فذلك يعني وجود أيديولوجية دينية؛ لذا فإنها لا تعدّ مدارس بالمعنى الدقيق بقدر ما هي أيديولوجيات شمولية.

فلو أخرجنا “المسلم العادي” من الطائفتين؛ نجد أن سائر الفرق الدينية تندرج تحت هاتين الطائفتين؛ وذلك قد يؤكد مسألة الأهواء السياسية؛ ويستدعي طرح سؤال مهم: لماذا كانت السلطنة في الوقت الحاضر بعيدة عن مثل هذه الصراعات؟ هل يتعلق الأمر بطبيعة المذاهب الدينية فيها كما يحلو للبعض أن يتمادح به؟

ولعلي أعتقد أن الإجابة لا تتعلق بذلك بقدر ما ترتبط بطبيعة سلطة الدولة التي تبني النظام الاجتماعي والمدني على القانون، انطلاقاً من الطبيعة التاريخية للدولة منذ تولي السيد السلطان سعيد بن سلطان؛ وذلك لا يعني خلو المعتقدات الدينية من عنصر إقصاء الآخر؛ لا سيما وأن اللاعبين الأساسيين هما: الخطاب الإباضي، والخطاب السلفي الذي جعل ينتشر في السلطنة منذ عام (1985) وسط ظروف سوف أناقشها؛ فالدولة إذ تتأسس – كما يبدو من قراءة الملامح القانونية في السلطنة- على المبادئ المدنية؛ وهي تجعل الإنسان، واحترام حياته أساس التعايش والتعامل، ولا يتعارض ذلك مع هوية الدولة من كونها عربية إسلامية؛ كما يأتي من المادة الأولى من النظام الأساسي للدولة[3]؛ إذ لا يمكن الانسلاخ من التاريخ والتراث، كما لا يمكن الجمود في بناء الدولة على معطيات القرون الوسطى؛ التي تجعل من “السلطة السياسية أو الدينية” رقيباً مزعجاً على حياة الناس، وشؤونهم، والدينُ شأن عام وشخصي في آنٍ معاً من شؤون الناس من حيث هو مستقر في وجدانهم، ويدفع بهم إلى ممارسات شتى تنبع من معتقداتهم تجاه “الله” سبحانه وتعالى، وتجاه الآخر من حيث هو “إنسانٌ مختلف” في طبيعة تفكيره، وحرية اعتقاده، والتعبير عنهما؛ وبعيداً عن شطحات “الفتاوى” بشأن قتل المرتد، والعنف الجسدي، والقانوني الذي يحاول العلماء اجتراره وإثباته؛ فإن السلطنة رسّخت مبادئ المدنية في قوانينها ونظامها، وهو أمر لا يريد البعض استيعابه؛ إذ يريد أن يجعل المجتمع يمارس رقابته على قلوب الناس وأعمالهم.

يحيلنا ذلك على ما أورده ابن الجوزي في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” من عهود الدولة الأموية التي ما فتئت تمارس صنوف القمع والاستبداد والتدخل في حياة الناس وميادينهم المختلفة؛ فقد “دعا الأشرس أهل الذمة من أهل سمرقند من وراء النهر إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية، فأجابوا وأسلموا، فكتب غوزك إلى أشرس: إن الخراج قد انكسر، فقال الأشرس: إن الخراج قوة المسلمين وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، إنما دخلوا في الإسلام تعوذا من الجزية، فانظروا من أحسن وأقام الفرائض وحسن إسلامه وقرأ سورة من القرآن فارفعوا عنه الخراج، فأعادوا الجزية، فامتنع الناس من أهل الصغد سبعة آلاف، فنزلوا على سبعة فراسخ من سمرقند”[4]، إن هذا العنف السلطوي الذي مارسته السياسة آنذاك ما أنزل الله به من سلطان؛ فقد توسل الأمويون بالدين لإثراء استثماراتهم، وتضخيم أموالهم، ولي حول هذه القضية، وقضايا العنف الجسدي والتصفية والقتل والتنكيل بالبشر باسم الدين وقفة مخصوصة في سلسلة المقالات؛ ولكن الأهم الآن أن يتأمل القارئ:

  1. هذه الرقابة السلطوية القمعية المزعجة باسم الدين، والتي تطورت لاحقاً إلى هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ومكاتب الإفتاء؛ فجعلت الناس ينفرون من الإسلام بوصفه ثقافة قمعية أنتجتها المجتمعات المسلمة، وما تزال تنتج ذلك عبر الفتاوى، وتصنيف مسالك البشر وحرياتهم، ولعلي أقف بشيء من التحليل على مصطلح الفتوى في مقال مخصوص.
  2. اختلاط الدين الذي هو علاقة بين “الإنسان” و”رب العباد” بالسلطة؛ مما أنتج من تراكمات التاريخ، وأيديولوجياته “إسلاما” مختلفاً، ولكنّه متعدد في نسخه، ويعتمد في الآن ذاته على نصوص الإسلام؛ إذ تجد كل فرقة من الفرق الدينية بغيته لتغذية أيديولوجياته الدينية، ولعل أبرز الأصوات الظاهرة صوت “الإسلام السلفي” أو الإسلام السياسي بشتى صنوفه ومدارسه.

ولا يمكن تبرئة مذهب إسلامي من هذه المسارات، فكل مذهب يحمل في داخله بذور “الإقصاء” بمجرد اعتقاده أنه الحق، وأنه يمثل “الفرقة الناجية” إذا ما أتيحت له الفرص، وفتحت له الأبواب أن يتخذ إلى ذي العرش سبيلاً، فالمذاهب الإسلامية لا تتحول إلى “ترسيمات أيديولوجية” بتعبير محمد عابد الجابري إلا إذا منحت لها سلطة كلية أو جزئية من سلطات الدولة؛ ولنا في التاريخ عبرة، ففي العام (408 هـ) أصدر الخليفة القادر بيانه ضد المعتزلة؛ ليكون المذهبُ الأشعري مذهب الدولة الأوحد؛ وليصل الأمر إلى حلول النكال والعقوبة لمن خالف البيان في معتقداته، بل سيكون عاملاً حاسماً في جمود علم الكلام والفلسفة وسط عنجهية السلطة واستبدادها؛ يقول ابن الجوزي: “وفي سنة ثمان وأربعمائة استتاب القادر بالله أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية، فأظهروا الرجوع، وتبرأوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك (أي تعهداتهم)[5] وأنهم متى خالفوه حلّ بهم النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم، وامتثل يمينُ الدولة وأمينُ الملة أبو القاسم محمود أمرَ أمير المؤمنين، واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة، والرافضة، والإسماعيلية، والقرامطة، والجهمية، والمشبهة، وصلبهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإيعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سنّة في الإسلام”[6]، ولو رجعنا إلى حادثة “إسلام أهل الصغد” في العهد الأموي؛ فإنها تحيلنا مع “البيان القادري” على درجة عالية من درجات تدخل الدولة بصورة مباشرة في المنازعات المذهبية والكلامية[7]، وربما كان هذا التدخل أحياناً بسبب الفتن والمناوشات المذهبية على مدار التاريخ الإسلامي، وسوف نشير إلى طائفة منها في مقالات لاحقة؛ بيد أنه لا من الإشارة إلى موقف أبي حنيفة من تصدّي الممارسات السياسية في العهد الأموي مع المسلمين الجدد من غير ذوي النسب العربي بوصفهم خارجين عن زمرة المؤمنين، وفرضت عليهم الدولةُ تبعاً لذلك أن يدفعوا الخراج والجزية اللذين كانا يمثلان المصدرين الأولين لتغذية الاقتصاد الأموي[8]؛ فمشروع “الإرجاء” عند أبي حنيفة يئد هذه الأطماع السياسية باسم الدين؛ لأن الإيمان عنده هو التصديق بالله تعالى؛ فـ”الناس إنما يكونون مؤمنين بمعرفتهم وتصديقهم بالرب جل وعلا، ويكونون كفاراً بإنكارهم بالرب تعالى، فأما إذا أقروا للرب بالعبودية وصدقوا بوحدانيته وبما جاء منه ولم يعلموا ما اسم الإيمان واسم الكفر لا يكونون بهذا كفاراً بعد أن علموا أنّ الإيمان خير، والكفر شر، كالرجل الذي يؤتى بالعسل والصبر؛ فيذوق منهما ويعلم أن العسل حلو، والصبر مر من غير أن يعلم ما اسم العسل؟ وما اسم الصبر؟ ولا يقال جاهلٌ بالحلاوة والمرارة، ولكن يقال له جاهلٌ باسمهما”[9]. فأنت حرٌ في قناعاتك أن افيمان قولٌ وعمل، ولكنّ غيرك يمتلك الحرية ذاتها في قناعاته؛ فلتكن السلطة والعنف بعيدين عن الاختيار الديني. وبعد بيان المنهج والأهداف؛ فسوف نبدأ بطرح القضايا الآتية في المقال القادم:

  • علاقة الخطاب الديني الإقصائي متمثلا في “قتل المرتد” وظواهر الفتوى بمبادئ الدولة في سلطنة عمان؛ هل هي علاقة تعاضد واتساق أم تنافر وافتراق؟ بعبارة أخرى: إلى أيّ مدى يمكن أن يكون خطابٌ كهذا عقبة في بناء دولة المؤسسات وترسيخ مبادئ المجتمع المدني المفتوح؟
  • انتشار الخطاب السلفي الوهابي في السلطنة: الظروف والملابسلت، والملامح والسمات، وأهم مزاعم هذا التيار، وعلاقته بالدولة والآخر المختلف.
  • موقف المؤسسة الدينية متمثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية من الخطاب السلفي، والمدارس الدينية الأخرى في السلطنة.

ولكم أعذب المنى.

 

[1] الناشئ الأكبر، مسائل الإمامة، ص19

[2] سيأتي توضيح هذا المصطلح في آنه

[3] مجلس الدولة، النظام الأساسي للدولة، ص6

[4] ابن الجوزي، جـ7/ 135، الطبري، جـ7/ 54-55 (حوادث سنة 110هـ)

[5] التفسير من الكاتب، وليس من النص

[6] المرجع السابق، جـ15/ 125- 126، ابن الأثير، جـ6/ 340، وانظر: آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، مجـ1/ ص380- 381

[7] الجابريـ مقدمة الكشف لابن رشد، ص 28

[8] الأسعد النجار، أصول الدين: من خلال مجموعة شروح الفقه الأكبر، 45

[9] أبو حنيفة، العالم والمتعلم: رواية أبي مقاتل عن أبي حنيفة رضي الله عنهما، تح. محمد زاهد الكوثري، ص35

0 2855 27 يوليو, 2016 الثالث والسبعون, ثقافة وفكر يوليو 27, 2016