الربيع العربي” بين مطرقة الأعداء و سندان المثقفين ” الجزء الثاني”

لـ

هل كانت الانتفاضات العربية المعاصرة انتفاضات حقيقيةأم مؤامرة خارجية ؟

 

كثر الحديث مؤخراً وثارت الزوابع عن ” ثورات الربيع العربي ” و تعددت التصنيفان و التسميات لها بين ” ثورات و انتفاضات و انفجارات ” و بين كونها ” حقيقية ناتجة عن أزمات و تراكمات قهر داخلية ؛ و بين من يراها زائفة ناجمة عن تآمرات و مخططات خارجية للوصول ببلداننا العربية إلى المآلات المحزنة التي هي فيها الآن، و السيناريوهات القاتمة القائمة على تفتيتها إلى كيانات، يكثر الحديث عنها في هذا البلد أو ذاك .

و لعله عليّ أولاً، اختيار مسمى من تلك المسميات للأحداث؛ فهي ” انفجار”
( كما أسماها الدكتور المنصف المرزوقي رئيس تونس الأسبق في مقابلة له مع الجزيرة)  و هو صائب في توصيفه، لأن تلك الأحداث العاصفة كانت بمثابة ” التنفيس الطبيعي عن حالة الاحتقان المتأزم ” الذي كانت تعيشه الشعوب العربية جراء القمع و القهر و الكبت و الحرمان و التغييب الذي كابدته مع حكامها ردحاً من الزمن؛ و لكني، أميل لتسميتها ” بالانتفاضات “،  انتفاضات الغضب المكبوت الذي يجتاح الشعوب المقهورة، عبر التاريخ، بين الحين و الآخر؛ و هي بالقطع ليست” بثورات”، لأن” الثورة ” رغم التقائها مع” الانتفاضة”  في عوامل النشوء و الظهور، إلا أنها تتميز بوجود ” قيادة تاريخية لها “، كما حدث للثورات الكبرى في التاريخ البشري،  كالثورة الروسية و الصينية و الفيتنامية و من قبلها الثورة الفرنسية ، لها رؤية سياسية و فكرية واضحة المعالم لمسار الأحداث، و برنامج عمل ثوري رصين و متين تقود به الجماهير في زمن الحرب و السلم ، أي في فترة الأحداث الساخنة و بعدها، و هذا ما لم يكن متوافراً لتلك الانتفاضات المعاصرة كما أكدته الأحداث .

و قبل المضي قدماً في سياق هذا الموضوع، و قبل أن نرفع شعارات
التنديد  أو التأييد ” لتلك الانتفاضات؛ علينا أن نسعى جاهدين لقراءة معطيات تلك الأحداث، لنتبين” الحقيقة ” الكامنة خلف كل تلك المعضلات المطروحة، بغية الوصول إلى قناعات و قواسم مشتركة في النظر والتفكير.  هناك ثمة أسئلة تطرح نفسها على العقل، حَرِية باشتغال الفكر عليها و محاولة طرح الأجوبة الصريحة عليها بكل صدق و أمانة وهي :

تُرى، قـبْل ” انتفاضات الربيع العربي، هل كان بإمكان أي حر وطني شريف  “ تزكية ” حاكم عربي أو حكومة عربية ، من المحيط إلى الخليج ، و اعتباره أو اعتبارها ” الأنموذج الأمثل ” في ” الوطنية و خدمة الشعب و الوطن ” ؟!
هل كان هناك،  ” قبل تلك الانتفاضات “، بلد عربي خال من الظلم و القهر و الفقر و مظاهر الفساد والكساد و الاستبداد و التخلف ؟

هل كان هناك، ” قبل ذلك الغضب الجماهيري “، حاكم عربي يقود تجربة رائدة في النهوض ببلده، ” كتجربة مهاتير محمد ” ،مثلاً،  في ماليزيا،  أو
تجربة لي كوان يو”  في سنغافورة ؟!

أجزم بأن غالبية إن لم يكن كل الأجوبة تتمحور حول كلمة ” لا “… لا يوجد شيء مما ذكرنا؛ ( إلاّ، ربما، لدى من كان في عينيه غشاوة، أو في صدره مرض نسأل الله له بالسلامة و الشفاء !) ثم، أما كان كل المثقفين على اختلاف مشاربهم و عقائدهم  يعلنون السخط و الاستياء و التذمر من الشعوب العربية ” المستكينة المستمرئة للذل و الهوان الذي تلقاه من حكامها الظَلَمة و حكوماتها المستبدة الجائرة ؟ ” أما كان هناك ” حلمٌ نرجسي ” يدغدغ كل الأنفس و العقول الحرة ببركان عربي هادر يطيح بالعروش العربية المهترئة و يطهر الأرض من أدرانها وأوثانها التي صادرت العزة و الكرامة من حياة الشعوب العربية و صيرتها كالبهائم و السوائم و العبيد، و جعلت بلدانها، رغم عظمة إمكانياتها في حضيض الجهل و التخلف و في ذيل الحضارة ؟
ألم يصل الغضب لدى الفئات ” المتطلعة للتغيير” على شعوبها العربية،  لاستكانتها و عجزها عن مجابهة الظلم و القهر و الاستعباد، حد نعتها، في كل محفل، ببيت المتنبي الشهير:
” من يهن يسهل الهوان عليه….. ما لجرح بميت إيلام ” ؟
و كلما عبّرت تلك الفئات عن آمالها و آلامها و أحلامها و طموحاتها ، أنهت حديثها بالقول حسرة و إحباطاً و توجعاً :
” أسْمَعتَ لو ناديت حياً …. و لكن لا حياة لمن تنادي  ” ؟!
ألم يكن كل ذلك ؟! … أَبوسعِ نفرٍ من مثقفينا أو وطنيينا أن ينكر شيئاً من ذلك القول أو تلك التساؤلات ؟!
و ها هي الشعوب العربية في 2011 تنفجر، انفجار البركان بعد طول همود و خمود و انتظار، و تكسر عنق الزجاجة المحبوس فيها ماردها فتطلقه ليزلزل العروش التي أمامه في هذه الرقعة من العالم، و كأنها تلبي النداء الذي ظل يستنهضها و يطلقه  مثقفوها و وطنيوها منذ أمد بعيد؛ فقدمت ما قدمته في سخاء من التضحيات و المعاناة و الشهداء في كل ساحات الوطن العربي، حالمة بالخلاص من أوضاعها المشينة و المهينة، و آمله في بناء أوطان العزة و الكرامة و العدالة و الحرية و التقدم. و لكنها، يا للأسف و يا  للمفاجأة المذهلة، والمفارقة العجيبة، بدلاً من استقبالها بالأحضان و بالزغاريد و الورود من محرضيها الذين دفعوها للثورة و العصيان، إذا بتلك الجماهير الثائرة المضحية بكل غال و نفيس، في نظر ذات المحرضين ” طلائعها الثورية المفترضة ” إذا بها عندهم مجرد دمى و أراجيز في يد الأعداء، و إذا بتلك النضالات العظيمة ، توصم بالخيانات العميلة . فأي تراجيديا هذه و أي ميلودراما مضحكة و مبكية في آن معاً : كيف للجماهير الفقيرة و أصحاب المعاناة الأليمة، الحالمين في أوطانهم بحياة حرة و كريمة، كيف لهم أن يتحولوا في غمضة عين من صفوف الثورة إلى صفوف الثورة المضادة، كيف من كان ظهيراً و نصيراً للحق و العدالة و الحرية، صار خصماً لها و مشايعاً للظلم و القهر و العبودية ؟ و لماذا انقلبت أو قُلبت الحقائق هكذا رأساً على عقب و في لمح البصر ؟، فإذا بمن رجَتْ تلك الجماهير به دفع البلاء، قد جاءها البلاء من قِبَله؛ حين ألصقها مع الأعداء، و اعتبر نضالاتها الوطنية الشريفة مرتبطة بالأجندات الاستعمارية الخبيثة و المخيفة ؛ فانكسرت في أعماقها أي انكسار، و أصيب كبرياؤها في مقتل، حينما عزفت ” طلائعها و قياداتها الوطنية المأمولة ” معزوفة ” هيلاري كلينتون ( في مذكراتها ) ، بأن الربيع العربي، كان مخططاً أمريكياً، لرسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، و لكن ” السيسي البطل !” هو من أفشله حين انقلب على ” مرسي” و حكم الإسلاميين في مصر؛ و غنّت هذه الطلائع، كذلك مع جوقة “موشيه يعالون” وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي قال مقولته المنقوعة بالسم ” بأن الشعوب العربية شعوب غبية ، تلعب من خلالها إسرائيل في المنطقة لعبتها الجهنمية في قتل بعضها البعض ! ” … و عندما انفثأ الغضب، و انطفأ الوهج، لم تجد هذه الشعوب الثائرة أمامها أحداً  من الفرسان الجدد الذي بوسعها أن تستظل تحت رايته و تنقاد لفكره، فاضطربت أحوالها حين رأت سفينتها في الطوفان بلا ربان، و لم تجد نفسها إلا أمام فلول الأمس و رموزه ، كالسيسي في مصر و السبسي في تونس و حفتر في ليبيا و عبد الملك الحوثي أو الهادي في اليمن، و لعبة تبديل بيادق الشطرنج في أقطار عربية أخرى؛ التي يصدق فيها جميعاً بيت الشعر الشهير :
” المستجير بعمر عند كربته …. كالمستجير من الرمضاء بالنار ”
فكان الانهيار الكبير، و السقوط المدوي الذي انحرف بنضالات تلك الشعوب، و أصبحت بالصورة التراجيدية المرعبة التي نراها الآن حادثة في كثير من الأوطان العربية .

 

0 1232 18 أغسطس, 2016 الرابع والسبعون, سياسة أغسطس 18, 2016