قراءة الينابيع في مجموعة نبعة

لـ

 

 

بفضل الأمومة تولد من بين ما لا يحصى من الحيوات الكتب، وهنا يولد كتاب، اضمامة أو مجموعة صغيرة، ٦٤ صفحة من القطع المتوسط، يصب من مبتداه لمنتهاه في أو من الأم، والقارئ موعود برؤية الأم، أميمته، في صورة نصية، ذلك الانعكاس الذي تمتح منه الأمهات في العالم، النبع الذي يتجسد فيهن، فيتشابهن مهما اختلفت الثقافات والأوطان والقارات والجهات، بتلك الميم الحاضنة التي في اسمهن الأُمَمِيّ في كل مكان، نبع الميم. أميمة.

 

تأخذ الشاعرة طفول زهران على عاتقها في إصدارها الأول، أن تسافر بقارئها إلى ذلك النبع، تجعل أمها في حوض النبع، تنصُبُ مرآتها الشعرية أمام الأم والنبع، وتسيل النصوص بانعكاساتها التي تحفظها الكلمات وتتذكر أمها لكنها في نفس الوقت تذكرنا بأمهاتنا: “أول ملامح الكون التي أبصرتها روحي/ أول ضوء انبثق من عيني”. ص٥

 

إذا كانت الشاعرة ستتحدث في قصائدها عن هذا الجذر الأرضي المتمثل في الأم، ولا شيء آخر، فإن علينا التريث، لأن جزءاً منا موجود هناك، في نفس الأمومة، نلتقي في تلك الحالة الحَوَّائية،  الاحتواء والحوي والحاوية الدموية التي أنجبتنا، وبإنجابها أوصلتنا بروح الأرض الغامضة، بالدهشة، وبإمكانية التجربة، للألم، للحزن، للشوق، للبعد، للوجع، وللحب، وكل ما تتيحه الحياة للكائن، وللإنسان من إدراكات، عبر نبع الأمومة جئنا، وهو نفس النبع الذي ينبع من الأرض في كل مكان. نحن ممتنون للنبع، نعيد عبادة الينابيع القديمة في الأمهات مثلما: “لو رآك القدماء/ لكسروا كل أصنامهم/ وعبدوا الله فيك!” ص١٦

 

كيف يمكن للشاعرة أن ترى الأم متخلصة من ذاتها؟ كي ترى الأم يجب أن تخرج من الأم، يجب أن تنفصل عن الأم، أن تغترب، أن توجع الأم وتغضبها جداً وتهدد حياتها بأطراف الموت، إنه الطريق الضيق جداً للقدوم إلى الحياة، والذي لا تكون الولادة فيه إلا عبور ذلك الجسر المعلق بأحشاء الأم:

“لم تعرف الطبيبة أنه كان ميّتاً/ قالت: إنه دافئ/ ليس به برد الموتى ولا زرقتهم./ لكنك تُصرِّين: لا تعذبيه، ولدي ميت./ يختنق صوتك وتغيبين”. ص٤٧

أمام كل ذلك الحمل الذي يكمن ثقله في القلب أكثر من البطن، تقف الأم رابطة الجأش، راغبة بل ومصرة، على تحويل نفسها إلى أرض صغيرة، وإنجاب الأطفال، متحملة تلك المخاطرة بكل تفاصيلها وأوجاعها، وقِمارها الوجودي، فإذا وُلد/ت الابن/ة بخير تأتي الأم بمعجزاتها لتقلب الآية منادية الصغير/ة نفسه/ا ب: “يو أبوي.. يو أمي.. يو جدودي../ يو خليفة عمري.. يو حياتي.. يو نور عيني وضوّها”/ ياااه كم يقتلني صوتك الذي/ يعجز القلب عن استيعاب حنانه”. ص٧

 

تعود الشاعرة بمَركب الحب والاشتياق إلى الأم، تبدأ مجموعتها عن الأم من نهاية  الاغتراب، هناك حيث يكون الاشتياق الجارف موجة مشدودة إلى قوس البحر، حين نلمسها في غربتنا تجرفنا معيدة إيانا إلى المكان الذي جئنا منه، ومن أين جئنا إن لم يكن من رحم الأم؟ هكذا نقرأ:

“أشتاق إلى خجلك الفطري تجاه كل شيء/ حمرة وجهك المباغتة/ التغضن الذي نحتهُ الدمع والزمن حول عينيكِ/ شعرك المموَّجُ المَفرُوق/ الذي يقسم الكون إلى نصفين متساويين”. ص٦

 

هكذا نعرف متأخرين أنه لولا ذلك  الاغتراب عن ذلك الرحم، ما كنا ولدنا، كما لم يكن هذا الكتاب الذي نقرأه قد ولد، ذلك  الاغتراب الذي تنضح به مقاطع من مثل:

“الآن../ فيما تلح على قلبي التفاصيل الشبحية البعيدة والذاكرة/ أحاول مسح الغبار عن ذاكرتي فلا أستطيع/ أعرف أن زجاجها لا شيء سوى ذلك السديم الأبدي الكثيف/ وأنني سأبقى أبداً معلقة هكذا في الفراغ/ في الشك../ لن أهتدي إليك/ ولن أراكِ في أيامي الأولى/ أشتاق إلى تلك التفاصيل/ التي أبقيتها عنوةً بعيدة عني”. ص٦

 

بذلك الاشتياق الجارف، وذلك الغياب القديم الجارح، تبدأ المجموعة بسطر دال، يقلب الآية أو الآنية، كي يعيد تنصيبها من جديد:

“لا أتذكر الكثير عنكِ”. ص٥

 

تبدأ المجموعة من هذا الاعتراف، لا أتذكر الكثير عنكِ، أمي، من هذه الصخرة التي تمت زحزحتها وسقطت أولاً، ليتفجر النبع من بعدها، باضطرام الاشتياق، نار الشوق تشتعل فجأة، وحين تشتعل النار فإنها تفرض خيارين لا ثالث لهما، الماء أو الموت، النبع أو الرماد، الأم أو العدم، هكذا نعود عبر هذه المجموعة للتشبث بالأم، بصبحها والعرق الذي يخضب جبين الأمهات في الصباح رغم البرد وهن وسط رائحة القهوة والهال ص١٣، بكُلها كأم لها ألف صورة ما بين المِجَزِّ والمشط:

“متعددة إلى كل شيء/ أم../ فلاحة../ زوجة../ إبنة../ أخت../ معلمة../ وأشياء كثيرة أخرى لا حصر لها/ حياة بأكملها/ أنتِ لتواضعك، لا تعلمين أنك كل ذلك”. ص١٦

 

بحكاياتها:

“أعيدي الحكايات إلى صناديقها/ كان علينا أن نعتاد عليها/ ولكنك تشحذينها كل مرةٍ كسكين/ يغرينا لمعانُ نصلها”. ص١٨

الحكاية وهي تتحول إلى سكين تغري وتغوي، تحمي وتخيف، مخلصة في العمل ولكنها غادرة، أداة جامدة ولكن الحذر من لسانها على كل لسان، حكاية وسكين في وقت واحد.

 

تعاود المجموعة التشبث بالأم، بصخور النبع، بقِدْر الأم القادر على الإدهاش: “أجمل ما تذوقوا/ منذ اقتطعت لهم شيئاً من روحك”. ص٢١

 

بمشطها الذي، من جديد، وخفيةً، ودون أن ندري يتشابه مع المجز، يُذكر المِشط لكن كل ما يحيط به يذكرنا بالمِجَزّ، والنص بستان وضاحية:

“تعرفك السواقي الممتدة كالشرايين/ يعرفك الطين المخَضَّب به شعر البنات/ تعرفك نخلة الخصاب/ التي تخبئين في جيوب كربها/ المشط الذي يلملم شعرنا الأغبر/ تعرفك اللجل التي يلثم ماؤها الضحل قدميكِ/ كلما حانَ وقت الآس../ تعرفك التفاصيل.. يا سيدة التفاصيل”. ص٢٣

 

ثم في مقاطع متتالية يتناوب علينا مشهد تمشيط الأم شعر الابنة، الإبنة في حِجر الأم وزيوت الشعر بجانبها، والمشط يسترسل في الكلام، تسريح الشعر: “وتدعين الله أن يجعل شعر ابنتك طويلاً فاحماً مسترسلاً كشعر “الهنديَّات””ص٢٤

 

في هذا المشهد يعمد النص ليناوب شعر الأم مع شعر الابنة، الشعر الأسود الصغير بزغبه مع الشعر الأسود الذي (بدأت خيوط الفضة تغزوه) وفجأة يعبق المشهد بعطر ماء ورد الجبل: “ماء الورد الذي ما عاد بوسع بنتك أن تتخيل الجنة/ دون أن يضج كل شيء حولها برائحته”. ص٢٤ “ماء الورد نفسه أصبح الجنة: استحالت الجنة قارورة مترعة بماء ورد الجبل الأخضر”. ص٢٤

 

تتبع بقية النصوص في المجموعة بنفس الحب الطافح والشوق المضطرم وعبادة النبع غراماً لتقبض على العجين وسين النسيج والخياطة، والاغتراب، والوجع الذي أصاب الأم قرب السماء في مدينة الحق: “وبالرغم من أنك/ لم تبرحي الحجر المُسَمَّر أمام مدينة الحق/ لكنك عرفتها كما لم يعرفوها هُم/ ذلك أن الحضارات تجيد قراءة بعضها”. ص٥١

 

ثم نقرأ نصاً أو ندخل في تجربة قرائية داخل مشهد موتى، الأم عنوانه موتاك، عن موت أم الأم، الأم مضاعفة، ومرفوعة بأُسِّ الإنجاب والأجيال، تبدو الأم كما لو أن لها علاقة ما ورائية بقوى الفلك الغامضة التي تسير الأرض والسماء، أن الأم أيضاً ظاهرة فلكية: “أمُك المستلقية في أحد مستشفيات الكويت/ البعيدة عنك.

حين أدركتِ أن روحها تحرَّرت/ كل ما فكرتِ بهِ/ هو تفاصيل الزفاف/ وكيف تُعدينها لبيتها الأبدي.” ص٥٤

“ترقبين أحبتك يسقطون في لُججِهِ تباعاً/ وتقفين أنت ملوّحةً لتلك الرحلة المقدسة”. ص٥٦

 

“بختكم، عندكم أب وأم تحسنوا عليهم/ وأنا يتيمة من أبوي وأمي” ص٥٦

 

ليست مجموعة نبعة الشعرية إلا صهراً نصيّاً بالكتابة لحب الأمهات وقد تحول إلى نصوص شعرية، غاية في العمق والصدق لأنها نصوص اعتذارات آسفة، لم يعد لديها ما تهرب منه، تشتعل وتريد العودة، وهناك في الأم يتمثل الملاذ، النبع من هذا العطش الوجودي، إنها الحاجة إلى النبع من شدة عطش الجحيم: “كلما اجتاحني قلق الوجود اللامبرر/ كلما عصفت بي الحياة فأضعتني/ يكون صوتكِ برداً وسلاماً ينتشلني من جحيمي”. ص٧

 

بذلك الصدق الشعري يستطيع النص أن يصل إلى لحظة مفارقة، إلى أن يرى نفسه في الأم، وأن يرى الأم في نفسه، أن يتماهى مع المرآة، يصبح هو الآخر عاكساً صادقاً للأم:

“تنظرين إليَّ/ تُفكِّرين: هل سأحملك بين جَنبَيَّ حينَ أكبُر؟/ تبتسمين/ فترقص الأساور في معصميك”. ص١٤

0 967 21 أغسطس, 2016 الرابع والسبعون, حداء الروح أغسطس 21, 2016