بين سعود الزدجالي ومعارضيه

لـ

يهدف هذا المقال للحديث عما جرى من أحداث في الأسبوع المنصرم في الساحة الثقافية حيث كتب  سعود الزدجالي مقالا رام منه كشف انتحالات في كتاب خلاصة المنطق لأحمد التمتمي وتبع ذلك بمشاركة في ندوة الكتابة التاريخية حيث ألقى ورقة عن صورة الإمام الأسطورية في كتابات السالمي والحارثي وقد جمع مناوئوه بين الحدثين في قرن واحد وعدوا الأمر مرسوما مع أن التحضير للندوة كان قبل ستة أشهر ولا يعدو الأمر أن يكون متزامنا، لقد ساءني الهجوم العنيف من قبل الإخوة على الزدجالي واتهامه بشتى التهم بل والمطالبة بنفيه من البلد وكأنه طارئ عليها، وليس بعد ذلك شيء من التعصب، إن التعصب داء قديم ترجع جذوره اللغوية والتاريخية إلى عصبة القبيلة حيث كان أفرادها ينصرون عصبتهم وإخوتهم ظالمين أو مظلومين ومن أشهر الأبيات التي توصف هذه الحالة قول الشاعر:

 

لا يسألون أخاهم حين يندبهم# في النائبات على ما قال برهانا

 

فليس هناك سؤال عن المحق والمبطل ما دام النادب من ذات القبيلة والمذهب والمستعدى عليه من مذهب وقبيلة أخرى، إنها جاهلية القرن الواحد والعشرين، إن التعصب للرأي كانت له آثاره الوخيمة على الأمة الإسلامية حيث ينتشر الخوف ويتضعضع الاستقرار وتهدم الديار فهذا ياقوت الحموي يتكلم عن بلدة الري فيقول: “وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها، واتفق أننى اجتزت في خرابها في سنة 617 وأنا منهزم من التتر فرأيت حيطان خرابها قائمة ومنابرها باقية وتزاويق الحيطان بحالها لقرب عهدها بالخراب إلا أنها خاوية على عروشها، فسألت رجلا من عقلائها عن السبب في ذلك فقال: أما السبب فضعيف ولكن الله إذا أراد أمرا بلغه، كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الاقل، وحنيفة وهم الاكثر، وشيعة وهم السواد الاعظم، لان أهل البلد كان نصفهم شيعة وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفيين ولم يكن فيهم من الشافعية أحد، فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتضافر عليهم الحنيفية والشافعية وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف، فلما أفنونم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية هذا مع قلة عدد الشافعية إلا أن الله نصرهم عليهم، وكان أهل الرستاق، وهم حنيفة، يجيئون إلى البلد باسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم فلم يغنهم ذلك شيئا حتى أفنوهم، فهذه المحال الخراب التى ترى هي محال الشيعة والحنفية”، هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة مرت على الأمة الإسلامية ولا زالت تتجرع اليوم الغصص من هذا التعصب، وأوربا وحرب الثلاثين عاما بدأت دينية بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهت سياسية وتفانوا ودقوا بينهم عطر منشم حتى فقدت ألمانيا لوحدها أكثر من ربع سكانها، ولو عدنا لحادثة الأسبوع الماضي لوجدنا أن هناك تعصبا للمذهب الإباضي وكأنه فوق النقد والمحاكمة مع أنه مذهب كغيره من المذاهب وله تراث يعتبر إرثا إنسانيا للجميع الحق في الحديث عنه ونقده، لكن ماذا تفعل إن كان بعض أتباعه يظنون أنه الحق الذي لا مرية فيه وأنه فوق النقد فإن نقده أحد من الداخل تبرأوا منه كما فعل سماحته عندما أخرج من يسميهم بالعقلانيين من المذهب في كتابه الحقيقة الدامغة متأسيا بشيخ المذهب أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عندما كان يطرد ابن عبدالعزيز وأصحابه من مجلسه، فإذا كان النقد من داخل الدولة و خارج المذهب- وهنا أقصد النقد البناء- كان الهجوم أشرس وأعنف إذ يتجاوز حدود التكفير والتفسيق إلى استعداء الدولة بل و المطالبة بالنفي أحيانا، إن الناظر من بعيد للمشهد يتراءى له حجم التعصب والتطرف وإن تبجح الجميع بدعوى التسامح وإنما حالهم كحال المثل العامي الذي يقول” عندما تقترب من الضرع تُرفس”  ومعنى المثل أنك ما دمت بعيدا فدعاوى الكرم والبذل في سبل المعروف كثيرة ولكن عندما تقترب من حلب شيء من الضرع وإرادة شيء من المعروف فإن المدعي يرفسك ويحرمك كما ترفس البقرة من أراد الحلب، هكذا هي دعاوى التسامح هي دعاوى ما لم تقم عليها بينات فأصحابها أدعياء، وليت شرعي كيف يكون هناك تسامح ونحن نسمي أنفسنا بمذهب أهل الحق والاستقامة ونحتكر هذا الحق بل ونتبرأ ممن خالفنا واعتقد غير معتقدنا، وقد كنت أيام طلب العلم بمعهد العلوم الشرعية ندرس الاختلافات العقائدية والفقهية ولم أسمع اساتذتنا يقولون هذا هو الحق، ثم مرت السنين وشاء الله أن انظر في مناهج المعهد بعد أن صار كلية فرأيت من تخطئة الآخر والتحيز للمذهب ما تقضى عجبي منه هذا ونحن نقول بأننا ندرس العقيدة والفقه المقارن، وبين أروقة المعهد مختلف المذاهب، إنه وسواس الفرقة الناجية كما يقول الإدريسي للأسف، وعندما نربي الطالب على أن مذهبه هو الحق الذي لا مرية فيه ينتج من ذلك حقد وكراهية للمختلف معه لأنه لا يطيق أن يراه ضالا ينشر بدعته ولا يستطيع أن يقنع نفسه أن هذا المختلف معي فكريا أخ لي في الدين أو نظير لي في الخلق بل هو من أهل البراءة والبغضاء وإن كنا من بطن واحد، ثم ما يلبث هذا الشعور يسري في النفس اي شعور الحقد والنفور من المختلف حتى يولد ظلما للآخر تتعدد طرق هذا الظلم بحسب قدرة الظالم وسطوته.

وإنه لمن الصعب على المرء أن يقف على الحياد وخاصة في القضايا التي تمس الأمن المجتمعي وتثير ضجة في الشارع وتنقسم حولها الآراء وتتجاذبها الأهواء، إن الواجب على المثقف أن يبدي رأيه ويسجل موقفه لأن السلبية لا تعني أكثر من أن يدع المجال لمن هو ممتلئ بالأمراض المذهبية والعلل الطائفية والعاهات المناطقية، إنك لتنظر للأحداث من حولك فيتملكك العجب من غياب الحس الإنساني وكأننا لابد أن نبقى كما كان أسلافنا يعيشون في قوقعة ضيقة تارة باسم المذهب وأخرى بسبب الدين وثالثة بسبب المكان، لم نفق بعد من سكرة التاريخ وسجن الماضي، لم نتحرر بعد من الأدلجات التي تقيد تفكيرنا وتدعنا نسرح بخيالنا الجامح إلى آفاق بعيدة إلى قمم لم تطأها الأقدام، لقد فضلنا السير على الآثار وتركنا للرمم البالية مصيرنا تسيرنا حيث لا مسير إلا للوراء، ولم تتطور اوربا إلا عندما نفضت عن نفسها غبار التاريخ، عندما حاكمت المسلمات، عندما اعتبرت التراث تراثا ينبغي درسه لا غرسه، ونقده لا تركه، إننا للأسف وضعنا أسوارا وحجبا على الماضي ولم نجعل كوة للعقل لينظر من خلالها لتراثه ولم نحم هذا العقل من حراس المقابر على حد تعبير القمني، فإذا ما واتت أحدنا الشجاعة لنبش الماضي وجد التهم المعلبة في انتظاره واستعداء المجتمع بطوائفه المختلفة في استقباله، والسعي للزج بالسلطة السياسية في الصراع القائم أمر لازم، وهنا يحار المفكر أين يذهب وكيف يتكلم والأقفال في فمه والأغلال في يده ، ولا تزال الفكرة في رأسه تمور وتمور وتلح عليه إلحاح السائل الملهوف، فإذا لم يتكلم بقي يتجرع غصص واجب القول وشرف الكلمة، وإن تكلم لاقى من ازدراء المجتمع وبطش السلطة ما يدعه يفكر ألف مرة في الحديث من عدمه، وما حدث الأسبوع الماضي من لغط يشي بأنّ الروح لا تزال تسرح في الجاهلية وتغوص في أوحال الطائفية وتتمرغ في أدناس القبلية التي حاولت الدولة جاهدة للتخفيف من وطأتها والتقليل من حدتها، لم تكن قضية سعود مع مناوئيه إلا إشارة إلى هناك جمرا تحت الرماد يوشك أن يكون له ضرام وأن التبجح بالتسامح ليس أكثر من قشرة رمل ملساء على  حجر صلد  لا ينزل عليها مطر النقد ولا تهب عليها ريحه حتى تتكشف عن تعصب ممجوج ومعوج، ولا حل إلا بتربية النشء على النقد والشجاعة على الاختلاف وان الاختلاف محمود والخلاف مذموم وأن رداء الإنسانية يسع الجميع بلا استثناء ولا بد من إعادة صياغة المناهج وخاصة الشرعية لتبنى على اتساع افق الحقيقة لا حصرها والنظر لتعدد الآراء على أنه مكسب وثروة وفيه من السعة ما لا تضيق به الأرجاء، وعندما ندع التسمي بالمسميات التي ما اورثتنا إلا الضغائن ونتسمى باسم الانسان وننظر للآخر بأنه شريك في الحياة له حرمته واحترامه فإننا نرسو فعلا على جبال شوامخ من التسامح ليست بشقشقات لسان ودعاوى زيف.

Hamedmo7979@ gmail.com

0 4857 06 سبتمبر, 2016 الخامس والسبعون, ثقافة وفكر سبتمبر 6, 2016