نشوة الرأس والتفسير العلمي خلفها 

لـ

*نشر بيت إيتيليس هذا المقال في جريدة الجارديان البريطانية بتاريخ 8.6.2016.

 

الـ ASMR هو اختصار لمصطلح علمي يُدعى: الاستجابة الحسية الزوالية الذاتية (Autonomous Sensory Meridian Response). أمّا العامة فيعرفونه باسم “نشوة الرأس”. ولكن ماذا تقول الأبحاث العلمية عن هذه الظاهرة؟

تعتبر هذه الظاهرة إحدى الظواهر المثيرة للفضول، ويصفها من يصاب بها كثيراً بأنها إحساس بوخز مريح خلف الرأس أو الرقبة. ولا تقتصر على هذه الأماكن، فهي قد تلامس أماكن أخرى من الجسم. وينتج هذا الشعور إثر التعرض لمحفز حسيّ. لكن خلال السنوات القليلة الماضية تكوّنت مجموعات على الإنترنت ترى محفزاً في مقاطع معينة على موقع يوتيوب. وقد أنتجت الجارديان مؤخراً فيديو يرصد الشعبية المتزايدة لهذه المقاطع، وهو يستحق المتابعة للتعرف على هذه الظاهرة عن قرب. غير أنني شعرت أن هذا الفيديو سيكون أكثر إثارة لو احتوى على شرح علمي، بيد أن الأبحاث العلمية في هذا المجال ما تزال شحيحة جداً، فحتى اليوم لا توجد سوى ورقة علمية واحدة حولها.

في مارس الماضي قامت طالبة دراسات عليا في جامعة سوانزي تدعى إيما بارات بالتعاون مع الدكتور نيك ديفيس، الذي كان حينها محاضراً بذات الجامعة، بنشر نتائج استبيان شمل 500 من الشغوفين بالظاهرة. ويقول الدكتور نيك ديفيس الذي يعمل حالياً بجامعة مانشستر ميتروبوليتان: “هذه الظاهرة تشغلني كثيراً كعالم نفس؛ لأنها ظاهرة تحمل شيئاً من الغرابة، فمن شعروا بها يصعب عليهم وصف شعورهم، وهذا أمر غريب حيث أنه من المعروف أنّ الإنسان يجيد وصف مايشعر به، خاصة إن لامس الجانب الجسدي. ولهذا رغبنا في معرفة إن كان جميع الشغوفين بمقاطع الـ  ASMR قد اختبروا ذات الشعور؟ وهل جميعهم يتأثرون بذات المحفزات؟

تتضمن الدراسة أسئلة متعددة، مثل متى وأين ولماذا يشاهدون هذه النوعية من المقاطع؟ أو هل يعتقدون بوجود رابط مشترك في المحتوى المصور يجعله محفزاً لهذا الشعور؟ وهل يعتقدون أن هذه المقاطع تؤثر على مزاجهم؟ جاءت النتائج لصالح وجود عناصر مشتركة ملحوظة في المحتوى، حيث أن معظم المشاركين تحفزهم الأصوات الهامسة، تليها المقاطع التي يظهر فيها نوع من التركيز الشخصي والاستغراق في عمل ما، وكذلك بعض الأصوات الصادرة عن الأجسام الصلبة كالخشخشة، والأصوات الصادرة عن الحركة البطيئة للأشياء. وفي الغالب يقول المشاركون أنهم يشاهدون هذه المقاطع لتساعدهم على  الاسترخاء أو النوم أو تخفيف التوتر. غير أن 5% فقط من المشاركين قالوا أنهم يستخدمون هذه المقاطع لأغراض التحفيز الجنسي، وهذا يناقض الفكرة المأخوذة عن هذه المقاطع لدى معظم الناس. وتوضح بارات هذا الأمر بقولها: “يُلاحظ أن هناك عدداً كبيراً من الناس يشاهدون مقاطعاً بمجرد وجود أنثى جذابة، وهذا الأمر ينفي ما عُرف في السابق عن هذه المقاطع وارتباطها بتأثيرات جنسية صريحة (حيث وجود أنثى جذابة لافت للنظر لأي مقطع مصور وليس حصراً على هذه المقاطع). ونأمل أن تنفي الدراسةُ، التي نقوم بها، هذه الفكرة”. ويضيف الدكتور ديفيس: “يجب أن نفرّق بين شعور أعداد كبيرة من الناس بالإثارة لدى سماعهم الأصوات الهامسة، وبين التأثير الفعلي للمحفز الجنسي. فالأولى مرتبطة بالشعور بالحميمية مع شخص ما دون اتصال جنسي مباشر، بينما الأخرى مرتبطة بالآثار الجنسية المادية. ومن هذا المنطلق فإن عدداً لا يذكر من الناس يجدون في هذه المقاطع ما يحفزهم جنسياً، أمّا الغالبية العظمى فترى فيها ما يساعدهم على الاسترخاء والانسجام والتأثر الكبير بما يفعله الآخر في هذه المقاطع”.

ولكن لماذا تجاهلت الأبحاث النفسية هذه الظاهرة على الرغم من شعبية هذه المقاطع لدى الناس؟ لعل هذا يعود لأسباب عديدة، أهمّها: أن مشاهدة هذه المقاطع يظل تجربة شخصية جداً تحمل درجة عالية من الخصوصية، الأمر الذي أدى إلى ندرة ذكر هذه التجربة في الحوارات والأحاديث العامة. أضف إلى ذلك صعوبة وصف الشعور الناتج عن هذه المقاطع، وهذا بدوره قد يفسر غياب مصطلح لهذه المقاطع حتى العام 2010 حينما أُطْلقَ عليها ASMR. تقول بارات: “قبل ظهور شعبيتها على الإنترنت، سمعت أشخاصاً يتحدثون عن الـ ASMR ويعتقدون أن أحداً لم يشعر بهذا الشعور غيرهم. ولعل غياب دليل يثبت تعرض هذا العدد الكبير من الناس لهذا النوع من الشعور يفسّر عدم الالتفات لدراسته أو الكتابة عنه. تماماً كما حصل في الماضي حينما تم تجاهل وقوف شعر الجسم جراء التعرض لقشعريرة سواء نتيجة الخوف أو البرد أو الحماس المفرط”.

ولا ترى بارات وديفيس أن الدراسة التي يقومان بها تفسر الظاهرة بشكل كامل، ولكن يعتبرانها خطوة أولى قد تثير شغف الباحثين لدراسة الظاهرة بشكل أعمق. يقول ديفيس: “نأمل أن يكون عملنا بمثابة منصة لأعمال أكثر عمقاً وجدية في المستقبل، ولكننا حالياً نرى عملنا كنقطة انطلاقة لا أكثر”.

أما المرحلة القادمة في هذا المقال فهي البحث عن الجذور النفسية الباعثة والمسببة لهذا الشعور. وعن هذا تحدثتُ إلى كلّ من الدكتورة إيما بلاكي وجوليا بيوريو وتوم هوستلر وتريزا فيلتري، وهم طلاب دراسات عليا بجامعة شفيلد، الذين سيصبحون بعد تخرجهم الجيل الجديد من الباحثين المتخصصين في ظاهرة الـ ASMR. تعكف هذه المجموعة حالياً على دراسة تستهدف الأشخاص الذين يتأثرون بمقاطع الـ ASMR، وهل هذا التأثر النفسي له تبعات فزيولوجية يمكن قياسها، مثل: تغيّر معدل ضربات القلب، أو تغيّر معدل التنفس، أو أية آثار جلدية. يقول الباحثون: “أحد الأهداف الرئيسية لهذه الدراسة هو لفت الانتباه لظاهرة الـ ASMR، وإثبات أنّها موضوع مهم، كما أنه قابل للدراسة العلمية”. والجدير بالذكر أن ثلاثة من أصل هذه المجموعة المكونة من أربعة أشخاص يعرفون شعور الـ  ASMR وهم (إيما وجوليا وتوم). أما الدراسة التي يعملون عليها الآن فلا تزال في مراحلها الأولى، حيث أنهم انتهوا مؤخراً من عملية جمع البيانات. ويعتقد الفريق أن التنوع الكبير في تجارب من يشعرون بالـ ASMR  هو عنصر إشكالي وبالغ التأثير في بحثهم. ومن هنا بدأنا نفكر كيف نبدأ بتقصي هذه الظاهرة منطلقين من أبسط الأساسيات كالسؤال: ماذا يتطلب لتقنع شخصاً لم يختبر شعور الـ ASMR   بأن هذا الشعور موجود، وهو شعور حقيقي يشعر به بعض الناس؟” يوضح الفريق السبب وراء هذا النوع من الأسئلة قائلين: ” زميلتنا تريزا–على سبيل المثال- لم تختبر هذا الشعور وتحمل شكاً حيال وجوده، وهذا الشك يثري فريقنا البحثي، كما يسهم في مساءلة المنهج الذي اعتمدناه من وجهة نظر غير المجربين لشعور الـ ASMR.

فمع الأخذ بعين الاعتبار سوء الفهم والأفكار المغلوطة حول هذا الشعور، فإن جرعة الشك هذه مهمةٌ للأبحاث المستقبلية في هذا الحقل. وفي سياق الحديث مع فريق جامعة شفيلد ذكروا أن بعضاً من الشغوفين بمقاطع الـ ASMR يستخدمونها للعلاج، حيث يشاهد كثير منهم هذه المقاطع للمساعدة في التخفيف من أعراض الأرق والقلق والاكتئاب. وهذا يرجع بنا إلى استبيان بارات وديفيس المذكور في مقدمة هذا المقال، حيث أظهرت النتائج أن 69% من المصابين بحالات الاكتئاب التي تتدرج بين المتوسطة والحادة يلجأون إلى مقاطع الـ ASMR للتخفيف من أعراض ما يعانون منه. كما أن هؤلاء يشعرون بتحسن كبير في مزاجهم بعد مشاهدة هذه المقاطع أكثر من الذين لا يعانون من الاكتئاب. ولكن هذه النتائج لا تتعدى كونها انطباعات شخصية، ويتطلب الأمر بحثاً أعمق لنتمكن من تأكيد وجود نتائج علاجية لهذه المقاطع.

ويضيف الفريق: “عند إجراء مثل هذه الدراسات ينبغي أن نوازن بحذر بين المنهج الشكي وبين الانفتاح على هذه الظاهرة”. كما يعبّر الفريق عن خشيتهم من أمور أخرى بقولهم: “نخشى أن يتلقف هذه المقاطع من يتاجر بها في سبيل التسويق للعلوم الكاذبة أو الدجل بتقديمها كمقاطع تساعد على العلاج الذهني دون أية أدلة تثبت هذه الادعاءات، وهذا بدوره قد يساهم بغير قصد في تشويه سمعة أي بحث جاد حول هذه الظاهرة. وقد بدأنا بالفعل بمصادفة مثل هذه الادعاءات، فخلال هذا الأسبوع أجرت صحيفة الديلي ميل مقابلة مع أحد المنتجين لمقاطع الـ ASMR تدعى لاورين أوستروديسكي فينتون التي  ادّعت أن هرمون أوكسيتوسين هو المسبب للشعور الناتج من مشاهدة مقاطع الـ ASMR. كما قامت بالإشارة لهذا الهرمون بأسماء عدة، مثل هرمون العناق وهرمون السعادة. وكل هذه الادعاءات لا يسندها أي دليل علمي يثبت مسؤولية هرمون الأوكسيتوسين عن الشعور بالـ ASMR، فضلاً عن الادعاء بأن هذا الهرمون هو هرمون العناق هو ادعاء ضعيف، ولا يستند عليه.

وعلى الرغم مما يجري فإن القائمين على الأبحاث الجادة حول ظاهرة الـ ASMR متفائلون بما سيحمله المستقبل. كما أنهم يبشرون بأن الورقة البحثية الأولى التي نُشرت  حول هذه الظاهرة اتبعت نهج  انفتاح العلوم وكسر احتكارها. وعن هذا الأمر يقول ديفيس: “يمر علم النفس حالياً بمرحلة تغيير مهمة تجعلنا نعيد النظر في مدى كفاءة أدواتنا البحثية، وإلى أي مدى يمكن الاعتماد عليها وعلى نتائجها. كما أني لا أرى أن البحث في هذا المجال يختلف عن البحوث النفسية الأخرى. ومن منطلق رغبتنا في جعل عملنا متاحاً للجميع، قمنا مؤخراً بإتاحة تصفح قوائم البيانات التي جمعناها عبر الإنترنت. وندعو الناس للاطلاع عليها، وإبلاغنا عن الأمور التي قد يظنون أننا تغاضينا عنها أثناء البحث. وإضافة، ندرك أنّ خطوة الانفتاح ومشاركة الناس في البحث لن تحل جميع مشاكل البحوث النفسية، ولكن نعتقد أنها خطوة جيدة”.

 

*رابط المقال:

https://www.theguardian.com/science/head-quarters/2016/jan/08/asmr-and-head-orgasms-whats-the-science-behind-it

 

  • مترجمة المقال للغة العربية وأحد المتابعين لمقاطع ال ASMR.
0 1704 11 أكتوبر, 2016 الثامن والسبعون, ثقافة وفكر أكتوبر 11, 2016