رواية الباغ

لـ

 

-١-

تخوض…

 

أردفها وراءه وربط حبلا من الليف حول خاصرتيهما فصارا واحدا.

السماء فوقهما غيمة فوق غيمة والعصر ظلام، ثيابهما ملتصقة بجسديهما من شدة البلل.

 

قال لها والوادي سيل جارف: «نخوض، ويا نوصل رباعة يا يشلنا الوادي رباعة».

 

لم تقل شيئا ولفت ذراعيها النحيلتين حول جسده بقوة.

الماء غضب.

أخذت الناقة تخور تحتهما والناس تصرخ بهما:

 

«عودا»

 

لكن راشدا لا يعود عن رأي عزم عليه.

الماء يرتفع، يكاد يغطي قوائم الناقة ويلامس قدمي ريّا فترفعهما قليلا، ناقة راشد تمضي غير مكترثة، ناقته في مثل عناده.

 

متشبثة به، وجهها مدفون في ظهره، تتجنب رؤية الماء المتدافع نحوهما، الماء الصاعد إليهما، تتجنب فكرة أن يأخذهما في طريقه إلى البحر، تتجنب فكرة الغرق.

من لريّا غيره؟

قال لها سنخرج من البلاد فخرجا.

علّق بندقية (البوعشر) التي كان يتكئ عليها على كتفه وخرج.

 

جمعت ما يملكان من تمر وقهوة ولفّت ثيابها على مصحفها، ربطت صرتها بثلاث عقد، وتمتمت بالدعاء، ونفثت فيها حتى لا تضيع، لبست شيلتها، وانتظرته عند الباب ليجهّز ناقته، ويدسّ متاعهما القليل في الخرج.

قالت له:

 

– المطر قوي، يمكن الوادي هابط.

 

 

– نميصة أمها خواضة، وبنت الخواضة تخوض.

 

وصلا عند الوادي، فجفلت الناقة، لكنه شدّ عليها، وأدخلها الماء، والناس تصيح: يا راشد رد جنونك.

أصبحا في وسط الماء، ولم يعد للخوف معنى، التيار يتقاذفهما والراحلة.

 

وصل الماء إلى السنام، فالتصقت به ريّا أكثر، وراشد يسوم ناقته، ويضغط على ضامرتها بفخذيه، يشد خطامها، ويوجه رأسها صوب الضفة الأخرى من الوادي، ضفة المبتغى والنجاة.

صرخ راشد بناقته: يا بنت الخواضة خوضي.

الناقة مترددة وعاجزة، هو يصرخ بها، وهي تحته تخور.

الناس على الضفتين تصرخ، ومغالبة الماء تكاد تنهكه، وقلب ريّا معلق بين الأمل والرجاء.

قالت: يا الله…

ثم همست تردّد آيات من السبع المنجيات كما علّمها أبوها بعد خروجه من أربعين خلوته الأخيرة، قال لها: الله قاضي الحاجات لا يرد طلبا لعبده إن أحسن النية والقول.

ظلت تردد آياتها المنجية، قلبها في كل كلمة والله لطيف بالعباد.

خف تدافع الوادي برهة، فعبروا إلى الضفة الأخرى ونجيا.

كبّر الناس فرحا بنجاتهما، لكن راشدا لم يلتفت إلى فرحهم، بل نخس ناقته فخبت.

عند أطراف البلدة، قالت له:

– الناقة تعبانة، خلنا نبات هنا.

– بلادٍ ما ترد الظلم عن أولادها ما نبات فيها ليلة.

مضيا حتى خرجا من حدود البلاد فأناخ الناقة عند سدرة على ضفة (وادي الصرم) وفكّ الحبل عن خاصرتيهما.

تقاسما بعض ما حملته من زاد، ثم سألها عمّا همست به في تمتماتها للوادي فأنكرت لكن نظراته الطويلة الفاحصة لم تترك لها بدّا من الإجابة:

– أبوي علمني…

قاطعها:

– أنت علمش القرآن، وقصص الأولين، والأدعية، وأنا ما علمني شيء غير الكد في النخيل.

– كل واحد وقدرته.

حدجها بنظرة فيها غضب:

– وأنا ما أقدر على الظلم والمهانة.

– أعرف.

– زين، ما علمش أبونا أن النبي خرج عن القرية الظالم أهلها؟

– هيه علمني، وعلمني أن الظلم في كل مكان، أول وتوّ.

– وباكر. لكن بلادٍ أنت غريبٍ فيها ظلمها غير، لا أهلها أهلك ولا ناسها ناسك، ظلم الغريب ما يوجع كما ظلم الأخ والعم وابن العم.

– وهين بنسير؟

– مسقط، بنسير مسقط، يقولوا هناك رزق.

– مسقط بعيدة…

ثم أردفت بتردد:

– ويقولوا أهلها ظُلاَّم.

– أهلها ما أهلنا. لكن لا تقولي حال حد ظلمنا أهلنا وغدروا بنا، لا تقولي تركنا السراير من مهانة وظلم. قولي هَبَّطنا الجوع. البلاد كلها تجوع، بس لا تقولي هِنّا على أهلنا. تراها الناس في هذه البلاد ما تعرف إلا القوي الجبار.

 

 

 

-٢-

 

أخته تحاذيه في المشي، وهو يصعد بناقته دروب الجبال الوعرة ثم يهبط بها إلى منحدرات الوديان.

يجتازان السيوح، يقيلان أحيانا تحت شجر السمر المنتشر فيها، يقفان إذا ما صادفهما ماء ولو قليل، يشربان ويغتسلان ويتوضآن للصلاة ثم يجلسان ليأكلا من القليل الذي أحضراه ثم يكملان طريقهما.

وصلا مشارف مسقط فجر اليوم العاشر.

تجاوزا الوطية، ودخلا من بوابة العشور عند السد، فتش العسكر راحلتهما فلم يجدوا ما يأخذوه ضريبة.

دخلا روي، فوجداها أرض زراعة وخصب، أحب راشد زرعها وخضرتها، لكنها ليست مقصده.

 

سأل رجلا يمشي بين المزارع عن درب مسقط فأشار الرجل إلى جهة الشمال الشرقي، وشرح له أن الدرب سيأخذهما إلى بيت الفلج ثم إلى مطرح أولا ثم يعبران منها إلى مسقط.

سارا باتجاه بيت الفلج وقلعته، متشوقا لرؤية مطرح التي سمع عنها في مجالس الرجال، حيث يقال أن منها تُحْمَل الخيول، والتمر، والليمون المجفف، والغليون إلى البصرة، والهند، مطرح التي تؤاخي مسقط في الفساد كما ورث عن أسلافه: «ومن أراد دينَه أن يُطرحافليسكنن مسكدا أو مطرحا».

 

 

هش أسلافه بشيء من الغضب، وأكمل سيره، ولم يتوقف إلا لقضاء حاجة أو لاغتسال عند ماء أو لتناول الطعام تحت ظل غافة.

مرا بقلعة بيت الفلج، لفته بناؤها، وأعجب بأبراجها، وتحصيناتها، رأى الجند في زيهم العسكري الذي لا يشبه ما يلبسه عسكر الوالي وحراس البوابات؛ قبعاتهم الحمراء المصنوعة من اللبد، وبناطيلهم القصيرة التي لا تكاد تغطي الركبة، والبنادق على أكتافهم، بنادقهم التي لا تشبه بندقيته البوعشر التي في خرج راحلته.

 

رأى المدافع تحرس أبراج القلعة وبوابتها، وسيارات اللاندروفر والبدفورد تصطف على جانبيها.

أعجبته وقفة الجنود الثابتة، لا يحرك ساكنهم شيء، ولا يحني رؤوسهم عبور الظلال.

أكملا طريقهما إلى مطرح، أمامهما منبسط أجرد تحيط به الجبال، لم يصادفا فيه خضرة أو نخلا إلا بعض شجيرات السمر المتفرقة، وأكمات الأعشاب اليابسة.

 

واصلا مشيهما حتى رأيا البحر. بدا لهما من البعيد كخيط من الفضة ثم تحول تدريجيا إلى مرآة يتراقص زئبقها تحت الشمس.

في كل خطوة يمشيانها في اتجاهه كان البحر يصبح أكثر زرقة، وخط الأفق أكثر وضوحا، والسماء تنفصل عن صورتها في البحر.

 

لم يريا البحر قبل ذلك وها هو الآن أمامهما؛ وفرة في الماء، ووعود كثيرة.

أخذته صورة البحر فتوقف راشد في مكانه.

أناخ راحلته فهبطت ريّا عنها، وقفا طويلا على ذلك المرتفع، مشدوهين، يتأملان ما سمعا عنه من أفواه القادمين من مسقط أو أولئك العائدين من بحر الباطنة، أولئك الذين اقتربوا من البحر بما فيه الكفاية لكن لم يجرؤا على ركوبه، أو أولئك الذين تعودوا ثبات الصخر فلم يفهموا حال البحر، وتلوناته، وشروطه، وتقلباته.

سمع أباه يردد أكثر من مرة أن البحر هوى، من ركبه لا يرجع عنه، ومن يدخله لا يشفى منه، ومن يسافر فيه تندر عودته.

أبوه رأى البحر وإن لم يركبه، زار صحار رسولا من الإمام إلى واليها لكنه لم يهبط مطرح أبدا.

لمطرح ومسقط سمعة سيئة، أرض جور وفساد، كانوا يقولون ذلك في المجالس ويرددونه في الأشعار، حكامها ظُلاّم، هادنوا الإنجليز، ووقّعوا معهم المعاهدات، وأدخلوهم البلاد، نسوا ما فعله البرتغاليون بهم من قبل، وقبلوا أن يطأ أرضهم الكفار ثانية.

هذا هو البحر إذن، طريق الماء المجبول على الوعد والنكث.

قال راشد: «نبات هنا الليلة، وباكر ندخل مطرح، ونسأل عن الدرب ».

حضر القهوة على نار أشعلها في حطب السمر، وأخرجت ريّا ما تبقى من التمر ليأكلاه، كان ذلك عشاءهما.

توسّد بندقيته ويده ككل ليلة على الخنجر في محزمه، ريّا ليست بعيدة عنه، يسمع صوت تنفسها الخفيف فيطمئن، يفكر في مسقط الذاهب إليها دون معرفة أو معارف، يقلقه ما لا يعرف، لكن ما فائدة ما عرف، ومن عرف إن كان لا شيء يبدو على حقيقته.

هبت نسمة خفيفة فسمع صوت مرورها بين الشجر، حفيف خفيف، ثم سمع صفق أجنحة بومة طارت، نباح كلب، وتدحرج حصى.

الأصوات واضحة وكأنها تحدث خلفه أو أمامه مباشرة، يخطر في باله أن الليل وسكون السيح يشحذ الحواس فتتضخم الأصوات فيه، ويحضر الخوف.

في السيح أنت وحدك، وكائنات الله الساعية لأرزاقها مثلك، لا تغفل عنها فتغفل عن روحك، لا تحمل همها كثيرا، ولكن كن دائما على استعداد لمواجهتها.

لكن ممَ يخاف؟ ما عاد هناك ما يخيفه بعد اليوم، لا الوحوش، ولا الناس، ولا الشيطان نفسه إن حضر بإمكانه إخافته. ثم رأى الشيطان في صورة عمه، فبصق في وجهه، وأستعاذ بالله منه ثم انقلب على جنبه الآخر، وأغمض عينيه ونام.

قبيل الفجر أيقظه عواء ذئب يتردد في شقوق الجبال البعيدة فقام.

السماء مازالت مظلمة، وإن اختفت منها معظم النجوم التي كانت ثقوبا صغيرة لامعة في عتمة الليل قبل أن يضع رأسه على الحصى، ويغمض عينيه، وينام.

تأتيه الأصوات من كل مكان، وكأن الأرض تستيقظ كلها دفعة واحدة، الذئاب، والزواحف، والشجر، والطير، والحصى، كلها تنهض معا.

نهس كتف أخته برفق فاستيقظت.

توضآ دون ماء وصليا دون قِبلة، «الأرض كلها لله» تقول ريّا «فولِّ وجهك إلى الذي لا يغفل، ولا ينام».

سرى راشد بأخته، ووصلا بلاداً بها خلق كثير لا يكفون عن الحركة، والصراخ، والكلام. أصواتهم عالية وفي صراخهم المستمر ما لا يفهمه، سأل فقيل له: هذه مطرح! وهؤلاء التجار يأتونها من كل مكان، سأل عابرا عن البوابة، فقال له: هي أمامكم فامشيا. مشيا أكثر فوجدا بوابة مطرح، وعلى جانبيها خيام كثيرة، وبيوت من طين.

الرطوبة عالية، والهواء ثقيل، والوسخ ينتشر في المكان، والرائحة نتنة لا تطاق.

أراد راشد أن يدخلا من البوابة دون أن ينزلا من على الناقة فلم يسمح له العسكري بالدخول، اعترضهم ببندقيته، فتراجع راشد بالناقة إلى الوراء قليلا، وأناخها على جانب الطريق، ثم هبط عنها، وتقدم من العسكري، أخبره أنهم يقصدون مسقط، قاطعه العسكري الذي يتكلم بلهجة أهل حجور الباطنة، وأشار إلى مكان بمحاذاة الباب دقت فيه أوتاد على الأرض، وربطت فيه نوق كثيرة وخيول، وأمره أن يربطها هناك، أبلغه أن القانون لا يسمح بدخول النوق والخيول إلى مطرح ومسقط، وأن عليه أن يدخل من البوابة راجلا أو أن يكتري حمارا.

عاد إلى أخته التي هبطت هي أيضا عن الناقة، ووقفت إلى جانبها، وأبلغها بكلام العسكري.

كانت “نميصة” بينهما، وهما مطرقان يفكران في حل، فأشارت عليه ببيعها خوفا من غدر اللصوص أو الحراس.

لم يقبل راشد كلامها حتى نظرت في عينيه بعينين ذابلتين أوهاهما طول الطريق ومشقته، كان يعرف ذلك، يعرف أن ما تقوله ريّا صحيح، ويعرف أنه لن يعود إلى “نميصة” قريبا، يعرف أن لا حل أمامه إلا التخلي عنها، يعرف ذلك ويفهمه جيدا، لكن تخليه عن “نميصة” يكوي قلبه.

مسح على بدن ناقته، وعنقها، ونظر في عينيها طويلا، وكأنه يستسمحها، رأى حزنه في عينيها، وحزنها في عينيه، فأشاح بوجهه، وأخذ خطامها، وذهب بها.

باعها لتاجر من صحم، كان واقفا في أول السوق ينادي على بضاعته من الليمون المجفف.

 

سلمه الرجل مئتي قرش، بخسه ثمن نميصة، واستغل حاجته، يعرف راشد ذلك لكنه لا يغضب، ما لنميصة عنده من ثمن، تركها وراءه بغصة كما ترك السراير من قبل، ما نفع راحلة بلا بلاد يعود إليها.

عبرا البوابة صامتين، مشيا وسط السوق فبدا لهما وكأنه مجرى وادٍ، الدكاكين الكثيرة تصطف على جانبيه، مرتفعة بدرجتين أو ثلاث عن الأرض، تعرض بضائع متنوعة من أقمشة، وتوابل، وحبوب، يبدو المكان ملونا وإن غطته طبقة من غبار خفيف، يطوف في المكان رجال يصبون القهوة للعابرين مقابل آنات.

لم يتوقف راشد لشرب القهوة، ولم تلفت البضائع انتباه ريّا، استمرا في المشي صامتين دون أن يلتفتا، تشغله نميصة، ويشغلها حزنه.

الهواء ثقيل وريّا تشعر بالدوار، تزداد الرائحة النتنة التي شمتها عند البوابة حدة، فتغطي أنفها بطرف شيلتها لتحجبها، ولتشم منها رائحة الورد الذي كانت قد عطرتها به قبل خروجهم من البيت.

أدهشهما أهل مطرح في اختلافهم، وتباينهم في الألوان، خليط من السحنات، والملابس، ويتكلمون لغات كثيرة لا يفهمانها، ولم يسمعاها من قبل، همست ريّا لأخيها «من كل فج عميق»، هز رأسه موافقا، وأكملا طريقهما.

في كل خطوة يمشيانها تزداد حدة الرائحة، وريّا تكاد أن تفرغ ما في جوفها فتحكم تغطية أنفها بطرف شيلتها، لكن ما عاد مما تبقى من رائحة الورد فيها مجديا.

وصلا آخر السوق، ورأيا البحر أمامهما مباشرة، وعلى الساحل وجدا سمك السردين منشورا على الرمل ليجف، فعرفا من أين تأتي الرائحة.

 

على يمينهما كان الصيادون يخلصون سمك السردين من حبال الشباك الرفيعة، والأطفال يتحلقون حول المراكب يساعدون في تخليص الأسماك الصغيرة، ويضعونها في سلال من الخوص، والنساء يحملن السلال على رؤوسهن، ويذهبن بها إلى السوق، أما الرجال فكانوا يحملون سمكة الجيذر، أو الكنعدة الكبيرة، كل سمكة بيد.

أجساد الصيادين تلمع تحت الشمس، عضلاتهم بارزة، بشراتهم داكنة جدا، وكأنها طبخت على مهل في ملح البحر.

يمشيان على الرمل الناعم تحت مشربيات بيوت الخوجا الزرقاء بتخريماتها، ونقوشها، ترفع ريّا رأسها، وتبتسم لأول مرة منذ أن غادرا السراير، يلاحظ راشد ابتسامتها لكنه لا يبتسم.

يوقف بعض المارة، ويسألهم عن درب مسقط، فيشيرون بأصابعهم إلى الجهة التي قدما منها، يشيرون إلى درب ضيقة تحاذي البحر، وتلتصق بالجبل، فيعودان أدراجهما.

كلما ابتعدا عن السوق، والرمل، والزوارق خفَّت الرائحة، وحلت رائحة البحر محلها، رائحة منعشة، وغامضة.

استمرا في المشي بالاتجاه الذي أشار إليه المارّة، وصلا مطيرح، ومنها أخذا الدرب الضيقة الملتوية التي تحاذي البحر، وتلتصق بالصخر.

يقترب البحر أحيانا حتى يكاد أن يغسل أقدامهما، فيلتصقان بالصخر أكثر، يمشيان قربه، وأعينهما المتوجسة تراقب الماء.

وصلا ريام فارتقيا العقبة.

يصعدان وفي كل خطوة تتلفت ريّا إلى الوراء بحثا عن البحر، فتجد زرقته قد بدأت في الاختفاء خلف طيات الجبل، وانحناءات الدرب.

يتركان مطرح، والبحر وراءهما، ويصعدان الجبل ببطء، ومشقة، يمشيان متلمسين جانب الجبل، ومبتعدين قدر استطاعتهما عن الجانب المطل على الهاوية تحتهما.

وصلا أعلى العقبة، مطرح صارت وراءهما، وأمامهما مسقط.

على امتداد البصر يريان بيوتا، وخياما، وأحواشا، ودروبا، وفي الأفق البعيد ظهر لهم بحر صغير، محاصر بين امتداد صخور الجبال البركانية المنحدرة صوب البحر، وكأنه واقع بين مخلبين، وعلى كل مخلب تجثم قلعة.

عند رؤيته القلاع عرف راشد أنه وصل إلى بغيته، إلى مسقط، عاصمة السلاطين، حيث السلطان، وبيت الحكم، والعسكر، والقوة.

فجأة أحس بدبيب جيوش من النمل تسري على ظهره، باغتته رعشة أعلى كتفيه فانتفض، ثم أغمض عينيه للحظة، وما لبث أن هز رأسه، وبدآ بالهبوط ببطء في الدرب الترابي النازل صوب مسقط.

في نزولهما صادفا بعض الرجال الصاعدين للعقبة على حميرهم، وآخرين مثلهم يصعدون أو يهبطون مشيا على أقدامهم.

تحت السفح وجدا نفسيهما يمشيان بين خيام كثيرة، مصنوعة من حطب سعف النخيل، بعضها هرمي الشكل، وأخرى دائرية، وأخرى بجدران قائمة وسقوف مثلثة، عرف لاحقا أن هذه الأخيرة تسمى “كراجين”، أمام كل خيمة تقريبا نصب عريش.

 

أحيانا يكون لكل خيمة سياجٌ، وأحيانا لا حدود بين الخيام المنتشرة وكأن الأرض مشاع.

مشيا مسافة على الدرب المتربة، حتى وجدا غافة كبيرة تحاذي الدرب، فجلسا ليستريحا تحت ظلها، أخرجت ريّا من الخرج ما تبقى من التمر الذي جلباه، فتقاسماه ثم شربا ما تبقى من الماء في القربة.

 

يفكر راشد أن أهل هذه البلاد لا يشبهون أهله، في مشيهم عجلة، وفي كلامهم لكنة وكأنهم ليسوا عربا، ونساؤهم يلبسن ثيابا تختلف عمّا تلبسه النساء في السراير. هنا يرتدين قمصانا طويلة ذات كسرات عند الخصر، وفي وسطها جيب كبير ينتهي برأس مثلث، وعلى الأكمام والحواشي نقشت زهور، ووحدات هندسية، وتحت القمصان كانت النساء تلبس سراويل واسعة جدا.

 

ثياب النساء في السراير بسيطة، قمصان طويلة بلا خصر، ولا كسرات، ولا تكاد تظهر السروال تحتها إلا قرب الكاحل.

شعرت ريّا بالتعب، فأسندت ظهرها على جذع الغافة، وأغمضت عينيها، عينا راشد على الدرب الخالية في ذلك الوقت من النهار، حتى مرّ رجل بمحاذاتهما، فسأله عن اسم المكان الذي يقفان فيه، وعن الطريق إلى السوق، فقال له في لكنة ثقيلة أنها حارة الدلاليل، ثم أشار إلى جهة الشمال الشرقي، وقال له: السوق هناك.

مشيا في الاتجاه الذي أشار إليه العابر، ومضيا في درب أفضت إلى أخرى، وكلما توقف ليسأل أشار أحدهم إلى جهة وقال: هناك، فيمضيان إلى هناك دون أن يصلا.

الهواء حولهم راكد، والجبال السوداء جاثمة على فضاء المكان حتى تكاد تخنقه.

يمشيان فتضيق الدرب حيناً ثم تتسع، والأكواخ من حولهما تكاد أن تتشابه في فقرها، وتداعيها.

بعد مشي ليس بقليل وجدا على يسارهما سورا عظيما مبنيا من الحجارة، والآجر، وله بوابة كبيرة يحتشد أمامها خلق كثير، وعسكر.

يحاذيان السور، ولا يلتفتان إليه، يمضيان في الطريق المغبرة، تفكر ريّا في أن هذه الدرب لا تشبه الدرب في السراير، درب السراير باردة، مظللة بالنخل، أو بظلال البيوت؛ أما هنا فتمر الدرب بين الخيام، والأكواخ الصغيرة المتباينة في الأحجام، والأشكال، قليلة بيوت الطين هنا، ومتباعدة فلا ظل لها ليسقط؛ فيغطي الدرب، ويقيها وهج الشمس.

بلادهم خضراء، وكلما مشوا فيها تكشفت الخضرة عن خضرة؛ أما هنا فلا ترى نخلا، والشجر قليل.

بين الحين والآخر يوقف راشد العابرين، يسألهم فيدلونه بإشارة من أيديهم، لكن لا يسأله أحد من أي بلاد جاء، ولا ينشد عن أخباره أحد.

ينهشه إحساس الغريب فيكتمه.

 

«بلادنا خضرا» يردد في خاطره كما تردد ريّا في خاطرها، وينظر خلسة في يديه العاملتين في النخل، في شقوقهما، وصلابة جلدهما، يتذكر ضواحي النخيل، والفلج، ومجرى الماء، يتذكر السفرجل، والأمبا، والتين، وشجرات الموز النامية تحت ظلال النخيل بوفرة.

تأتيه الصورة خضراء ملونة بصفرة ثمار الأمبا المختبئة بين الأوراق، وحمرة رطبات الخنيزي، وصفرة رطبات الخلاص، ثم يأتيه وجه عمه فتنسحب الألوان فجأة.

يعود لنفسه فيتذكر أنه الآن في مسقط، حيث السلطان والقوة.

سلطان جائر يقولون في البلاد، فماذا يسمّون ما فعلوه به إذن؟ أليس ذلك هو الجور بعينه؟

أليس جور الأهل على الأهل بمثل أو أشد وطأة من جور حاكم على رعيته، يتساءل في داخله، ألا يقال إنه يولّى عليكم من كان مثلكم وأشد بأسا؟ ألا يولد الجور من الجور؟

يشعر بالحزن ثقيلا ومرّا؛ فيهش ذاكرته بعصا القوة وعز يطلبه عند السلطان.

يكمل سيره أمام أخته، فيشعر باقتراب السوق، يعرف ذلك من ازدياد الحركة، واتجاه الناس، يمشيان أكثر فيجدان مسجدا، يتجاوزان المسجد فيجدان سدرة كبيرة، وعلى بعد مائتي خطوة تقريبا وجدا السوق، فترك أخته تحت السدرة لتستريح، وذهب هو باتجاه الدكاكين.

السوق الخارجي صفان من الدكاكين المتقابلة، يرتفع كل دكان عن الدرب بمقدار درجتين أو ثلاث.

وجد دكاكين تبيع الأرز، والطحين، والبهارات، والتمور، وأخرى تبيع سرجانا، وخيوطا، وأواني، ومغاريف من النحاس أو المعدن، ومواقد نار، وفي آخر السوق وجد دكانا يصنع الحلوى، وتنورا يخرج من ناره خبزا دائريا ثخينا.

دوخته رائحة الحلوى، والخبز الساخن، لكن ماله قليل، وحاجته قليلة.

يحتاج تمرا ليقيمهما، بعد أن كاد ما أحضراه أن ينفد في السير من البلاد إلى هنا، ويريد أيضا أن يسأل عن مكان يأويان إليه.

يقترب من دكان تتكدس في داخله زكائب التمر، والحبوب، ويرى عند مدخله رجلا كبير السن يجلس بجوار ميزان، ومثاقيل صغيرة وأخرى كبيرة، منصرفا لفتل خيوطٍ ثخينة بين راحتي كفيه ثم يلفها حول بكرة كبيرة.

يخمن أنه صاحب الدكان فيبادره بالسلام. تتوقف يد الرجل عن حركتها، وترتفع عيناه الغائرتان تحت حاجبين كثيفي البياض نحو الرجل الواقف، ويرد عليه السلام، يسأله إن كان يبيع تمر «الفرض»، فيشير إلى زكيبة لا تبعد كثيرا عن يساره، تمتد أصابعه داخل الزكيبة ليقبض على كمية من التمر، ثم يتوقف ليسأله عن مقدار ما يحتاج، يتردد راشد ثم يمد يده، وبلمسة خفيفة يعد راشد عملات المعدن الصغيرة في جيب دشداشته، ويقول بصوت فيه انكسار الحاجة: «كياس».

يكيل صاحب الدكان التمر، ويضعه في كفة الميزان بينما يضع أثقالا صغيرة في الكفة الأخرى، ثم يتناول الكفة، ويدلق ما فيها داخل القرطاس الذي لفه على هيئة قمع، ويربطه بخيط يستله من البكرة الكبيرة.

يعرف من هيئة راشد أنه غريب فيسأله عن البلاد التي جاء منها، وإلى أي قبيلة ينتمي، وعن سبب هبوطهم مسقط، فيجاوبه راشد بإسهاب ليس في طبيعته، وكأنما يريد أن يبعد عن بال الرجل شبح السر الذي يخفيه.

يقول له: إنه كان يعمل في نخل أبيه، يشرح له ما فعل الجفاف بنخيلهم، وكيف جفت الأفلاج، وتقطعت أوصال النخيل، واضطرارهم للهبوط إلى مسقط بحثا عن الرزق.

يخبره أن أخته معه، وأنها تنتظره ثم يسأله عن مكان يقضون الليلة فيها، يشير الرجل إلى مبنى على يمين السوق «هذه المسافر خانة» لكنه لا ينصحه بأخذ أخته إلى هناك. يقول له: إنه ليس من المناسب أن يأخذ رجل قبيلي، ولد عرب، أخته إلى أماكن العابرين، ويعرض عليه الإقامة عندهم حتى يجد له عملا، ومكانا.

حاول راشد أن يعتذر عن قبول ضيافة الرجل لكنه لم يستطع، يعرف أن ريّا لا طاقة لها بالمبيت ليلة أخرى في العراء فوافق.

مشى معه وريّا خلفهما باتجاه الجبال، ثم ما لبث أن تكشف له مجرى وادٍ بدت على إحدى ضفتيه بيوت، وعلى الأخرى مزارع، ونخل كثير، فرحت عيناه بالخضرة المفاجئة، وعلت شفتيه ابتسامة خفيفة.

يشير الرجل الذي صار يسميه «الوالد» وهو يحاذيه في المشي إلى الضفة الأخرى حيث بإمكانه رؤية بئر مسيجة يؤمنها برج حراسة، ويخبره عن ملكية المزارع، وعن الآبار التي يستخدم ماؤها في الزراعة، وتزويد بيوت السركال1 وتجار مسقط.

«تخطف علينا سنين حتى الناس تموت من العطش، نرقط الماي من ورق الشجر، ونتضارب على القطرة، لكنها سنة خصب والحمد لله، والناس نص شبع كما ضاري».

أدخلهم بيته، كان بيت الطين الأكبر في الحارة، تحيط به بيوتٌ صغيرة، وخيام، وعرشان، ويطل على مجرى الوادي من جهة الشرق.

نادى على إحدى نسائه فأخذت ريّا إلى غرفة في طرف الحوش، وأخذ هو راشدا إلى سبلة2 تطل على الوادي.

في السبلة كان صالح وناصر يتحدثان بصوت عالٍ، ويتجادلان حول شيء ما لم يتبينه راشد، حتى إذا ما دخل أبوهما وضيفه سكتا وهبّا واقفين لاستقبالهما، استأذن صالح أباه في سؤال راشد عن علومه وأخباره فأذن له، فتناشد الرجلان، وبقي ناصر صامتا يتفرس في الضيف وكأنه فكرة يقلبها في ذهنه.

«صالح ولدي الكبير، متعلم القراية والكتابة في (السعيدية)3 ويشتغل كاتب في الجمرك، أما ناصر فيشتغل في الكويت وما داير يطَول معنا، بيرد الكويت قريب».

يصمت العود قليلا، ثم يكمل كمن يخاطب نفسه «ما شي حيلة، هنا الحال تعبانة».

جلس الجميع ووضع شاب شديد السمرة يسمونه ربيّع أمامهم صحن تمر، فأخذت منه الأصابع ما أرادت، إلا راشد فقد أخذ باقتصاد خجلا رغم الجوع الذي ينهش أمعاءه.

صب لهم ربيّع القهوة في فناجين بيضاء تزينها رسومات خضراء لأشجار نخل، وما إن انتهوا من شرب قهوتهم حتى استأذنه الرجال الثلاثة، وتركوه ليستريح، تمدد راشد على الحصير، تأمل الأخشاب التي تدعم السقف للحظة وفي اللحظة التالية كان كل التعب الذي تحمّله، وداراه عن العيون قد حط عليه.

لا يعرف كم من الوقت كان قد مر وهو نائم؛ لكنه استيقظ عند سماعه تنحنح العود وحركة دخوله وأولاده.

كانت الشمس قد قاربت المغيب، والضوء بدأ في الانسحاب مفسحا مكانا للظلمة التي بدأت تحل شيئا فشيئا. عرف أن صلاة العصر قد فاتته أو كادت، استأذن راشد الرجال، وقام للوضوء ثم صلى في زاوية مستقبلا المزارع على الضفة الأخرى للوادي.

انتهى راشد من صلاته فأحضر ربيّع صينية الغداء، ووضعها أمامهم.

مازحه العود بأنهم ما استطاعوا انتظاره حتى يستيقظ من نومه، فإن كان النوم سلطاناً فإن الجوع سلطان كافر.

ضحك العود من كلامه نفسه فضحك ولداه معه، وندت عن ربيّع ضحكة طويلة تتخللها شهقات تكشفت فيها لثته الحمراء، وأسنانه اللامعة البياض، لم يضحك راشد لما قاله العود لكن ضحكة ربيّع أضحكته.

أنهوا ضحكهم، ومسحوا على وجوههم، ولحاهم، واستغفروا ثم انتظروا حتى يمد العود يده فمدوا من بعده أيديهم إلى صينية الأرز المحلاة بمرق السمك، كان الجوع كافرا فعلا، وكان السمك شهيا.

في صباح اليوم التالي وهما يمضيان معا إلى السوق قال راشد للعود:

– الوالد أنا مخجل منك، أنا وأختي قايمين ونايمين وماكلين في ضيفتك وهذا الحال ما يناسبنا، وأنا والحمد لله بخير وقوي، فلو أحصل شغل… أي شغل، في النخل أو في غيره هشتغل.

– النخل له رعاته، لكن أنا أشوف أنك تسير الفرضة*، هناك يوجد شغل مع البانيان، هتنزلوا المراكب وتحملوها.

*****

أخذت امرأة قصيرة، وسريعة الحركة، والكلام ريّا من يدها، وعبرت بها الليوان، وأدخلتها حجرة في طرف الحوش.

الوقت تعدى الظهر ومع ذلك فالحجرة شبه مظلمة، لا يدخلها الضوء إلا من نافذتين تطلان على الليوان.

بعد أن تعوّدت عينا ريّا على شح الضوء في الحجرة؛ رأتها مؤثثة ببساط من الرسل4 المحبوك يغطي معظم الأرضية، وحوله من جهات ثلاث وضعت وسائد ملونة تستند على الجدران البيضاء التي حفرت فيها روازن5 جميلة.

الروازن الطويلة مقسومة بالعرض عند المنتصف بألواح خشبية وضعت عليها أوانٍ من الصيني المزخرف بتعرجات صفراء دقيقة، أكواب وصحون وأقداح ملونة، وفي الجدار على يمينها دُقّ وتد عُلِّق عليه سراج، وعلى الجدار المقابل دُقّ وتد آخر عُلِّقت عليه بعض الثياب.

شغلتها تفاصيل الحجرة فلم تنتبه للمرأة الجالسة في الركن متكئة على وسادة بيضاء، وتنظر أمامها في الفراغ دون أن تطرف لها عين.

نهستها المرأة القصيرة وقالت لها بصوت هامس: «سلمي على العودة». اقتربت ريّا، وأخذت يد المرأة فانتبهت لها، ورفعت رأسها لتلاقيها بعينين غُطّيت مقلتاهما بطبقة رقيقة من البياض، شمت رأسها ويديها كعادتها في السلام على الكبار في البلاد فبادلتها شما بشم. كانت لكفيها عروق نافرة ولرأسها رائحة الآس، رائحة درب السواقي والبلاد البعيدة.

أمرتها بالجلوس إلى جانبها بحركة خفيفة من كفها، ثم التفتت إلى الجانب الآخر، وأمرت المرأة التي رافقت الضيفة بإحضار القهوة.

جلست ريّا إلى جانب العودة، وسرت برودة الأرض إلى جسدها، اتكأت على الوسادة، وأحست بالتعب الذي تراكم في المسير من السراير إلى هنا، تمنت لو كان بإمكانها أن تستلقي وتنام قليلا.

بعد قليل أحضرت المرأة القهوة والتمر، وحضرت معها نساء أخريات وأطفال كثر، نبهتها الأصوات المختلطة التي دخلت الحجرة فجأة فعادت إلى حيث هي في المكان.

دعتها العودة لتناول التمر فمدت يدها بخجل وتردد، صوتها به خنة خفيفة، مع ذلك شعرت ريّا بحنان عميق تخفيه المرأة تحت طيات من الأوامر الكثيرة التي توزعها على نساء الدار اللاتي اجتمعن على التمر والقهوة، وفرقتهن بعد أن انتهين نظرة من عينيها المنطفأتين.

سألتها، بعد أن رفعت الفوالة، وتفرقت النساء، عن اسمها والبلاد التي جاءت منها، كان صوت العودة منخفضا جدا ويشبه الهمس، لكنه كان واضحا، وأسئلتها مباشرة ودقيقة، وكأنها تقتصد في الكلام، عرفت ريّا أنها لم تكن تسأل لتتسلى بل كانت تسأل لتعرف.

أجابتها ريّا عن أسئلتها بدقة ووضوح، ثم وعندما سألتها عن سبب خروجهما من البلاد ترددت قليلا ثم ما استطاعت إلا أن تخبرها بما أملاه راشد عليها، هي لا تحب الكذب لكنها اضطرت لتكرار ما قاله أخوها إذا ما سئلت عن سبب هبوطهما مسقط.

قال لها: نبدي الحاجة وقلة الحيلة، بس ما نقول خرجنا الظلم من بلادنا، تراه بو يهون على أهله يهون على الناس.

أوت ريّا تلك الليلة إلى حجرة العودة، باتت في ضيافتها وتحت عينها.

نامت عميقا لكنها استيقظت عند السحر، وغادرت الحجرة إلى حيث وضعت أواني الماء للاغتسال والوضوء فتوضأت للصلاة دون أن يشعر بها أحد من أهل البيت. التجأت إلى ركن الحجرة الغربي وصلت ركعتين ثم أخرجت مصحفها من صرة ملابسها، وبدأت رغم الظلمة بتلاوة القرآن بصوت خافت يشبه الهمس وما هو بهمس، ويشبه البكاء وما هو ببكاء.

كان القرآن في قلبها فلم تحتج الضوء لترى فيه حروفه المكتوبة، إلا أنها تعودت أن تتلوه والمصحف بين يديها، فتلمس الحروف بأطراف أصابعها، يؤنسها الحرف المكتوب فيتبع قلبها أصابعها الماضية على وجهه دون أن تنشغل بالنظر.

تتلو القرآن بلحن خفيف، وتتغنى به فيهتز وتر قلبها، تنتشي روحها بكلماته وتأخذها أخذ الحبيب للحبيب.

قرأت حتى شعرت بروحها ترتوي بعد جفوة المسير وانقطاع الوصل.

تنبهت العودة على تلاوة ريّا، كان صوتها جميلا، به نغم خفيف وخشوع. لم تسمع أحدا من قبل يقرأ القرآن بمثل هذا الوجد، ظلت ساكنة في فراشها، خافت لو أنها تحركت ولو قليلا أن تنتبه ضيفتها فتتوقف عن القراءة، خافت أن ينقطع الصوت ويضيع منها المعنى.

ساكنة في مكانها، متوسدة يمينها، مغمضة العينين تصغي للكلمات والصوت المنغم الرخيم الذي يرددها.

عرفت في تلك اللحظة أن ريّا قد دخلت قلبها من باب لم يدخله قبلها أحد ولن يعرفه أحد بعدها.

تعرف قلبها وتعرف أنه ما تعود أن يفتح بابه للعابرين، لكنها كانت تعرف أيضا أن من يدخله لا يخرج منه، وهذا ما قالته لريّا وهي تودعها قبل أن تخرج من بيتهم بعد مدة من الزمن مزفوفة ومطيبة بالحناء والياس وعقود الياسمين.

0 742 04 يناير, 2017 العدد الثمانون, حداء الروح يناير 4, 2017