التطرف سمة عصرنا العربي

لـ

ماذا يُراد بنا ؟   (1)

التطرف سمة عصرنا العربي

  من جملة الإضاءات الفلسفية اللامعة المرتبطة بالوجود الإنساني المعنى الخاص بالإرادة باعتبارها المعيار الأول للهوية، فلا الأشكال أو الصور أو العناصر الطارئة تعكس حقيقة الوجود، إنها الإرادة، وفقا لهذا التفسير، الجوهر الثابت والحقيقي في التكوين، الفردي أو الجمعي، والذي يتنازل عن هذا الجوهر أو يستخف به ولا يقدره حق قدره، يغدو بمنزلة اللاموجود، ويغدو مستلبا أمام إرادات أقوى خصوصا إذا كان طابع هذه الإرادة الهيمنة والسيطرة.

   في ظل الحقائق الشاخصة أمام الجميع على نحو جليّ، لا مجال فيه لإنكار أو تعام، لم يعد توصيف كلمات مثل “الضعف” أو ” التراجع” تعطي الدلالة الحقيقية للواقع العربي، وإنما الانهيار والاستلاب الكامل هو التوصيف الأقرب لهذا الواقع، الذي بالكاد استطاعت أوطان قليلة التفلت منه والنأي بنفسها وشعوبها عن هذه الحالة وعلى نحو يشبه الأعجوبة؛ أما السواد الأعظم من مساحة هذا العالم العربي فنجده غارقا في استلابه وانهياره، وبالطبع بمستويات متفاوتة من الغرق.

  الانهيار الأعظم يتجلى في عدم قدرة الأجيال العربية المتعاقبة، جيلا وراء جيل وعلى امتداد أكثر من مائة عام، على تشييد بناء فكري تراكمي: طبقة فوق أخرى، تجربة إثر تجربة، والذي حصل ويحصل أن لكل جيل نصيبه وحظه من الهزائم والخيبات، ويأتي الجيل الذي يليه ودونما مراجعة للتجربة السابقة، حيثياتها قناعاتها أدواتها الفكرية، ليخوض تجربة تكاد تشبه بتفاصيلها العريضة تجربة من سبقهم، ومع الإصرار العنيد في عدم البحث عن حل أو مخرج غير الحلول وكذلك الأدوات التي استخدمت سابقا، فان تجربة هذا الجيل تنتهي وبصورة طبيعية ومنطقية  الى ذات النقطة التي انتهى إليها الأولون، ويتكرر المشهد مرة ثالثة ورابعة، واليوم لا زالت الأحاديث والتبريرات هي ذاتها التي تداولتها الأجيال والتجارب الماضية. في ظل استمرار الحال على هذا النحو، تبقى فرص التغيير للأفضل باهتة، يبقى مصيرنا بيد سوانا وليس بأيدينا.

   مائة عام وأكثر صار للعرب فيها حكاما وحكومات، أحزابا وبرلمانات، نصوصا دستورية تكفلت برعاية الحقوق وصون الحرية، وكلام كثير عن حقوق المرأة والطفل، وكلام أكثر عن الوحدة  والمصير العربي المشترك، صارت لنا عائلات نافذة، كما في الغرب، كانت ممولة في البداية غربا وشرقا، ثم غدت صاحبة المشاريع والاقتصادات الكبرى، تقدم نفسها باعتبارها الصورة الموازية  لتجربة البرجوازية الرأسمالية التي شهدتها التجربة الغربية فكانت أداة النهضة لشعوبها وثقافتها. مفكرون من كافة ألوان الطيف الثقافي وكافة تناقضاته، ينبعث منهم كلام بلا ضفاف في الدين والقومية والليبرالية والعلمانية والاشتراكية.

   هل هذا خطاب مثقل بالتشاؤم؟ هل هو خطاب ينظر إلى نصف الكوب الفارغ ويغفل عن النصف الممتلئ؟ أليس فيه كم وافر من التجني؟ ألم يقفز الوطن العربي قفزات حقيقية في مختلف المجالات وبذا يغدو إنكار انجازاته أو التغافل عنها نوع من تحريف لعموم التجربة ؟

     دعونا، ومن موقع المنطقة الوسطى المحايدة التي ترتكز على حقائق التاريخ، نتناول أبرز الملفات المفتوحة في هذه الفترة والتي يعاني منها الانسان العربي على امتداد الرقعة العربية، كيف كان حال ذات الملفات قبل مائة عام مثلا، وهي فترة زمنية غير قليلة، وحالها وحالنا معها اليوم.

   انبعاث إيديولوجية ما، واستثمار طموحين لتفسير ديني سمته الأساسية التشدد وترهيب الآخرين في سبيل تحقيق مزيد من السلطة والنفوذ، وفي الختام توظيف قوى دولية هذه الدعوى باعتبارها أداة نشطة وفاعلة في سبيل انجاز الخطوط الرئيسية  لمشروع استعماري. ليس تنظيم داعش هو التجربة الوحيدة في هذا المجال، فهناك تجارب داعشية عديدة في تاريخا المعاصر، بحيث تغدو صورة التنظيم الحالي نسخة طبق الأصل لإحدى التجارب السابقة.

    مع نهاية العقد الأول من القرن العشرين، وتحديدا في الفترة الممتدة من 1910 أُعلن عن ظهور تنظيم ديني في نجد تحت اسم ” الإخوان”، وكان المستهدفون من هذا التنظيم هم البدو المرتحلون في أنحاء الجزيرة العربية، ومنطقة نجد على وجه الخصوص. خُصص للمنتظمين بهذه الحركة مواقع محددة أطلق عليها “الهجر”، وكان تموضع هذه “الهجر” وتمركزها بداية في شمال مدينة الرياض، ثم توزعت في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية ليبلغ عددها قرابة المائتين.

   والهجر بمثابة تجمعات بشرية على هيئة معسكرات تدريب وإعداد وانتاج قتالي وفكري عقائدي، ويعيش “الإخوان” داخل هذه الهجر هم وعائلاتهم دون أي مظهر من مظاهر الفروقات أو التمييز الاجتماعي، يتعاون الجميع في سبيل تأمين متطلبات الحياة الأساسية، إلا أن جهدهم الأكبر يبقى منصرفا نحو التربية الأيديولوجية العقائدية التي تعتبر بصورة من الصور التفسير الأكثر تشددا من تفسيرات الحركة الوهابية. والنقطة اللافتة في المسألة، وربما كانت هذه المحاولة الفكرية الأولى في التعليق على المسألة، من جهة أن منطقة الشرق الأوسط لم يكن لها سابق تجربة بهذا النمط في التجمع السكاني سوى التجمع السابق بسنة واحدة عن تجمع ” الهجر”، أي في عام 1909، أما موقع هذا التجمع السابق فكان على أرض فلسطين، من خلال تجمعات استيطانية عرف الواحد منها بـ ” الكيبوتس” وهو تجمع صهيوني يضم مزارعين وعمال يهود، يعيشون على مساحة من أرض فلسطين، يمارسون معتقداتهم الدينية ولهم تفسيراتهم المتطرفة الخاصة بهم، وفي لحظة معينة ما، يصبح الفلاح والمزارع مقاتلا، ليمارس الجميع القتل والإرهاب تجاه محيطهم العربي. هذه المقاربة بين التجمعين، من حيث اعتماد أكثر التفسيرات والمعتقدات تطرفا، وبالإضافة للتوافق الزمني بين التجربتين، والذي لا يفصل بينهما سوى عام واحد وأخيرا، هناك نقطة إضافية تكمن في استدعاء مجموعات موزعة مشتتة بأنحاء مختلفة، وحصرها من ثم بمساحة ضيقة واحدة، والجامع الرابع بين التجربتين أن مجالهما الجغرافي وفقا لتقسيمات الدوائر السياسية مطلع القرن العشرين واحد، إنه إقليم الشرق الأوسط.

   عموما، فإن ظاهرة ” الهجر” حققت جملة من الأهداف والأغراض السياسية المرتبطة بتلك المرحلة وذلك بالاعتماد على العقيدة الفكرية التي جنحت وبصورة مفرطة نحو التشدد واستخدام العنف في سبيل فرض هذه العقيدة، ولم تبق رقعة في أرض الجزيرة العربية، من شمالها الى جنوبها، شرقها الى غربها، إلا واكتوت بالأثر العنفي الدامي الذي مارسه أتباع هذه المدرسة بأبشع الصور وأكثرها دموية. وبلغ شرر هذه الحركة كافة مناطق الإقليم دون استثناء دمشق، بغداد.

وعندما احتل ” الإخوان” منطقة الخرمة، وهي إحدى محافظات مكة الآن، وأخذوا يرهبون الحجاج ويعتدون على الناس، استنجد حاكمها، الشريف حسين بن علي بالإنجليز، الذين كان لهم حضور عسكري فاعل  بالمنطقة في تلك الآونة، وطلب منهم دعمه بقتالهم من خلال تأمين غطاء جوي، وبذا تغدو فرص الانتصار عليهم أكبر. إلا أن الموقف البريطاني اتسم بالمناورة والمماطلة إلى أبعد الحدود، وكان الموقف مبنيا على فكرة استراتيجية يبحث جوهرها في المدى الذي يمكن للمملكة المتحدة أن تستثمره في هذه الحركة بهدف تحقيق مزيد من تأكيد الحضور بمنطقة الخليج، وعليه تقدم عميل المخابرات جون فيلبي، والذي سمي لاحقا بالشيخ عبد الله، بتوصية تقضي الإبقاء على الحركة والاستثمار بها باعتبارها ” حركة يمكن حصرها داخل حدود معينة، إذا جرى التعامل معها على أسس معقولة”.

     لم يكن أثر هذه الجماعة محصورا في نطاق الجزيرة العربية، وإنما اتسع مداها الجغرافي لنجد مؤازرين ومدافعين عن فكرها وغاياتها الختامية، فكان لها تأثير حاضر في دمشق والقاهرة، وبفضل التمويل والترويج تمكنت الدعوة من كسب رموز دينية سلفية كبيرة إلى صفها، من أبرز الشخصيات الدعوية التي تبنت طرح فكر ” الإخوان” في تلك الفترة الشيخ السلفي محمد رضا، الذي تخلى عن سلفيته المعتدلة ودعوته إلى التجديد والانفتاح، ليصبح من أكبر دعاة المسار النظري للحركة المتطرفة، وبات رضا مروجا وداعية لإقامة مملكة الله على الأرض وإزالة مملكة البشر بكافة الوسائل والطرق المتاحة، بما فيها استخدام العنف وإرغام المخالفين بالقوة على تبني هذا التفسير.

   الغرب لم يكن بعيدا أو بمعزل عن هذا التطور المحدث لأول مرة في المنطقة، وإذا كان الشيخ عبد الله، العميل فيلبي، قد شخصه كما ورد سابقا، باعتبار أن هذه الأيديولوجية يمكن توظيفها واستثمارها، وأنها تحت السيطرة، إلا أن هناك تشخيصا أكثر دقة تناوله الكابتن غارلند من المكتب العربي ، وهو مكتب استخباري خاص أسسته بريطانيا في القاهرة عام 1915 وألحق به فريق من المستشرقين والخبراء وعملاء الاستخبارات، كتب في تقرير موثق تحت رقم Fo 371/4146(91521)  عقب احتلال الإخوان لمنطقة الخرمة: ” على الرغم من أن الإخوان يُنظر إليهم عموما كظاهرة نشأت حديثا، فان هذه الحركة هي في الحقيقة إحياء في شكل أكثر حدة للوهابية، أي الثورة التطهيرية الكبرى ضد الإسلام التقليدي في القرن الثامن عشر… أما بالنسبة لغير المسلم فان هذا المذهب يتمثل في الطرق القاسية للإرغام على اعتناق المذهب ومعاقبة مرتكبي الخطايا، أكثر مما يتعلق بمبادئ العقيدة نفسها. ” ويتناول غارلند قدرة هذا التنظيم على الانتشار، بحيث أن نطاقه لم يبق محصورا في نجد  ذلك ” أن مبشريها تسللوا إلى كل جهات جزيرة العرب” وأن ” حكام الدول العربية التي تحيط بنجد يعيشون في خوف من انتقالهم إلى شعوبهم”.

   أدرجت هذه المجموعة، أو التنظيم، عملياتها الإرهابية التي تستهدف المدن والبوادي والقرى باعتبارها جهادا، ولم تنج منطقة من الفظائع والأعمال الوحشية التي ارتكبها أتباع هذه الحركة، وغدا وجودهم بمثابة كابوس حقيقي يهدد الناس الآمنين، أما السياسة فقد استثمرت في هذه الحركة على نحو واسع، خاصة وأن ذروة نشاط هذه الحركة رافقها إعادة تشكيل الجزيرة العربية جغرافيا واجتماعيا بصورة تختلف بالكامل عنها قبل ابعاث هذه الحركة.  وبعد 19 عاما من  الإرهاب المنظم لهذه الحركة، وهذا التغول على الدولة والمجتمع، توجهت جهود جادة للمرة الأولى من أجل  القضاء عليه، وتولى الملك عبد العزيز آل سعود هذه المهمة في معركة السبلة المشهورة عام 1929.

   وإذا كانت شرارة العنف والتطرف أطلقت بصبغة دينية من أرض الجزيرة العربية مطلع القرن الماضي، فإن أنحاء المشرق العربي اكتوت بهذه النار ولكن من خلال دوافع ومبررات متعددة، حزبية قومية أو شيوعية، وكذلك كان المرجل الديني حاضرا للإسهام في هذه الظاهرة الأليمة . بل ونجد فئات حاكمة وقد انخرطت في هذا التيار وكان لها إسهامات موثقة بهذا المجال.

   في تلك الفترة، ونحن نتحدث تحديدا عن مرحلة مبكرة من تاريخ المنطقة في القرن العشرين 1920-1940، عانت المجتمعات العربية وعلى نحو لم تعرفه سابقا من ظاهرة العنف المنظم، والتي كان من أبرز نتائجها وفقا لتحليل المفكر العربي محمد عابد الجابري،   أن المجتمعات التي عاينت هذه المرحلة، المشرقية تحديدا: شامية وعراقية ومصرية، عانت من حالة انشطار حقيقي، وساد فيها ما أسماه بصراع الأضداد على كافة المستويات: الفكرية والسياسية والاقتصادية، بحيث لم تعد هذه المجتمعات توفيقية على النحو الذي كانت عليه سابقا. لقد غدا العنف في تلك المرحلة تجسيدا حقيقيا للمعضلة الاجتماعية وصفة بارزة من صفات هذه المجتمعات.

   ومن الأعمال الأدبية الهامة التي تعكس واقع هذه المرحلة الرواية الواقعية “العنقاء”، أو “تاريخ حسن مفتاح” للروائي لويس عوض. الرواية وصفت على نحو سردي الأوضاع الحقيقية التي عايشتها القاهرة أواخر الأربعينات. مما جاء في الرواية:” قنبلة في نادي الاتحاد المصري الانكليزي، قنبلة في نادي محمد علي، قنبلة في بيت مصطفى النحاس باشا، قنبلة في مركز الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة، قنابل مبثوثة في السينمات ” دور السينما” تحت المقاعد فتودي بحياة الأبرياء من المواطنين. مخازن ذخيرة تابعة للجيش المصري تتفجر في جبل المقطم فتوقظ القاهرة المذعورة في الهزيع الأخير من الليل. حتى القضاة يصرعهم رصاص القتلة السياسيين لأنهم يطبقون قانون العقوبات على القادة السياسيين. رئيس وزراء يقتل في قلعته بوزارة الداخلية. وزير خطير يلقى مصرعه وهو خارج من ناديه في قلب العاصمة. زعيم يلقى مصرعه بتدبير الحكومة وهو خارج من جمعية الشبان المسلمين. قائد البوليس يلقى مصرعه في قلب  كلية الطب. الملك ” فاروق” ينظّم الحرس الحديدي ويغتال معارضيه. انقلبت السياسة المصرية إلى سلسلة متصلة الحلقات من أعمال الثأر وتفكك العقد الاجتماعي”.

لا زلنا نتحدث إلى الآن عن مظهر واحد من مظاهر العنف، إنه المرتبط بالتطرف الإيديولوجي إلى حد كبير، وللأسف البالغ فإن هذا النمط العنفي لا يشكل سوى دائرة واحدة من دوائر تبرير وتوظيف العنف. وإذا ابتعدنا قليلا عن هذه البؤرة فستبصر العين على نحو تلقائي بؤرا قد تكون أكثر دموية وإضرارا بالمجتمعات العربية، نجد مثلا ظاهرة الانقلابات العسكرية التي تفشت في سوريا والعراق على وجه الخصوص، وما صاحبها من مآسي وكوارث، هذه الظاهرة التي كان من المفترض أن تكون عرضية أو بشكل أكثر دقة مرحلية بحيث يعمل العسكر على تهيئة المناخات الملائمة لينعم المجتمع بأجواء  الديمقراطية والحرية،، ويعيشوا حياة رغيدة بفضل خطط التنمية، لكن سرعان ما اكتشف الناس أن العسكر لم يخططوا لمجتمعاتهم بالقدر الذي كانوا يخططون من أجل البقاء والاستمرارية في السلطة، وانعكست هذه الظاهرة على المجتمعات بمزيد من التضييق واستخدام العنف المفرط بوجه المعارضة.

   وتنتقل العين إلى بؤرة أخرى من بؤر العنف التي سادت المنطقة، إنها الصراعات والنزاعات الطائفية وكذلك المذهبية، عشرات الآلاف من أبناء الوطن الواحد قضوا في اقتتالاهم ونزاعاتهم التنافسية نتيجة تباين في تفسير مسألة أو تعصب وانحياز لموقف. وستبرز بالتأكيد كذلك بؤرة أخرى من بؤر العنف التي سقط بسببها ملايين الضحايا نتيجة صراعات سياسية إقليمية بين الدول الشقيقة. عشرات النزاعات والاقتتالات يمكن إدراجها ضمن هذه القائمة، ابتداء من النزاعات الحدودية بين الدول، وانتهاء بالحرب اليمنية التي نشهدها هذه الأيام. لن نسى بالطبع عشرات الآلاف الذين سقطوا عقب انتشار حالة الفوضى التي ضربت المنطقة باسم الحرية والديمقراطية، هذه الحالة التي لم تكد تغادر بلدا عربيا إلا أصابته بشررها. ولن يغيب عن العين إلقاء نظرة على بؤرة الحروب المدمرة التي خاضها الكيان الإسرائيلي في المنطقة العربية، ابتداء من الحروب التي خاضها هذا الكيان بهدف  احتلال فلسطين ابتداء، مرورا باجتياح لبنان إضافة الى العمليات الخاطفة التي كان هذا الكيان ينفذها في المحيط الجغرافي.

   للأسف فإن هذا الملف لم يتم إلى الآن تناوله بشكل بحثي تفصيلي،  بحيث يظهر الحجم الحقيقي للخسائر البشرية وكذلك المادية التي أصابت العالم العربي، إضافة إلى الكشف عن المبررات الحقيقية التي تقف وراء كل مظهر من  مظاهر التطرف التي شهدتها المنطقة، إن دراسة مثل هذه، إن أُنجزت ستكشف حقائق صادمة للجميع، ستظهر على نحو مؤكد أن عشرات الملايين من الأبرياء سقطوا وفقدوا حياتهم نتيجة محاولات لفرض أفكار وعقائد بالإكراه، أو نتيجة قرارات سياسية لا تخدم في الحصيلة النهائية سوى شريحة ضئيلة جدا من المجموع الكلي للمجتمع، ستظهر مثل هكذا دراسة حجم الإغراق والتبديد المجنون  للثروات في سبيل إدامة مشهد القتل والعنف ماثلا، وكيف أن حجم  الإنفاق في هذا المجال يفوق بكثير وبصورة لا تقارن مع الإنفاق في مجالات التنمية والتطوير.

   هذه صور تاريخية مجتزأة في ملف واحد هو ملف العنف والتطرف منذ أن أصبحت المنطقة العربية في بؤرة السياسات الدولية، ومن خلال مقاربات بحثية أولية وموضوعية نلحظ أن تغيرا كبيرا في هذا الملف لم يطرأ على جوهره، الأهداف والغايات والأدوات هي ذاتها، التغير الحاصل فقط في الشكل وفي الإخراج، ورغم ذلك فلا زالت العقول تفسر الذي تشهده المنطقة هذه الأيام وكأنه يحدث لأول مرة، وأن الأجيال السابقة لم تخض قط أحداثا مشابهة. وفي الحلقة القادمة ستتم معالجة مفاهيم الوحدة والتجزئة في العقل العربي والتبدلات التي طرأت عليه على امتداد قرن من الزمن.

0 1135 08 يناير, 2017 العدد الثمانون, ثقافة وفكر يناير 8, 2017