حوار الفلق مع محمد العبّاس: الأدب العربي متحف مليئ بالتماثيل الرديئة

لـ

حوار الفلق مع محمد العبّاس: الأدب العربي متحف مليئ بالتماثيل الرديئة

تشهد الساحة الأدبية العربية حالة من غزارة الإنتاج الأدبي و الروائي تحديداً تُصعّب من عملية تنقيحه ونقده وتقديمه عى طاولة التقييم والمراجعة من قِبل النقاد الذين يناط بهم نحت المشهد الأدبي وغربلة المحتوى، غير أن ما يحدث اليوم هو سباق محموم بين الكُتّاب للإنتاج والمنافسة على الجوائز، ونقاد يولون النقد ظهورهم في اتجاههم نحو التحكيم في جوائز غزت العالم العربي، وقارئ يبحث عن أغلفة مختومة بالجوائز أو بختم الأكثر مبيعاً.

  في هذا الحوار يتحدث الناقد السعودي محمد العباس عن ضرورة إعادة دور النشر لمكانة المحرر الأدبي لتجويد العمل الذي يتوائم مع الاتجاه التجاري الذي تسلكه، وضرورة خلق مرجعيات واقعية للرواية العربية التي ما عادت تستمد مرجعياتها من الواقع المعاش، وتفتقر للخيال كعنصر في تكوين الرواية العربية.

 يُعتبر محمد العبّاس من أهم الأسماء النقدية في مجال السرد التي تقرأ المنجز الروائي محلياً وعربياً. له مؤلفات عديدة، منها: قصيدتنا النثرية – قراءات لوعي اللحظة الشعرية، نهاية التاريخ الشفوي (عن النادي الأدبي في حائل)، سادنات القمر – سرّانية النص الشعري الأنثوي، نص العبور إلى الذات – القصة القصيرة النسائية الكويتية في الألفية الثالثة.

 

حوار : ميساء الهنائي 

في ظل الإنتاج الكمي العالي للرواية العربية في العقدين الآخيرين هل تعتقد أنه أن الأوان لدور النشر أن تولي التحرير الأدبي أولوية لغربلة المحتوى السردي وإعطاء الرواية مكانة أفضل من النشر العشوائي؟

العبّاس: أغلب دور النشر اليوم أصبحت مشروعات تجارية ودور المحرر الأدبي يرتبط مباشرةً بتجويد العمل بحرفية العمل الذي تقدمه دور النشر لذا أصبح لزاماً عليها تبني هذا الإجراء لتجويد العمل خاصة وأننا نشهد حالة من الفيضان الروائي ، وهو الأمر الذي يخل بالإنتاج الروائي ، ونلاحظ أن الموجة الأخيرة من الرواية العربية أقل من المستوى وذلك لغياب المعايير الأدبية ومن ضمنها التحرير الأدبي الذي تقع عليه مسؤولية تقنين هذا المنتج أو على الأقل إستصفاء مجموعة أو حالة روائية مقنعة .

يحظى الروائيون العرب اليوم بجماهيرية إعلامية لم تبنى دائما على إمكانات الكاتب أو جودة أعماله بقدر ما بنيت على النتاج الكمي الذي قدمه ، كيف خدم ال‘لام الرواية العربية وكيف يمكن إستغلال الأداة الإعلامية لتمكين الأدب بشكل عام ؟

العبّاس: ليس الإعلام وحدة، الكاتب العربي أصبح اليوم نجماً ثقافياً بفعل عدة عوامل بينها الإعلام ، حيث يقوم الإعلام بتحول الكاتب إلى نجم ثقافي أكثر من كونه مُنتج للعملية الثقافية ، أضف إلى ذلك تخلي الناقد عن  دورة في قرأة المنتج وتحليله ، كذلك القارئ وأعني القارئ للأدب  له دور في عملية إستقبال المنتج  وفي تقييمه والتصعيد أو التقليل من شأنه ، بشكل عام هناك خلل ما لذلك نجد أن هذه الروايات قد أنتجت قارئها الذي لا يتناسب مع وعي القارئ الذي نعرفه وبالتالي نصل إلى هذه الصورة المشوشة للكاتب العربي .

لا تكاد تخلو دولة عربية خليجية أو عربية اليوم من جائزة أدبية أو أكثر رصدت لها مبالغ طائلة ولجان تحكيم يناط بهم ترشيح أعمال رصينة ترتقي بالإنتاج الأدبي العربي هل قدمت هذه الجوائة لقارئ أعمالا تستحق التكريم أم أنها أكتفت بتكريم الكتاب دون الإلتفات لمستوى الأعمال ؟

العبّاس: هذه الجوائز خدمت الأدب أو على الأقل وفرت دليل للأدب لإن الأغلب أصبح يشارك في هذه المسابقات للفوز وعندما تستصفي هذه الجوائز مجموعة من الأعمال يحصل القارئ على مجموعة أعمال تستحق القرأة ، وللجوائز هذه أيضا ضريبتها الواضحة على الإبداع بشكل عام حيث أصبحنا نرى نقرأ الروايات الفائز فقط وصار لدينا أيضاً موجة من النقاد المحكمين الذين يولون التحكيم أهمية أكبر من المراقبة و الاحظة وقرأة الظواهر ، أصبحت الجوائز مظللة للقارئ .

قلت يوما رداً على المقولة السائدة حول مكانة الأديب بالمقارنة مع الناقد ” أننا نرى تماثيل للأدباء لكن لا يوجد إلى الآن تمثال لناقد ” أن الناقد هو النحات ، ألم يسهم النحاتين اليوم في خلق تمثيل هشة ومشوهة للأدب؟

العبّاس: نعم قلت ذلك وليس كل النحاتين فنانين ، بعض من كُرسو اليوم في المشهد  وبما أن حديثنا حول الرواية فهي مرت بمراحل عديدة ولكل مرحلة نقادهاوفي هذه المرحلة الأخيرة لا يستطيع النقاد الإلمام بها وتناولها لعدة أسباب أهمها كثرة المنتج ذلك الفيضان الهائل الذي لا يسمح بمعاينة المنتج الروائي بالإضافة ‘لى رداءته حيث لا يشجع الناقد على تناول العمل و بالتالي شهدنا مجموعة من التماثيل الرديئة التي يحتضنها متحف الأدب و الرواية اليوم .

ذكرت في حوار سابق أن مبدأ الرواية العربية الحديثة يكمن في ترك الغلو في البطولات وإبتادع شخصيات على درجة من العادية وهو ما يفسر بنظرك ضحالة الخيال في معظم المنتجات الروائية الحديثة وإلى أي مدى ينطبق هذا المبدأ على النتاج الروائي العربي؟

العبّاس: تناولت الرواية العربية موضوعات كثيرة وهي تتحرك في مختلف المجالات وهي ما تشكل خطاب الحداثة في الوطن العربي ولديها القدرة على إحتضان كل ما يدور من خيبات وتطلعات الإنسان العربي ، في مرحلة ماء كانت هذه الرواية تدرو حول البطل الفرد وبعدها بدأ يتم الإستغناء عن هذا  النمط وبدأت الرواية تتحرك على إطار ما يسمى بالناس الأنهار ، الناس الذين يتحركون ضمن الحياة العادية ، في المقابل اليوم الرواية تتحدث غن الحروب ، الأزق اليومية ، المرأ و غيرها من الموضوعات ، هنا نطرح حالة من إرتباك المرجعيات في يوم من الأيام كانت الرواية الفلسطينة هي رواية المخيم ، والرواية اللبنانية هي رواية الحرب الأهلية ، والرواية العراقية هي رواية الحرب الأميركية والغزو ، كل هذه المرجعيات فُقدت اليوم وظهر لنا جيل مرجعيته ليست الواقع بل هي ما يشاهدة من أفلام سينمائية هوليودية تحديداً والألعاب الإلكترونية التي تورط بها جيل بأكمله وبالتالي صار ينتج رواياته بهذه المرجعيات ، يبدو لي أن هناك شريحة كاملة في الوطن العربي لا تعيش الواقع ، لا تعيشة بالمعنى الدقيق للكلمة ، تعيش ما يشبه الواقع و بالتالي هي هي تنهل من هذه المرجعيات وهذا ما نلحظة في الكثير من الروايات العربية ولذلك نعيش لحظة متشظية ومرتبكة على مستوى الروايات .

أليس من الظلم أن نطلق هذا الحكم على الروايات العربية فقط فيما هي حالة عامة في العالم أجمع ؟

العبّاس: صحيح ولكنها لا تمثل الحالة الإبداعية ، إلى اليوم لازلنا نقرأ الأعمال المترجمة و الروايات المترجمة ويوجد للقارئ العربي ميثاق قرأة مع الروايات المترجمة أكثر من ما يوجد له مع الروايات العربية ، لغنها لا تزال تحمل من القضايا و الأفكار و المعاني ما يؤهلها لأن تكون رواية مؤثرة وناضجة في المقابل هناك إتجاه حالي وهو تحويل الروايات لأفلام وألعاب ولكن هذا حقل مختلف عن الحقل الذي ينتج العملية الإبداعية كما نريدها وكما نعرفها .

قدمت دراسات في تحليل الخطاب النسوي الشعري تحديداً ، ألا تعتقد أنه آن الأوان للتخلي عن تقسم الخطاب الأدبي لأدب نسوي وأدب ذكوري بإعتبار أن الأدب عملية إنتاجية إنسانية في المقام الأول و غير جندرية ؟

العبّاس: الخطاب النسوي هو خطاب مختلف وهذه حقيقة لا يمكن التغاضي عنها ، يوجد إلى اليوم للمرأة مطالب لم تتحقق ومنذ بداية التاريخ الرجل هو اللاعب الرئيسي في الحياة ، الأن المرأة تتقدم وهي لا تزال تسعى للحصول على بعض حقوقها لذلك هذه المحاولات و المداولات تتشكل في الخطاب الأدبي الذي يختزل كل ما تفكر به المرأة لذلك لا يمكن إلغاء هذا البعد من باب أننا نتحسس من الفصل الجدنري ، كما أننا يجب أن نفرق بين النسوية و الأنثوية وهي إختلافات جذرية ، عندما نرى الأعمال الأدبية المكتوبة بنبرة نسوية نجدها أقرب ما تكون للمرافعة عن الحقوق و الحريات ومقارعة الرجل ونجدها مكتوبة بخشونة فيما نجد أن الأعمال المكتوبة بلغة أنثوية تتحدث بنعومة وتحقق فيها المرأة نجاحات كبرى ولكن بطريقة النهر الهادئ الذي يحفر مسارة في الأعماق لذلك نحن نفرق بين هذه التدرجات لنجد أنفسنا أمام كائن متعدد الأبعاد.

دخلت المرأة مجال الأدب من نفس الباب الذي دخله الرجل ، ولكني هنا أتذكر وصية فرجينيا وولف للمرأة الأدبية بقولها ” أخشى أن يأتي اليوم الذي تكتب فيه المرأة الكاتبة بنفس الطريقة التي يكتب فيها الرجال ” وهي وصية تقولها كاتبة للكاتبة بأن يتجنبن تمثل الحالة الذكورية في خطابهن وكاتبتهن وأن تختار المرأة مسار مختلف بمثلها بشكل خاص و يمثلها بكل الظروف ، ما تحاول المرأة أن تنقله داخل هذه المنتجات الإبداعية ليس فقط إثبات الذات وإنما الإرتقاء للمستوى الإبداعي المساوي للرجل للمرحلة التي يصعب فيها تمييز كاتب هذا النص إن كان رجل أم إمرأة.

0 910 10 يناير, 2017 العدد الثمانون, حداء الروح يناير 10, 2017