هل تحتاج إيمانا لتصدق العلم؟

لـ

هل تحتاج إيمانا لتصدق العلم؟

صالح الفلاحي يترجمّ للفلق سلسلة مقالات حول العلم وفهمنا له. تناقش المقالات تصورات عامة وأسئلة شائعة حولّ قضايا ومواقف علمية متعددة. ونترككم مع المقال الأوّل.

هل تحتاجُ إيماناً لتصدّق العلم؟

إجابة من عالم رياضيات: قد يعني هذا السؤال أمورا متنوعة اعتمادا على المقصود بكلمة ”الإيمان”، ولنبدأ بتعاريف المعجم:

1- اعتقاد قوي بالإله أو بعقائد دين ما، مبني على إدراك روحي عوضاً عن إثبات، وهذا لا يمت للعلم بصلة.

2- ثقة تامة بأحد أو بشيء.

من المؤكد أنك لا تحتاج إلى ثقة تامة لتصدق نتائج العلم، وهذا في الواقع أحد جوانب عظمة العلم كون أن نتائجه يمكن تأكيدها باستقلالية، فليس عليك أن تثق أبدا بأي عالم فرد، إذ أنه وفي الممارسة العلمية الصحيحة  يتحقق الباحثون من عمل بعضهم بعضا ليتأكدوا من صمود ذلك العمل، محاولين تفنيد ما يزعم من خلال القيام بتجارب إضافية، ولذا ستكون الثقة بما اكتشفه العلم حتّى الآن ضربا من السذاجة، إذ أنه وعندما تتم عملية التحقق على أكمل وجه فإنها تعمل جيدا لغربلة على غربلة الأفكار الصحيحة من الخاطئة، لكن حتى عندئذ فإن أخطاء ستحدث قد لا يُنتبه لها لفترة من الزمن. وعلى كل حال فإثبات نتيجة ما من خلال عدة تجارب تنفذ من قبل فرق مؤهلة ومستقلة عن بعضها البعض يمكّننا من القول أن احتمالية كونها صحيحة هي احتمالية كبيرة جدا (أو أنها، على أقل تقدير، تمثل نموذجا دقيقا من الواقع).

أحيانا وعندما يقال “العلم يتطلب إيمانا” فإن ما يحاولون قوله من معنى هي فكرة أن على العلماء أن يعوّلوا على افتراضات لا يمكنهم إثباتها، على سبيل المثال على العلماء أن يفترضوا أن الاستقراء يعمل فعليا (أن تستقريء القوانين المستقبلية للكون مما خبرته من قوانينه السابقة) فإذا اختلفت قوانين الفيزياء غدا بشكل فجائي عما كانت عليه في أي وقت مضى، فإن العلم سيكون في مأزق حقيقي. في الواقع وبما أن كل مناهج استخلاص النتائج حول العالم تعتمد على بعض الافتراضات الخفية، فالقول أن هذا ينطبق على العلم لا يضيف شيئا. وفي الواقع إن الافتراضات المتأصلة، والتي يعتمد عليها العلم، هي افتراضات قليلة العددمتواضعة .

وبما أن البشر بإمكانهم بناء أجهزة تعمل وفق مناهج محددة لاكتساب المعرفة وتطبيقها كالأقمار الصناعية وأجهزة الليزر والجسور والحواسيب فهذا دليل قوي على أن الافتراضات التي وضعتها تلك المناهج لا يمكن أن تكون غير صحيحة لدرجة كبيرة.

إجابة من علم فيزياء : لا، بالطبع لا،

في الواقع فإن وجود إيمان لا يتزعزع، حتى بفكرة علمية محددة هو شيء مضر (أتحدث علميا).

ففي ظل مخاطر جعل العلم يبدو مثل لهو الحمقى، فإن العالِم الجيّد هو ذلك الذي لا يثق في أيّ شيء أو في أيّ أحد، وهو الذي لديه الإرادة ليرمي بمعتقداته العميقة وكأنها دلو أفاعي. ليس العلم سوى أن ننظر بحذر للعالم محاولين ألا نضلل ونخادع أنفسنا كثيرا، لنرى ماهية الأشياء، وكنتيجة لذلك – وبخلاف الاستنتاجات المبنية على الإيمان (والتي لا أستخف بها، فهنيئا لك إذا كنت تحظى بأحدها) فإن الاستنتاجات المبنية على الدراسة المتأنية للعالم تميل للظهور مرارا وتكرارا بغض النظر عمن يدرسها.

وللتوضيح فبينما كان بين الفاتحين الإسبان والإزتك اختلافات دقيقة في آرائهم حول الآلهة المريّشة وسواها (ومن يستطيع تذكرها)، كانوا متفقين بالفعل على أمور كثيرة منها المواسم ومضخات المياه وعلم الفلك وأمور أخرى (وإن لم يكن بينها التنجيم، ويا للغرابة).

غير أنه من السهل أن تضيّع الطريق في الأمر برمته، فعندما يقول ساجان “نحن مصنوعون من مادة النجوم” كمقولة ملهمة وصحيحة في نفس الوقت، فإنها لا تزال تبدو إلى حد ما كأسطورة خلق قديمة (وهنا فحتى التبرير بأن ساجان كان يتقمص مزاج السبعينات لن يجدي نفعا)، وهكذا تُدرك حقيقة العالم، إنه غريب فعلاً.

وهكذا فإن الادعاءات/الاكتشافات التي أتى بها العلم تبدو جنونية كجنونية الادعاءات التي أتت من ديانات كل أحد آخر(وليس دينك أو ديني طبعا): بأن الزمن يتباطأ عندما تتحرك بسرعة، وأن كل المادة والطاقة تتكون من موجات، وذهنك يتحكم بالواقع*، وهناك عدد لا نهائي من الأكوان الموازية**، وكل شيء حي انحدر من مادة لزجة أو شيء كهذا، وعمر الكون يبلغ مليارات السنين، وأجسادنا تتكون من تريليونات من الأشياء الحية شبه المستقلة، ومعظم المادة في الكون غير مرئية وشبحية، وأن وحوشا عملاقة كانت تسيطر على الأرض وقد دُمرت بواسطة صخرة أتت من السماء، وأن الأرض كرة تلتف في فراغ لمئات الأميال في الثانية بمشاركة أجسام كروية أخرى بعضها أكبر بكثير لدرجة أن فكرة بامبي وجودزيلا تبدو واقعية لدرجة ما، وهكذا وهكذا.

(*لا صحة لذلك، لكنك ستظل تسمع أنها تُعزى إلى العلم، **هذا تحريف وسوء فهم كبيريْن لدرجة أنه من الأسلم اعتباره زيفا، لكنه أمر يقوله أهل العلم).

وهكذا فمن السهل أن نفهم لم يبدو العلم وكأنه مجرد نظام عقائد عجائبي يجب أن تؤمن به لتصدقه، والفرق هو أنك إذا لم تصدقه (وأنت مدفوع لذلك تماما) فبإمكانك أن تتخطاه وتختبره، وللإنصاف فإن معظم الناس يحملون العلم محمل الإيمان فعليا، وبما أنه من الصعب عليك أن تختبر الأمور بنفسك ، فإنك بالتالي ستثق أن أولئك البشر، الذين يعرفون كيف يحلقون في الفضاء ويصنعون كمبيوترات باهظة، قد أحكموا حجّتهم بشكل جيّد. ولكن ضع في اعتبارك أن خيار الاختبار قائم، وهنا أشياء يمكنك اختبارها بنفسك وهي مثيرة للاهتمام إلى حد ما، وخطرة قليلا.

ونظرا لكون العلماء يشبهون بقية البشر “إلى حد كبير”، فإن لديهم بدورهم أوقاتهم العصيبة: إنهم يؤمنون بالغرائب التي تقلق أي أحد آخر، ما أعنيه، وبكل جد، الحديث عن وحوش عملاقة. لقد أضحى الأمر “معرفة علمية” بعد أن شقي كثير من الناس لإثبات خطأ ذلك وانتهوا إلى إثباته.

وعلى سبيل المثال، لا أحد صدّق حقيقة بأن الوقت يتباطأ بالنسبة للأشياء التي تتحرك بسرعة، ولذا (وهذا فقط أحد الاختبارات العديدة التي أجريت) فإن هناك رجلان قاما بوضع ساعات دقيقة بدرجة مدهشة في بعض الطائرات وطاروا بها للتأكد. ثم لم على أحدهم أن يعتقد بأننا نتكون من كثير من الأشياء الحية الدقيقة؟ إذا لم تؤمن بذلك (ولم عليك أن تؤمن؟) فأحضر مجهرا وقطعة جلد أو دم ثم ألق نظرة، وهو منظر يثير الاشمئزاز.

حسب علم الأحياء : هذا ما يوجد بداخلك حاليا

حتى شرودنجر(المشهور بمعادلته وقطته التي ألهمت موسيقى الترانس) لم يستطع تصديق بعض الاستنتاجات المستحيلة النابعة من معادلته ( مثل النفق الكمومي ) حتى تم التحقق منها تجريبيا.

تتطلب بعض الأمور الأكثر غموضا جهدا أكثر(ومالا)، ولكن في نهاية الأمر عندما يكون أمرا ما (حقيقة علمية) فإنه قد تم التحقق منها لمرات كثيرة جداً، وهكذا حتى تأتي الحقائق الغريبة والحتمية حول الكون كُرها إلى العلماء الذين يدرسونها والجديرين بتعاطفنا . العلم لا يتعلق بإصدار تصريحات عجيبة لجعل الناس يهزون رؤوسهم مصدقين ومؤمنين، بل يتعلق بإصدار تلك التصريحات ثم تمريرها لزملائك حتى يقع على عاتقهم تشريحها بلا رحمة،. وعلى العموم فدائما ما تكون الكلمة الأخيرة هي للواقع الطبيعي: إن لم تصمد الفكرة أمام الملاحظة والتجريب، فإنّها تنتهي.

  الإيمان يتعلق بالمعرفة واليقين، بينما العلم يتعلق بالتعلم والشك، وأنت لا تحتاج لأي منهما لتحوز على الآخر.

* هذه المادة هي ترجمة Do we need faith to believe in science من مدوّنة Ask A Mathematician.

0 579 15 يناير, 2017 العدد الثمانون, ثقافة وفكر يناير 15, 2017