مآثر ومآلات الثورة العمانية

لـ

مآثر ومآلات الثورة العمانية

من 9 يونيو 1965 – نهاية 1975

في التاسع من يونيو 1965 انفجرت الثورة العمانية في وجه الطاغوت السياسي والجهل والفقر والتخلف والذل الذي كان يعيشه الشعب العماني في عهد السلطان سعيد بن تيمور والاحتلال البريطاني، متخذة من جبال ظفار الشم لطبيعتها الاستثنائية، جغرافياً وطوبوغرافياً، منطلقاً لها وحاضنة لنشاطاتها الثورية؛ وكانت موئلاً وبوتقة لكثير من العناصر الوطنية المتعطشة للحرية، العالمية منها والعربية بوجه عام، والخليجية بوجه خاص، فتنادوا إليها من كل حدب وصوب، وشاركوا في كفاحها الثوري ونضالاتها العتيدة، فرادى وجماعات عديدة، بدءاً بالشخصيات المناضلة على مختلف مستوياتهم العلمية والاجتماعية من شتى دول الخليج العربي، كعبد الرحمن النعيمي وأحمد حميدان وليلى فخرو وعبد النبي العكري وعبيد العبيدلي من البحرين، وأحمد الربعي من الكويت، الذي كان في يوم من الأيام عضواً فاعلاً ونشطاً في الثورة العمانية، حين عاصرها وشارك في كل مراحلها: في الكفاح المسلح بجبال ظفار، وفي البؤرة الثورية المفترضة في مطرح، وفي الاعتقال والسجن بقلعة الجلالي -قبيل تغيير السلطان سعيد بن تيمور في عمان-، ثم ترحيله للكويت ودخوله المعترك السياسي هناك، كعضو بمجلس الأمة أولاً، ثم وزيراً للتربية و التعليم؛ كما كان بهذه الثورة عناصر من قطر والإمارات ( لا أعرفها على وجه التحديد، و لكن لاشك في وجودها يومها، لأن عونها ودعمها اللوجستي للثورة كان واضحاً وملموساً)، مروراً ببعض الشخصيات العربية المناضلة، أمثال فواز الطرابلسي، صاحب كتاب (ظفار، شهادة من زمن الثورة)، والدكتور كامل مهنا الذي أشار لتجربته في هذه الثورة، في كتابه الرائع (ملحمة الخيارات الصعبة)، وانتهاءً بلجان المناصرة للثورة العمانية في شتى أرجاء المعمورة التي كان للمناضل البحريني الشهير عبد النبي العكري دور بارز في خلقها بمختلف العواصم العربية و العالمية، و قد ذكرها في كتابه “ذاكرة الوطن والمنفى” بشيء من التفصيل.
وقد نالت هذه الثورة على تعاطف ومؤازرة كل الأحرار والدول الاشتراكية والأحزاب والمنظمات الثورية في العالم، بدءاً بالثورة الفيتنامية، مروراً بكوريا والصين الشعبية، فالاتحاد السوفياتي، يومها، وألمانيا الشرقية، فمنظمات الثورة الفلسطينية لاسيما اليسارية منها، وانتهاء بكوبا والتنظيمات الثورية في أمريكا اللاتينية. كما كانت الملهمة والمحركة لخيال كثير من الكتاب والأدباء والمبدعين منهم صنع الله إبراهيم في راويته المثيرة للجدل “وردة”، ورياض نجيب الريِّس في كتابه “ظفار، الصراع السياسي والعسكري العربي 1970 – 1976”.

على أني هنا لست في صدد الحديث عن موقع هذه الثورة ومكانتها في الضمير والوجدان العالمي، فذاك حديث آخر، طويل ومتشعب ليس له متسع أو مجال في هذه المقالة؛ وإنما في صدد الإشارة بشكل موجز ومكثف عن “المآلات والمآثر التاريخية لهذه الثورة”. وهو موضوع فجره في النفس حديث أحمد الربعي في إحدى المقابلات، و قوله بأنه “يحمد الله على عدم انتصار الثورة العمانية، لأن مآلها (حسب رأيه) كان سيماثل مآلات ثورة اليمن الجنوبي، التي انقلبت على بعضها وأكلت عناصرها الثورية “.

والحقيقة أن أكثر الفئات الوطنية الخليجية التي شاركت بفاعلية في الثورة العمانية وتركت بصمتها التاريخية فيها هي الفئة البحرينية؛ وهذه الفئة رغم كل الظروف العسيرة التي مرت بها ورغم المتغيرات المؤلمة التي عاصرتها، بقيت وفية لمبادئها الثورية التي آمنت بها في مسيرتها النضالية، وحفظت الود والتقدير والذكرى العطرة لأيامها في صفوف الثورة العمانية، فكتب عبد النبي العكري في مقدمة كتابه “ذاكرة الوطن والمنفى”: (هذا الكتاب معايشة لجسارة شعب عانق السماء وحلم بالمستحيل وخذلته الظروف، إنها معايشة لشعب كان يمارس الحرب والحب في آن واحد، شعب يحب الحياة كما كان يحب الكرامة، إنه شعب الكبرياء والتواضع)، وهو يقصد في ذلك الشعب العماني الذي عاش في أحضان ثورته قرابة العقد من الزمن …. وكذلك الحال مع المناضل والقيادي الكبير، عبد الرحمن النعيمي، الذي لم يتنكر لمسيرته النضالية في صفوف الثورة العمانية، بل وخلق له بعد عودته للبحرين، تنظيماً بمسمى الجبهة الشعبية، تحول فيما بعد إلى منظمة “وعد” الثورية، التي حملت ولا زالت راية النضال السلمي للشعب البحريني.

ولكن البشر كالشجر، منها ما تبقى أوراقها خضراء لا يطالها تغير الفصول، و حتى عندما تموت تظل محتفظة بخضرتها وبهائها، كأشجار الأرز والسرو والصنوبر وبعض السنديان، وأشجار تتأثر بتقلبات الفصول، فتتساقط أوراقها بعد اصفرارها في الخريف. والدكتور أحمد الربعي، رغم احترامنا الكبير لتاريخه النضالي، أثبت، بذلك التصريح الارتدادي، أنه ينتمي لفصيلة الأشجار التي لا تحتمل تقلبات الفصول؛ فبعد أن استوزر وذاق كرسي الوزارة وأبهة الوزير، راجع حساباته فيما يبدو وهو بتلك المواقع الحكومية، فقال ما قاله دون كثير من التمحيص أو عناء التفكير. فهل حقاً فشلت الثورة العمانية في تحقيق أهدافها النبيلة؟ وإلى أي مدى كان نصيبها من النجاح و الفشل؟

ولنجب على هذا السؤال، جواباً دقيقاً علينا أولاً أن نقف على معنى “الثورة” في مضمونها العام . إن أية ثورة جماهيرية حقيقية تعني فيما تعنيه السعي لتحقيق “التغيير الجذري” للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والفكري السائد في البلد الذي تقوم فيه.
وهذا التعريف هو التعريف الكلاسيكي أو الراديكالي للثورة، غير أنه بات مع الزمن بحاجة إلى تغيير أو تطوير ومراجعة؛ لأن ما لا يُحصَل عليه كله، لا يجوز تركه كله، فالسياسة في جوهرها فن الممكن، كما أن النجاح في تحقيق أية غاية لا يحكمه المطلق، وإنما تحكمه النسبية التي تبدأ بالصفر وتنتهي بنسبة 100%. ثم أن هذه النسبة في النجاح المتحقق قد تختلف من هدف لآخر من أهداف الثورة، وبالتالي فإن إخفاقها أو تدني نسبة نجاحها في تحقيق هدف من الأهداف لا يعني بأية صورة فشلها المطلق. وغالبية الثورات التي شهدها التاريخ البشري في مختلف البلدان، لم تنجح في تحقيق كل غاياتها و أهدافها المأمولة، لكنها بقيت تمثل “الرافعة التاريخية” -حسب تعبير فواز الطرابلسي- لتطور الأوضاع في تلك البلدان؛ فالثورات، ككفاح مسلح قد تنتهي لظرف من الظروف الذاتية أو الموضوعية، ولكن أهدافها ومبادئها وقيمها وطموحاتها تبقى تسري في المجتمع سريان النار في الهشيم، بل وتأتي الحكومات المتعاقبة وتتقمص تلك الأهداف والغايات وتعمل على تحقيقها مدعية أنها هي التي ابتدعتها وسعت إليها (كما عبر عن مضمون ذلك فواز الطرابلسي في كتابه ، ظفار، شهادة من زمن الثورة  ص 32-33)
فإذا قمنا بإسقاط هذا المفهوم المنطقي على الثورة العمانية، سنجد أنها بالفعل لم تحقق كل ما كانت تسعى أو تصبو إليه، وبأنها خسرت في ميدان الصراع المسلح، لتفاوت عوامل القوة وغلبة كفتها مع السلطة، لأسباب كثيرة كان في مقدمتها، أخيراً، التدخل العسكري الإيراني، بآلاف الجنود المدججين بأقوى العدة والعتاد الحربي، فحسم جندها المعركة الدائرة على الأرض منذ عقد من الزمن. غير أنه في المقابل، كان لها، لدى كل ذي بصر وبصيرة، مآثر ومكاسب واضحة جلية تتبدى في المقارنة العابرة بين أحوال البلاد ما قبل هذه الثورة وأحوالها ما بعد الثورة.

فعلى الصعيد السياسي: نجحت الثورة في الإطاحة بسلطان الظلام سعيد بن تيمور، أو هي عجلت من رحيله وإحلاله بابنه المستنير قابوس؛ إذ عرفت بريطانيا الخبيرة في استعمار الشعوب وقراءة الأحداث، بأن اللهيب الثوري على وشك اجتياحه لكل السهول و الجبال في عمان، لاسيما بعد معركة وادي الجزي التي خاضتها مجموعة عبدالله بن سعيد الراسبي في نهاية 1969، ومعركة إزكي التي خاضتها مجموعة من الجبهة الديمقراطية لتحرير عمان في 12 يونيو 1970 ؛ فكان لابد لها، أي لبريطانيا، من العمل على سحب البساط من تحت أقدام الثورة، ومحاصرة الحريق الثوري بتغيير واجهة الحكم، والاتيان بمن سيعينها على الاحتفاظ بنفوذها ومصالحها أطول فترة ممكنة في البلاد. فحصل التغيير السياسي الذي كان لابد له وأن يعمل على تحسين الأوضاع التي كانت مثار النقمة والغضب في أوساط الشعب العماني، المتمثلة في صور القمع والمنع والتغييب الذي عاشه في ظل السلطان سعيد بن تيمور، وغياب الدولة المؤسساتية العصرية، وانعدام البنى التحتية الأساسية، من صحة وتعليم وكهرباء وطرقات … إلخ.
ومن يتابع الخطابات الأولى لصاحب الجلالة السلطان قابوس في بداية حكمه، يجد أنها تحمل نفس النفَس والأماني التي كانت تسعى إليها الثورة؛  من مثل:
“إني أعدكم أول ما أفرضه على نفسي أن أبدأ بأسرع ما يمكن أن أجعل الحكومة عصرية، وأول هدفي أن أزيل الأوامر غير الضرورية التي ترزحون تحت وطأتها”.
بل وكان يدغدغ عقول أبناء الشعب و قلوبهم بنفس المفردات والتعابير والشعارات التي كانت ترفعها الثورة، أو يكاد، فمثلا قوله:
“كان بالأمس ظلام ولكن بعون الله غداً سيشرق الفجر على عمان وعلى أهلها”
و”إن السياسة التي اخترناها وآمنا بها هي دائماً وأبداً التقريب والتفهم بين الحاكم والمحكوم وبين الرئيس والمرؤوس، وذلك ترسيخاً للوحدة الوطنية وإشاعة لروح التعاون بين الجميع، أكان ذلك بين من يشغلون المناصب العالية في الحكومة وبين معاونيهم والعاملين معهم أو مع بقية المواطنين.” ؛ بل وذهب في خطاباته لمستوى المحاكاة للخطاب والتفكير الثوري في قوله مثلاً:
“وهناك أمر هام يجب على جميع المسؤولين في حكومتنا أن يجعلوه نصب أعينهم، ألا وهو أنهم جميعاً خَدَمٌ لشعب هذا الوطن العزيز، وعليهم أن يؤدوا هذه الخدمة بكل إخلاص، وأن يتجردوا من جميع الأنانيات، وأن تكون مصلحة الأمة قبل أي مصلحة شخصية، وأن الوظيفة تكليف ومسؤولية قبل أن تكون نفوذاً أو سلطة، وأن العدل أبو الوظيفة وحارسها.”… ذاك ما كان من أمر التغيير السياسي و مآلاته.
أما باقي الطموحات والأهداف التي سعت إليها الثورة وكانت وقوداً لقاطرتها وأساساً  لوجودها من حيث الحلم في إقامة دولة المؤسسات المفقودة في عصر السلطان السابق، فقد تحققت كبنىً ومؤسسات شملت كل جوانب الحياة المدنية والعسكرية، بما في ذلك خلق مجلس للشورى ومجلس لعمان، وإرهاصات تكوين تنظيمات المجتمع المدني، كالجمعيات وبعض النقابات العمالية، وبقي نوع وجودة الخدمات المقدمة في تلك المؤسسات الرسمية وغير الرسمية،  هو ما ستكمله وتناضل من أجل بلورته والارتقاء به لمستوى الطموحات الوطنية، بشكل حتمي وسلمي الأجيال التالية، متخذة من تجارب ونضالات الأجيال الماضية وتضحياتها الجسيمة الخالدة نبراساً لها في دروب سعيها الدؤوب نحو تحقيق التطور والتقدم المنشود والمأمول لهذا الوطن ومواطنيه.
ومن يطالع أدبيات الثورة وشعاراتها المرفوعة، يومها، في شتى المناحي الثقافية والاجتماعية ( المشار إلى أغلبها في كتاب ” قيادة المجتمع نحو التغيير، التجربة التربوية لثورة ظفار 1969- 1992، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، للكاتبة منى سالم جعبوب)  كإلغاء العبودية، وجعل المواطنين سواسية في حقوقهم أمام القانون، وإيجاد فرص العلم والعمل لأبناء الوطن، وتعليم المرأة وإعطائها حقوقها المشروعة، ومشاركتها في شتى الأعمال والنشاطات المجتمعية القائمة، الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية والمهنية والوظيفية، ومعاملتها على قدم المساواة مع الرجل، من يطالع تلك الأدبيات والشعارات، يجد أنها قد أخذت بها الحكومة الحالية وطبقتها يكاد بالصورة التي ارتأتها الثورة، وهذا هو المطلوب في نهاية التحليل، فليس المهم من يقوم بتلبية تلك المطالب الوطنية، أهُمُ الثوار أم الحكومة التي تقمصت أدوارهم ورؤاهم، وإنما المهم في مسيرة النضال هو أن ينال الشعب حقوقه المشروعة، وتحقق أمانيه في الحياة الحرة الكريمة ولو خطوة خطوة. والثورات الحقيقية ليست صراعاً على العرش أو كرسي السلطة، بقدر ما هي نضال مستمر من أجل تحقيق مكاسب أرقى وحياة أفضل للشعوب تحت أي ظرف أو حكم كان.
والحق أن السلطان قابوس كان من الذكاء والقدرة على احتواء الأضداد، أن وظف في حكومته كل كوادر ومخرجات الثورة والحركة الوطنية في البلاد، فقد حملوا أرواحهم على أكفهم ذات يوم في سبيل هذا الوطن ورفعة شأنه، أفيبخلون بجهدهم وأوقاتهم من أجله؟!  فجعل منهم الوزير والوكيل والمدير العام والمدير والخبير في مختلف الوزارات والدوائر الحكومية، مما انعكس أثره الإيجابي على مجمل المسار التنموي وحركة التطور التي تشهدها ربوع عمان، وذلك بما بذله وقدمه أولئك الكوادر الوطنية في شتى مواقعهم الحكومية من بذل أقصى ما لديهم من طاقات العطاء والتفاني والإخلاص الصادق والأمين للارتقاء بأعمالهم أينما كانوا كاستمرار لمسيرتهم النضالية الهادفة لخدمة هذا الوطن والتضحية في سبيله ومن أجل مواطنيه بكل جهد ممكن لديهم. أفمن بعد كل ذلك وكل تلك المنجزات المباشرة وغير المباشرة يقال أن الثورة العمانية قد فشلت أو ارتدت؟
لا وألف لا ، بل وكان لها بصمة لا تمحي أبد الدهر في مسير ومصير هذا البلد الكريم والأخذ به في طريق المجد والتقدم والسؤدد.  فقد عبَّرت تلك الثورة عن إرادة شعب عشق العزة و الكرامة والحرية والعدل والتطور. وهي قيمٌ نبيلة وغاياتٌ عظيمة وخالدة في ضمير الأمة، لا يطالها النسيان مهما تبدل الإنسان والزمان.

0 1983 18 يناير, 2017 العدد الثمانون, سياسة يناير 18, 2017