نظرية التعاقد

لـ

قراءة في جائزة نوبل للاقتصاد 2016م

مقدمة

أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية في شهر أكتوبر 2016م، الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد أو للعلوم الاقتصادية، حيث ذهبت هذه الجائزة مناصفة بين البريطاني أوليفر هارت (1948م) والفنلندي هلمستروم (1949م)، وذلك لمساهمتهما في تطوير نظرية العقود أو التعاقد، لما لهذه النظرية من أهمية في المجتمعات المعُاصرة، حيث نجد أن العقود قد شملت جميع مناحي الحياة، بدءاً من المساهمين في الشركات، إلى المدراء التنفيذيين، وشركات التأمين، ومالكي السيارات، والسلطات العامة، حسب المتحدث من الأكاديمية السويدية لحظة إعلان الفائز بها.

تهدف هذه الورقة إلى توضيح أهمية هذه النظرية، وأسباب فوزها بجائزة نوبل للاقتصاد، مُعتمدة في ذلك على الأوراق المنشورة في الموقع الرسمي للجائزة www.nobelprize.org، والذي يتضمن الكثير من التوضيحات المختلفة في هذا الشأن، كما تهدف أيضاَ إلى توضيح الأبعاد غير الاقتصادية لهذه النظرية، فهي لا تقتصر على المجالات السابقة فقط، بل تمتد لمجالات الحياة العامة بين المواطنين والحكومات أيضاً.

نظرية التعاقد والمجتمعات المعُاصرة:

تقوم المجتمعات المعُاصرة بشكلٍ عام، على العقود أو على التعاقد بين جميع أطراف المجتمع، فهي تساعدنا على التعاون والثقة عندما تُصبح هذه العوامل غير موجودة في المجتمع، وهذا ينطبق فيما بين صغار الموظفين والمسؤولين، وفيما بين الدائنين والمدينين، كذلك عند وقوع الحوادث يتم اللجوء لعقود التأمين وغيرها من الحالات المختلفة، غير أن العقود ليست موّحدة، فبعضها يصل لمئات الصفحات، في حين أن بعض العقود لا يتعدى الصفحة الواحدة.

تعود الأهمية الكبيرة للعقود في الحياة المعُاصرة إلى تقنين أو شرعنة الأفعال المستقبلية بين الأفراد، وهو ما ينطبق على الموظفين حيث أنها تنص على مكافآت للأداء الجيد، أو بعض الشروط في حالة الإقالة أو الفصل، فهي في الحالتين تهدف لتقاسم النتائج على جميع الأطراف، أو معرفة كل طرف لحقوقه وواجباته، كما أنه عن طريق العقود من الممكن التخفيف من المصالح الشخصية للكثير من الأفراد، وذلك على حساب الكثير من المستويات الدُنيا، فهي تقف في وجه الكثير من أشكال الاستغلال الذي يأتي من الأقوياء، أو الذين يملكون السلطات في العمل أو في الكثير من المؤسسات المختلفة، فهي بهذا المعنى تقف في وجه تضارب المصالح بين الأطراف المختلفة للمؤسسة.

لا تعتبر العقود اختراعاً جديداً، بل هي قديمة قِدم التاريخ البشري، غير أنها تتخذ صيغاً وأشكالاً مختلفة، فهي تتمظهر في القضاء، الفقه، القانون، الزواج، والعلاقات التجارية وغيرها، كما أن هناك الكثير من المناطق الرمادية التي لم تصل إليها العقود، أو بمعنى أصح بقيت العقود غير واضحة المعالم، وتُحيط بها الكثير من الثغرات والغموض، لذلك جاءت هذه الجائزة، كاعتراف بالجهود المبذولة لتطوير هذا الجانب من الحياة البشرية. ذلك أن نظرية التعاقد تتطرق لتفاصيل التفاصيل، وتهتم بها، بل وتوليها الكثير من الاهتمام، وهذا يتضح في تلك التفاصيل الدقيقة، التي ناقشتها البحوث الفائزة بهذه الجائزة، فالعقود ليست على وجهٍ واحد، فكل اختصاص أو كل مجال يتطلب عقوداً مختلفة عن بقية المجالات، فعقود مجال التأمين -مثلاً- تختلف عن عقود مجال التوظيف، من حيث التفاصيل وطبيعة العقد وغيرها.

ولكن هل تستطيع العقود تغطية كل التفاصيل المختلفة لكل مجال؟

من الواضح أن العقود لا تستطيع أو لا يمكنها الإلمام بكل التفاصيل وهو ما أدى لتقسيم العقود لنوعين، وهما:

  1. العقود المُثلى أو المكتملة: وهي تلك العقود التي تسعى لوضع الأفعال البشرية بين المتُعاقدين ضمن معادلة دقيقة، يتم من خلالها احتساب كل التفاصيل الدقيقة لها. من الممكن القول بأن هذه العقود تبقى بين طرفين مُحددين، واضحين، وليست مُتشعبة، كما هو الحال في العقود المُركّبة، أو غير المكُتملة.
  1. العقود غير المكتملة: وهي تلك العقود التي لا تستطيع توقع الأداء بشكلٍ دقيق، أو حتى قياسه، فالإشكالية تكمن هنا في عدم استطاعة المتعاقدين تصميم عقد مبدئي بين جميع الأطراف، أو بمعنى آخر؛ عدم مقدرة المتعاقدين على تضمين التوقعات المستقبلية لمختلف الأطراف، وربما من أهم أشكال العقود غير الكاملة هي العقود المالية، أو تلك المتعلقة بالتقسيم بين المجالين العام والخاص.

في العقود غير المكتملة نجد الكثير من العوامل المُتغيرة بين الأطراف، مثل المستثمرين، التكلفة، الفوائد السوقية وغيرها من العوامل، وهو ما يؤثر على النتائج المرجوة، أو المتوقعة من هذه العلاقة التعاقدية، فهي خاضعة للعديد من التحديات التي يجب مواجهتها بطرق لا تنص عليها العقود، وبالتالي نحن أمام مناطق ما زالت خارج هذه المساحة التعاقدية.

من الممكن فهم العقود غير المُكتملة عن طريق العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وذلك من خلال افتراض التوصل لاختراع يُقلل التكلفة والمنفعة، فمن الممكن لمالك هذا العقار أو الشركة أن يتبنى هذا الاختراع أو يقوم بعكس ذلك، ذلك لأن هذا الفعل بقي خارج العقد.

لا تقتصر إنجازات الفائزين بالجائزة على الجانب البسيط، والمرئي من العلاقة بين مختلف الأطراف في العقد، بل هي تسعى بشكلٍ أكبر من ذلك وربما أهم إلى جعل الأسواق وبالتالي مناطق التعاقد أن تُصبح أكثر كمالاً، وليست بالضرورة كاملة بشكلٍ نهائي، وهي في ذلك تسعى إلى تقاسم الأرباح، والمنافع، بين جميع الأطراف وليست بالضرورة أن تتركز، او تُراكم المنافع لدى أصحاب المناصب العُليا، فهي من الضروري أن تشمل بقية الموظفين، والعاملين في الوظائف الدُنيا أو المتواضعة.

العقود من التجارة للاجتماع البشري:

بعيداً عن المسائل المالية الصرفة بالرغم من أهميتها، والمرتبطة بالربح والخسارة المُباشرة، فإن العقود تكتسب أهمية موازية إن لم تكن أهمية كبرى في المجالات المختلفة، ففي الحياة العامة، أو تلك العلاقة بين أفراد المجتمع، نستحضر من الذاكرة التاريخية مصطلح “العقد الاجتماعي” وهو العمل المؤسس للفيلسوف الفرنسي روسو الذي صدر في العام 1762م، وغيرها الكثير من الأعمال التي وضعت العلاقات الاجتماعية ضمن رؤى تبادلية، وتشاركية. حيث أن العقود تتجاوز العلاقات الفردية، المباشرة بين الأطراف، لتشمل في ذلك المجتمع، بكل ما يحويه من تنوعات دينية، عرقية، لغوية…إلخ. فالاجتماع البشري خارج المجال الربحي، يحتاج لمثل هذه العقود، وإن كانت الصيغة هنا ليست مباشرة بين كل فرد والآخر، فعن طريقها من الممكن معرفة الحقوق والواجبات، ووضع حدود معينة للتصرفات البشرية، وعدم التدخل في شؤون الأفراد تحت عناوين اجتماعية أو دينية وغيرها.

غير أن هذا العقد الاجتماعي لم يُكتب له الانتشار بسبب الكثير من العوامل المختلفة، مثلما هو الشأن في العقود التجارية، أو المالية، بالرغم من أن بعض المجتمعات أو الكثير منها، تلتزم بالعقود في مختلف المجالات، إلا ان الجانب الاجتماعي وتحديداً السياسي، بقي بعيداً عن هذه المنطقة التي تستوجب –كما هو الحال في العقود الأخرى- الكثير من الشروط، وربما أهمها: بأن يخضع الجميع لقوانين واضحة من قِبل مختلف الأطراف، وبأن يتم تقاسم المنافع والمضار على جميع الأطراف بالتساوي، وبأن يدُرك المتعاقدين حدود العقود المُتفق عليها، ذلك أن المجال الاجتماعي لم يعد يخضع لتلك النظرة الأبوية من قبل قوى مُعينة لبقية الأطراف، بل يشترك الجميع في المصائر، وبالتالي من الضروري الاتفاق بينهم على أسس واضحة في التعامل بين الجميع.

خاتمة:

لا يقتصر التعاقد بين البشر على المجالات النفعية المبُاشرة، بل يتعدى ذلك الى تلك العلاقات الاجتماعية، وفي الحالتين نجد أن الهدف الأساسي والضروري هو معرفة الحقوق والواجبات لجميع الأطراف، غير أن الحياة الاجتماعية في اتساعها وتعقدها من غير الممكن أن تخضع لعقودٍ مكتوبة، ومتفق عليها من جميع الأطراف، ذلك أن العلاقات البشرية اليومية والعابرة كما هو الحال في الأسواق، أو بين أفراد المجتمع، والعلاقات الشخصية، تفترض لاستمرارها وتواصلها الكثير من المُضمرات، والقيم المختلفة، فهناك عوامل تُساهم في استمرار المجتمعات خارج العقود، والقوانين، وأنظمة الضبط والمراقبة بمختلف أشكالها.

19 يناير 2017م

مسقط

0 634 22 يناير, 2017 العدد الثمانون, ثقافة وفكر يناير 22, 2017