“إيران، عُمان، تركيا” شراكة وحضور في النظام العالمي

لـ

أن تكون حاضرا محترما، وإن أمكن شريكا فاعلا ومؤثرا في نظام عالمي، يتميز بجملة من  التعقيدات والتداخلات والحسابات المبنية على مبدأ امتلاك مقومات القوة، مسألة ليست سهلة ولها الكثير من المتطلبات والاشتراطات، لذا نجد اشتراطاتها لا تتحقق في عدد غير قليل من الدول المعاصرة.

ابتداء لا بد من إقرار حقيقة، بقدر ما هي مؤسفة وتفطر القلب، إلا أنها باتت حقيقة ماثلة في الواقع المعاش، يراها القاصي والداني دونما حجب، وهي أن الكيانات العربية، سياسية واجتماعية، وبرغم كافة عناصر الوحدة المتوفرة لديها: لغة واحدة، تاريخ مشترك، عقيدة يدين بها الغالبية العظمى من المجموع السكاني، إلا أنها تمر هذه الأيام بمرحلة لم يسبق أن شهدت نظيرا لها في أية مرحلة من تاريخها الطويل، ولم تعرف الأمة العربية حالة من التشتت والانحطاط مثل  التي شاءت الأقدار أن نحيى في ظلها في هذا الأوان، لنشهد أضخم حالة انهيار لأمة لها تاريخ ممتد يوازي إن لم يتفوق على كثير من تاريخ الأمم المعاصرة القوية. انهيار لم يعد بمقدور أحد أن يتنبأ بموعد توقفه،  هذا إذا قدر له أن يتوقف.

في ظل هكذا وضع، يغدو القول بدور لأمة العرب على مستوى النظام العالمي الحديث، وما يترتب عليه من فعالية على المستوى الإقليمي بمثابة تغريدة ساذجة، أو بأفضل الأحوال تغريدة حالمة، فالفرص المتاحة لمثل هكذا دور مرتهنة بجملة من الاشتراطات، ما يجعل فرص مشاركة عدد من الدول على نحو مستقل أكبر من سواها وفقا للمعايير المؤهلة لشغل الفراغ الناجم عن غياب الكثيرين. في مقدمة هذه الدول المؤهلة وفقا للحسابات والتحليلات الجيوسياسية: إيران، عُمان وتركيا، بالطبع يمكن استثناء إسرائيل الذي يأتي دورها امتدادا طبيعيا للسياسة الأمريكية على وجه التحديد، وهو دور لن يترك وراءه إلا كل أثر تدميري وتعزيزي لكل مظاهر التفتيت والفوضى.

أولى هذه الاشتراطات التأهيلية لهذه الدول الثلاث كي تمارس دورها السياسي، أنها دول ممثلة لكبرى المذاهب الإسلامية. فمنذ القرن السادس عشر الميلادي أصبحت إيران المركز الثقافي والديموغرافي للشيعة في العالم، وتحديدا بعد تأسيس الدولة الصفوية التي شملت إيران الحديثة بالكامل، إضافة إلى أجزاء من تركيا وأذربيجان وأفغانستان وأجزاء من الهند، إضافة لهذا الحضور المذهبي الواسع في العراق ومناطق عدة في شبه الجزيرة العربية. وكانت إيران الملكية شريكا للغرب له وزنه في المنطقة، وبعد قيام الثورة الإسلامية، بات ينظر إلى إيران باعتبارها دولة خارجة عن السيطرة، إلا أنها في المقابل تعامل بقدر وافر من الاحترام، وتدرج دائما ضمن قائمة الحسابات المهمة.

أما عُمان فكانت منذ القرن الثامن الميلادي مقرا للحركة الإباضية التي قدمت نظرية سياسية مغايرة لما كان سائدا من تفسيرات  في حينه، من خلال نظرية جعل الحكم مرتهنا باعتبارات قبيلة أو عرقية، وأخرى جعلته رهنا ضمن اعتبارات أسرية، في حين كان جوهر النظرية الإباضية تفعيل مبدأ الشورى والتوافق على حاكم من خلال الانتخاب. ونتيجة هذا الموقف السياسي تمكن العمانيون من بناء دولتهم بصورة مستقلة لها حدودها الجغرافية الواضحة، وهي مسألة كان لها انعكاسات كبرى في تشكل الهوية وتأسيس قوة تاريخية، وهما عنصران لم يكن بمقدور الدول المستعمرة تجاوزهما مطلع القرن العشرين، لتستثنى السلطنة من مخططات التقسيم وإعادة التشكيل، فيما خضع كامل إقليم المشرق العربي لهذه المخططات، وهو ما سنوضحه بعد قليل.

وبعد انتصار العثمانيين على المماليك عام 1516 انتقل مركز الخلافة السني من القاهرة إلى الأستانة، ولم تستطع القاهرة منذ تلك اللحظة استرداد هذه المكانة، لتستمر الأستانة القيام بدور قيادة العالم السني حتى عام 1924 حين ألغيت الخلافة، لتستبدل بنظام علماني تحديثي. ومنذ عقود عادت تركيا الحديثة من جديد تلعب دور الدولة الراعية والممثلة للسنة، وهو دور لقي ترحيبا من أوساط سياسية متعددة، سواء في الإقليم العربي أو خارجه، باعتبار أن لتركيا وزنا دوليا وتحظى باحترام لا يضاهيه دولة أخرى. إضافة إلى هذا الاعتراف الطوعي بها،  باعتبارها شريكا له مكانته في بنية حلف شمال الأطلسي.

هذه الكيانات السياسية الثلاث، وبفضل خصائصها الجيوسياسية، توفر بداخلها  منذ قرون خلت مفهوم الدولة بالمعنى المعاصر للمفردة، وكانت صانعة لأيديولوجيتها التاريخية وميتولوجيتها الجماعية.  وهو معنى افتقدته عموم كيانات المنطقة في الشرق الأوسط، الذي بقي مفهوم الدولة فيها عائما، لا ضوابط ولا محددات تعرفه على نحو واضح، وكذا الحال بالنسبة للحدود الجغرافية التي كانت محل مد وجزر طيلة قرون عديدة. كذلك كانت الهوية العربية متداخلة مع شعوب وأمم متعددة: فرس، أتراك، أكراد، بربر، روم، بيزنطيون، دول استعمارية بصيغتها الامبريالية… قوى إقليمية ودولية تبادلت النفوذ وتوارثت حكم المنطقة، أنماط من الهيمنة بمختلف الأشكال والنكهات،  في حين تخلت شعوب المنطقة، منذ أواسط الدولة العباسية، عن ممارسة أي دور نشط، ولم يستطيعوا تأمين حقهم في السيادة على مناطقهم. ليس ذلك فحسب بل كانت شعوب هذه المناطق خاضعة بالكامل لتأثيرات ثقافية ودينية متنوعة، ما أفقد هذه الشعوب هويتها الخاصة بها. وكانت أكبر مشكلة واجهت هذه الشعوب بعد فترة الاستقلال المعاصر أنها عجزت عن صهر ذاكرتها التاريخية في بوتقة واحدة، وتتمثل نتيجة هذا الفشل في البروز الطاغي والفج للسجالات الحادة، وأحيانا القاتلة حول النزاع  الإثني والمذهبي بكافة صوره.

الدول الثلاث، إضافة إلى البعد الخاص بمحددات الجغرافية والهوية، هي الوحيدة في المنطقة التي وصلت إلى ما هو أبعد من حدودها الحديثة، فالإمبراطورية الفارسية فاقت الإمبراطورية البيزنطية في القوة، وتمكنت من بسط نفوذها على القسم الأكبر من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأجزاء غير قليلة من الشرق الأقصى إضافة إلى شمال إفريقيا. ورغم هذا التمدد الشاسع إلا أن الفرس حافظوا على ثقتهم بتفوقهم الثقافي، وهو شعور بقي ملازما لهذه الأمة حتى بعد هزيمتها أمام الفاتحين العرب، ورغم دخولهم بالإسلام إلا أن إصرارا على الاحتفاظ بالهوية الخاصة، وفي مقدمتها هذا الإصرار في الإبقاء على اللغة الفارسية وعدم تذويب الخصوصية الثقافية بالكامل، لتتلازم منذ هذه اللحظة ثنائية التمسك بالدين والهوية الوطنية معا.

النموذج الإمبراطوري مع الاحتفاظ بالهوية المحلية تنطبق تفاصيله إلى حد كبير مع التجربة العمانية، التي توسعت ابتداء من عهد اليعاربة شمالا وشرقا وجنوبا، لتشمل إمارة عمان وسواحل شرق إفريقيا وصولا إلى شمال مدغشقر، إضافة إلى الأجزاء الاستراتيجية من ساحل بلاد فارس، ثم أخذت هذه الأنحاء بالاستقلال التدريجي عبر فترات زمنية متباعدة، كان آخرها استقلال زنجبار عام 1964، لتعود عمان إلى حدودها التاريخية الطبيعية. والنموذج ذاته ينطبق على التجربة التركية، مركز الإمبراطورية العثمانية التي تمددت مساحتها لتشمل بلاد المشرق العربي ومصر، ولفترات غير قليلة بلاد شمال إفريقيا واليمن والحجاز، إضافة الى مساحات واسعة من شرق قارة أوروبا، لتبدأ بالانحسار التدريجي لتكتمل آخر هذه الانسحابات عقب الحرب العالمية الأولى، متموضعة في مركزها التاريخي نقطة انطلاقتها الأولى، بلاد الأناضول.

هذه التجارب التاريخية بقيت مفاعيلها حاضرة على صعيد السياسة الدولية مطلع القرن الماضي، وعلى وجه الخصوص عندما شرعت القوى العالمية برسم معالم جديدة للمنطقة، تفتيتا وإعادة تقسيم، على نحو يتوافق وسياسات هذه القوى، فكانت أولا اتفاقية سايكس–بيكو، التي قسمت المشرق العربي إلى أربع دول: العراق، سوريا، لبنان، الأردن، أما فلسطين فقد صدر لاحقا بحقها وعد بلفور باعتبارها وطنا قوميا لليهود.

لم تكن تقسيمات سايكس–بيكو وإعادة رسم المنطقة، سوى حلقة من حلقات مشروع تفتيتي أكبر، أعقبتها مباشرة إبرام معاهدة دارين، أو معاهدة القطيف، عام 1915، التي نصت بنودها على إعادة تقسيم نجد والأحساء والقطيف والجبيل، وإعطاء ابن سعود الضوء الأخضر في محاولاته لكي يضم حائل إلى إمارته. واستكملت عملية التقسيم وإعادة رسم المنطقة غايتها من خلال اتفاقية العقير التي رسمت ولأول مرة الحدود بين نجد والعراق والكويت، بصورة لم تعرفها المنطقة عبر تاريخها الطويل، وبذا جرى اقتلاع آخر جذر من جذور الآمال القومية. كما جرى ترسيخ تقسيم اليمن بين التواجد السعودي لشمال اليمن في عسير، واليمن الشمالي الذي أعطي للإمام يحيى بعد الانسحاب العثماني عام 1918، واليمن الديمقراطية وحضرموت التي قسمت إلى محميتين: شرقية وغربية. أما السياسة التي اعتمدت تجاه سائر إمارات ومشيخات الخليج فكان نهجها قائما على أساس إدامة عناصر الخلاف والنزاع فيما بينها، هذا ما أوضحه تقرير الدبلوماسي البريطاني، جورج رندل إلى وزارة خارجيته بتاريخ 13 يونيو/ حزيران 1933.

أما سلطنة عمان فكان مجالها الجغرافي قد أدرج ضمن مخططات التقسيم، وكان المدخل لتنفيذ هذا المخطط معاهدة السيب التي أُبرمت عام 1920 برعاية بريطانية. وكانت هذه المعاهدة تسعى إلى ترسيخ واقع تقسيمي داخل عمان بين مؤسستي السلطنة والإمامة. إلا أن مضمون هذا الاتفاقية جرى إبطالها وإفشالها محليا، لسبب أن عناصر التفتيت والتجزئة أو حتى إعادة التقسيم لم تكن متاحة في المجال العماني، وأمام هذا الواقع لم تستطع القوى الاستعمارية المضي بعيدا في مخططها الذي استهدف السلطنة. وهي ذات النتيجة التي توصلت إليها القوى العالمية في تلك المرحلة، عندما فشلت القوى المتحالفة في تفكيك السلطنة العثمانية، بلاد الأناضول. رغم أن المخطط الاستعماري كان يقضي تقسيمه إلى ثلاثة أقاليم: واحد للأتراك وإقليم للأرمن وثالث للأكراد. إلا انه ونتيجة الموقف الحازم الذي اتخذه مصطفى كمال أتاتورك فقد تمكن من إحباط هذا المخطط عقب انتصار جيشه على الجيشين الانكليزي والفرنسي معا، وألحق بهما هزيمة فادحة، وكان نتيجة هذا التبدل المفاجئ ليس فقط التراجع عن المخطط التقسيم لتركيا، بل أضيفت إليها، حيث لا زال القلم الاستعماري يبعثر المنطقة على هواه، إقليم الاسكندرون الذي  جرى اقتطاعه من سوريا.

إن الدلالة الكبرى في هذه التجارب والمشاهد التي عرفتها المنطقة في تاريخها تجد معناها في  مدى فهمنا لنظرية “فراغ القوة”، والقوة تحمل وفقا لهذه النظرية معنيين أو تفسيرين كبيرين: الأول بمعناه المادي التجسيدي، عبر امتلاك العناصر الفاعلة والمؤثرة التي تؤهل مالكها وتمنحه القدرة على المناورة بهدف تحقيق أكبر قدر من المنافع والمصالح القومية والوطنية، أو دفع ضرر أو شر يراد بها. وقد تتجسد هذه القوة من خلال هذا الحضور للهوية السياسية والثقافية، الذي يكفل لمن يحوزها بتحقيق عناصر الديمومة والبقاء متماسكا، وتوفير مجال حيوي قادر على التعامل مع تجاذبات القوى الخارجية الدولية والإقليمية.

0 2284 05 فبراير, 2017 العدد الحادي والثمانون, سياسة فبراير 5, 2017