حواء المايتوكندريا

لـ

صورة المقال هي تصوّر أنتجه علماء أحياء لحوّاء المايتوكندرية بناء على قرائتهم لجينات هذه العضيّة عند البشر.

صالح الفلاحي يترجمّ للفلق سلسلة مقالات حول العلم وفهمنا له. تناقش المقالات تصورات عامة وأسئلة شائعة حولّ قضايا ومواقف علمية متعددة. كان عنوان المقال الأوّل:

هل تحتاج إيماناً لتصدق العلم؟

ويتمحور المقال الثاني حول السؤالين التاليين:

كيف نعرف أنّ لكل الناس سلف مشترك؟

وكيف نعرف أنّ شخصاً يعيش اليوم سوف يغدو مستقبلاً السلف المشترك لكل الناس؟1

 

نعرف من علوم الأحياء والجينات أنّ أي مجموعة من الكائنات العضوية تمتلك سلفاً مايتوكندرياً مشتركاً حديثاً (أو ما يعرف بالحواء المايتوكندرية)، وهي كائنة عاشت في الماضي بحيث يتحدّر منها جميع أفراد هذه المجموعة.

لكنّ السؤال الأساسي هو كيف يمكن إثبات ذلك نظرياً؛ أيّ مع عدم الافتراض أن التزاوج بين أفراد المجموعة يتم بشكل عشوائي تماماً؟

وأيضاً هل يمكننا إثبات أنّ أحد الثلاثة مليارات امرأة التي تعيش حالياً ستكون في المستقبل السلف الوحيد لكل التعداد البشري؟ وهذا يعني أنه إن استثنينا أمّ هذه الأنثى وبناتها، فإنّه لن يكون لبقية نساء الأرض أية ذرية في ذلك اليوم.

إجابة عالم الفيزياء: إنّ الحقيقة القائلة أنه لو رجعنا إلى الماضي بما يكفي لوجدنا الأنثى التي غدت السلف المشترك لجميع من على وجه الأرض هي حقيقة ناتجة بشكل مباشر من نظرية السلف المشترك، إذ يبدو أن جميع ما هو حي إنما هو جزء من نفس شجرة العائلة واسعة الامتداد التي يوجد في قاعدتها آخر سلف عام. وحتى يكون لديك خطين عائليين لم يندمجا مطلقاً في الماضي، فإنك تحتاج إلى أكثر من نقطة بداية واحدة للحياة، بينما كل الأدلة المتوفرة تشير إلى أن هناك نقطة واحدة فقط. ولحسن الحظ لا يلزم الرجوع للماضي السحيق حتى مرحلة العفن الغروي (slime molds) كي تجد السلف المشترك لكل هؤلاء البشر ذوي المواصفات الاعتيادية.

حدث أن خلايا الحيوانات والنباتات لا تجيد إنتاج طاقة قابلة للاستخدام، ولذا كان علينا أن نحلّ تلك المشكلة قبل أن نتفرّغ لما يتعلق بشأن وجودنا. وتمثّل الحل في ملء خلايانا بآلاف من البكتيريا التكافلية. وهكذا فإنّ المايتوكندريا ليست بشرية بشكل حرفي؛ فهي تتكاثر بنفسها، ولديها شفرتها الجينية الخاصة، وتتبادل المعلومات والمواد بشكل غزير ومعقد مع خلايانا، إذ بدونها لن يكون هناك “نحن”. ويمكن القول أنّها متعضية منفصلة نعتمد عليها بشكل مطلق، وتعتمد علينا بشكل تام.

وهنا يأتي الجزء المهم: المايتوكندريا توجد في البويضة، لكن ليس في الحيوانات المنوية، وبذا فإن المايتوكندريا تنتقل فقط من الأم إلى الطفل، ولا توجد مطلقاً أية علاقة بين المايتوكندريا التي لديك والتي عند والدك. وهذا يحافظ على بساطة النسب الجيني، فالمايتوكندريا خاصتك قد استُنسخت أساساً من المايتوكندريا الموجودة في البويضة التي نشأت منها. وبالنسبة للقارئات فإن مايتوكندريا أطفالكنّ مستنسخة أساساً من المايتوكندريا الخاصة بكن.

وبالمقارنة، فإنه يصعب تعقّب بقية جينات الكائنات المتكاثرة جنسياً، لأنه في كل جيل يتم التخلص من نصف جيناتنا، بينما يختلط النصف الآخر بجينات شخص آخر (وهذا ما يجعل دناك فريداً). ولذا إنّ أحد ميزات دنا المايتوكندريا هي أنها تبسّط النسب في سلسلة أسلاف واحدة. وبالمناسبة يمكن فعل الشيء نفسه مع الكروموسوم “واي” (Y) لتتبع الخطوط الذكرية.

تنتقل المايتوكندريا فقط من خلال الأم لوليدها، فإذا عدت متتبعاً خطك الأنثوي المباشر فأنت تتبع معه أسلاف المايتوكندريا الخاصة بك.

إذا كانت لديك مجموعة من الكائنات الحية بها نوعين مختلفين من المايتوكندريا، وكان تعداد المجموعة لا يزيد عن حدّ معيّن، فإنه وفي نهاية الأمر سيزول أحد هذين النوعين حتماً. سبب ذلك ما يعرف في الرياضيات بالسير العشوائي (سَيْر درنكارد)، فعدد أفراد أية مجموعة ذات محتوى جيني متشابه2، إن لم يؤل إلى الصفر، فإنه سيتذبذب باستمرار زيادة ونقصاناً. وإن مُنِحَتْ المجموعة وقتاً كافياً، ولم يُسمح لها بالمغادرة لمكان آخر، فإن “السير العشوائي” سيصل بالعدد إلى منتهاه وهو العدد الصفري للسكان. وهكذا إذا بدأت بقرية صغيرة فيها عدة مجموعات مختلفة جينياً، فإنه وبعد عدة أجيال سيكون لديك عدد أقل من المجموعات.

لِمَ أمست تلك المرأة تحديداً هي الحواء المايتوكندرية من بين كل الأخريات؟ إنه الحظ والخصوبة.

وهذا لا يفصح عن الكثير، إذ يقود إلى موقف جبريّ إلى حد ما، “حيث أنك ولتصبح آخر الدائمين فما عليك سوى الانتظار حتى موت كل الآخرين”. لا نستطيع إثبات أن امرأة معاصرة ستعتبر بعد انقضاء وقت طويل على وفاتها الحواء المايتوكندرية للجميع (وهذا يعني اندثار جميع المجموعات المختلفة جينياً عدا واحدة)، لكن ذلك قطعي الحدوث من الناحية الإحصائية. فبهامش خطأ قدره أقل من 1% يمكننا القول أنّ جميع الخطوط الوراثية، من كل نوع ولون 3 قد اندثرت؛ فعملياً كل الأنواع والأنواع الفرعية والجينات والمجموعات المختلفة جينياً وما إلى هناك قد انتهى أمرها بالانقراض تاركة خلفها بقايا مذهلة. وذلك هو التطور بإيجاز: أن تبري من الحياة الكائنات غير الفعّالة وظيفياً (إضافة إلى كثير مما معها)، وتلك البقية الباقية الضئيلة هي فقط “بعض” الكائنات الحية الفعّالة وظيفياً. إذن تقول الاحتمالات أن كل المجموعات القائمة ذات المحتوى الجيني المميز في وقتنا الحاضر تتجه لانقراض حتمي. وعندما يتبقّى من ذلك مجموعة واحدة فقط، فإنه يمكننا القول إن لجميع أفراد هذه المجموعة حواء مايتوكندرية مشتركة، وعندما يغدو عدد هذه المجموعات صفراً، فإنّ كل ما يتعلق بالبشر يمسي قصّة غابرة.

في الواقع، حتى لا توجد حواء مايتوكندرية حديثة فإنه يجب أن توجد مجموعات بشرية منعزلة عن بعضها البعض بشكل مستمر وتام. ويمكن تشبيه ذلك بأن تستعمر مجموعة بشرية كوكب المريخ، ثم ننسى وجودها هناك.

إذن وإن كانت أي مجموعة مميزة جينياً تؤول إلى تلاشي حتمي، فلم توجد أكثر من واحدة؟ هاكم الأخبار الجيدة: بمرور آلاف السنين فإن دنا المايتوكندريا يراكم تغيّرات طفيفة بفعل الطفرات العشوائية، ما يقود إلى القليل من السلالات المميزة. إننا نعيش في شجرة عائلة كبيرة، حيث كل فرع فيها يحوي مجموعات كاملة من الخطوط الأنثوية. ورغم أن بعض الفروع تتوقف، فإنّ بقيتها تتبرعم لفروع جديدة (“جديدة” هنا بمعنى أنّ دنا المايتوكندريا بها مختلف كلياً).

بإمعان النظر في دنا مايتوكندريا البشر من كل العالم، يمكنك تتبع كيف انتشروا في الأرض

في الواقع فإنّ دراسة متفحّصة لاختلافات دنا المايتوكندريا بيننا والنياندرتال تثبت أن نوعنا لم ينحدر منهم، وإنما نحن أبناء عمومة، وأنّ “الحواء” التي نتشاركها معهم قد عاشت قبل ما يقارب نصف مليون عام. يمكننا كذلك القيام بنفس المقارنة باستخدام جيناتنا الاعتيادية لتفحّص قرابتنا بأيّ من الكائنات الحيّة، ودرجتها.

إنّ الحواء المايتوكندرية، كما نعرفها اليوم، هي ليست أحدث سلف مشترك للبشرية، ولا أكثرها فرادة. بالكاد يمكننا القول أنّ الحواء المايتوكندرية هي أحدث سلف للأحياء من البشر من خلال الخط الأنثوي المباشر وحسب، فإن ضمّنت الرجال والنساء فإن سلفنا المشترك الأحدث سيقفز من حوالي 120-150 ألف سنة مضت للخطوط الأنثوية المباشرة فقط إلى تاريخ أحدث يقدر بثلاثة آلاف عام مضت لأي خط من الخطوط. ولا يمكننا التخمين بشكل جيّد حول هوية هؤلاء الأسلاف المشتركين وأين كانوا. لعلّهم عاشوا قرب تمركزات سكانية كبرى؟ من يدري!

دراسة المايتوكندريا هي طريقة بسيطة وموثوقة لفهم التطور والوراثة، لكنها لا ترسم صورة دقيقة عن طريقة انتقال الجينات في المجموعات السكانية. وهناك حقيقة علينا أخذها بالاعتبار وهي أن جزءاً كبيراً من البشر الأحياء حالياً سيصبحون في نهاية الأمر السلف المشترك لكل البشرية، فحتى إن لم تساهم أسرتك في زيادة التعداد السكاني أو إنقاصه (أي إن أنجب كل زوج طفلين فقط)، فإنها متجهة للنمو بأضعاف مضاعفة (ابنان، أربعة أحفاد، ثمانية أبناء أحفاد، ….). وسيستغرق الأمر ثلاثين جيلاً فقط ليكون هناك مليار فرد من أحفادكم (سيقل عدد الأجيال إذا عملتم بجد على ذلك). ومع تكاثر ذريّتك، فإنّ بعض جيناتك لن تنجح في الانتشار، لكنّ كثير منها سينتشر برشاقة في جميع البشرية. على سبيل المثال إذا تلاشت مجموعتك المميزة جينيا عندها لن يكون دنا المايتوكندريا الخاص بك موجوداً، لكن جيناتك التي تحدد شكل شحمة إذنك قد ينتهي بها الأمر منتشرة في كل الأنحاء.

أصاب الحقيقة

ويمكننا القول بأن هذا هو المغزى من الجنس. ربما ليس المغزى الأول الذي سيذكره معظم الناس، لكنهم لم يحضروا الاجتماع الأولّ الذي حدث قبل مليار عام، فبمزج جيناتنا في كل جيل فإننا نمنع الخطوط الجينية من   التلاشي للأبد، وهذا أمر جيد: فمزيد من التنوع يعني مزيدا من التوليفات4 التي يمكن للتطور استخدامها كلما اقتضت الحاجة. وبذلك يمكن للطفرات والتراكيب الجينية المفيدة أن تنتشر في جميع أفراد النوع (أو جزء عشوائي منه) بعد آلاف قليلة من السنوات. التكاثر الجنسي إذن يجعل حرفياً تطورنا أفضل، فمرحى لممارسته!

 

[1] هذا المقال ترجمة لمقال How do we know that everyone has a common ancestor من موقع http://www.askamathematician.com

[2] مجموعة ذات محتوى جيني متشابه (Haplogroup) هي مجموعة من الأفراد يحملون نسخاً متشابهة من جينات متعددة وتُورّث هذه الجينات معاً (توضيح مراجع الترجمة).

[3] إن الخط الوراثي له عدة مستويات تنظيمية. يمكنك أن تتحد عن أفراد، أعراق، وأيضًا عن تغيرات معينة في جين معيّن. بالتالي ما يود قوله الكاتب هنا أن جميع هذه الخطوط الوراثية، على مختلف الأصعدة، قد اندثرت، (توضيح مراجع الترجمة).

[4] يقصد الكاتب هنا بمصطلح توليفة (combination) العملية العشوائية التي يحصل بموجبها الفرد على توليفة معينة من جينات والده ووالدته. يحصل الفرد على نصف مادته الوراثية من والده، والنصف الآخر من والدته، لكن قبل التلقيح، يخضع كلاً من الحيوان المنوي والبويضة لعملية عشوائية تماماً من خلط المادة الوراثية بحيث يكون المحتوى الوراثي للبويضة، على سبيل المثال، فريداً مقارنة ببقية البويضات. ذات الأمر ينطبق على الحيوان المنوي. لذلك يبدو الطفل مختلفاً عن إخوته؛ لأنّ المادة الوراثية التي استلمها من والديْه قد خُلطِتْ بشكل فريد. (توضيح من مراجع الترجمة)

0 1082 29 يناير, 2017 العدد الثمانون, ثقافة وفكر يناير 29, 2017