ورحل الشيخ عبد المعطي

لـ

يوم الجمعة الماضية 27 يناير 2017، رحل عن دنيانا، رجلٌ ترك وراءه ذكراً طيبِّاً وحسناً عند كلِّ من تعامل معهم، هو الشيخ عبد المعطي منذر عبد المعطي، بعد أن كان الذِكرُ هو الطريق الذي اعتمده في سيره إلى الله، وجعله ملازماً له في ليله ونهاره وفي سره وعلانيته، ليلقى الله في يوم الجمعة وهو من أعظم أيام الله، التي كان الشيخ عبد المعطي يعظِّمه، فيحافظ في هذا اليوم على تلاوة سور الجمعة والتي يسمِّيها البعض “المنجيات”، وعلى الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أحياناً يرتقي منبر مسجد أسماء بنت علوي في هذا اليوم خطيباً وإماماً عندما كان يعيش في مسقط، وهو الذي جاء من مصر إلى عُمان مع بدايات النهضة الحديثة وكان مدرساً في بركة الموز بولاية نزوى، ثم أصبح لسنوات مقرئاً بمسجد الخور بمسقط حتى مغادرته السلطنة بعد حياة استمرت أكثر من 25 عاماً، خدم خلالها العلم واللغة العربية، وعلّمَ علوم القرآن الكريم والتجويد، وألّف كتاب “علم التجويد”، وكذلك راجع مخطوطة عمانية قديمة عن القراءات العشرة، وكان عضواً لسنوات طويلة في لجنة تحكيم مسابقة السلطان قابوس لحفظ القرآن الكريم. وكان من أمنيته أن يخدم القرآن، فوفّقه الله إلى إنشاء دار للقرآن الكريم في المنصورة بمصر، من 5 طوابق عبارة عن مدرسة وسكن للمعلمين والطلبة. كان للشيخ عبد المعطي رحمه الله برنامج تلفزيوني بعنوان “ورتِّل القرآن ترتيلا”، يُبث في شهر رمضان المبارك يعلِّم فيه الناشئة تلاوة القرآن الكريم، ويُعنى بتلقين الأطفال أحكام تلاوة القرآن الكريم وتطبيقها عمليّاً وبيان الأخطاء التي يقع فيها البعض عند التلاوة وتصحيحها؛ وهو البرنامج الذي تولى إعداده وتقديمه فيما بعد كثيرون فيما بعد عبر شاشة تلفزيون سلطنة عُمان.

تزاملتُ مع الشيخ عبد المعطي لمدة 13 سنة تقريباً، عندما عمل مصحِّحاً لغويّاً في دائرة الأخبار بالإذاعة، فكان طوال هذه الفترة نعم الأب ونعم الأستاذ ونعم المربي، لم يتدخل في شؤون الآخرين أبداً، ولم يدخل في جدالات تافهة، فكان أقرب إنسان إلى ما يسميه البعض ب”المرحلة الملكية”, فلم يستطع أحدٌ أن يستدرجه لأيّ معركة، رغم النقاشات والجدالات الكثيرة التي تدور في دائرة الأخبار، بحكم أنّ أخبار العالم كلها تمر عبر هذه الدائرة، وقد استطاع الشيخ عبد المعطي أن يتكيّف مع الكلّ رغم اختلاف الآراء والقناعات؛ وأحياناً كان يشتد النقاش، فكان يؤشر لي أن أسكت، وكثيراً ما كان ينصحني بالابتعاد عن مثل هذه النقاشات، سواء في العمل أو خارجه، وحدثني رحمه الله أنه كان في الحج، وكان يتلو القرآن الكريم عند صلاة الفجر، وبما أنه كان يلبس الدشداشة العمانية والمصَر، قاطعه أحدُهم قائلاً له: رغم أنّ تلاوتك ممتازة إلا أنّ هذا لا ينفي إنك من الخوارج، فرفض الشيخ تلك التهمة، إلا أنّ الرجل أصر على ذلك، فقال له الشيخ محاولا أن يغلق الجدال: أنا مصري وأعيش في عُمان. إلا أنّ الرجل أصر على رأيه.

كان الشيخ عبد المعطي رحمه الله، من الذاكرين الله كثيراً – ولا نزكيه على الله، فهو بين يديه الآن -، فهو دائم التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، ولا يدع الذكر أبداً، ويبدأ ذكره قبل أذان الفجر، إذ يقرأ سورة يس يوميّاً وهو في طريقه ليرفع الأذان في مسجد الخور بمسقط، ويكمل بعض الآيات من سورة الصافات حتى يكمل مئة آية، لأنّ سورة يس تتكون من 83 آية، وحسب الحديث فإنّ من قرأ في يوم مئة آية لم يُكتب من الغافلين، وكان لسان الشيخ رطباً بذكر الله في كلِّ الأحوال، وغدوًّا وعشيًّا، وكلَّما خطا أيَّ خطوة، وكنا نسمعه في ممرات الإذاعة وهو يقول “سبحان الله والحمد لله” وعندما يعمل لنفسه شاياً كان يردد “بسم الله الشافي.. بسم الله المعافي.. بسم الله الذي لا يضر مع اسمه داء” وهكذا كان دائماً في كلِّ أحواله، وكان يقول لي إنّ من يريد أن يكون من الذاكرين الله كثيراً يجب أن لا يكتفي بالاقتصار على أذكار الصباح والمساء ثم يركن إلى الغفلة بعد ذلك، ولكن عليه أن يكون لسانه رطباً بذكر الله دائماً وفي كلِّ الأحوال. وقد أخبرني الشيخ مرة أنه كان في المنصورة، وكان أحد الأشخاص يتابعه في حركاته وفي صلواته في المسجد، وعندما علم أنه حافظٌ لكتاب الله، عرض عليه أن يكون معلِّماً أو شيخاً يعالج الناس بمقابل، وقال له ستجد الإقبال وستحقق مبالغ كبيرة إلا أنّ الشيخ رفض تلك الفكرة، فقال له الرجل “لو كنتُ مكانك كنتُ صرتُ غنيّاً”؛ وبالتأكيد فإنّ الشيخ عبد المعطي كان يرفض أن يتاجر بكتاب الله، وقد أخبرني أنّ أحد الأشخاص عرض عليه مبلغ 500 ريال عمانيّ ليصوم عنه أو عن أحد غيره، فقال لي الشيخ رفضتُ المبلغ وقلت حتى لو تعطيني ألفي ريال لن أصوم، وعندما سألته لماذا؟ قال “الله يعلم كيف صومي أنا، فهل تريدني أن أتحمل صوم إنسان آخر؟!”

كان الشيخ عبد المعطي يحسن العمل ويحسن الظن بالله، فكان يثق في وعود الله تعالى للمؤمنين، وعندما كان يحدثني عن الجنة، كنت أرى أنّ الرجل يتحدث وكأنه يرى الجنة وكأنه يعرف مصيره تماماً، وعندما حدثته عن الموت وسكراته، قال هي موتة وتعدي، لأنّ الله سماها موتة في سورة الدخان عندما قال: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم، فضلاً من ربك ذلك هو الفوز العظيم”، فكنتُ فعلاً أعجب بهذه الثقة وبحسن ظنه بالله.

اهتم الشيخ عبد المعطي بأسرته، وعلّم أبناءه فصاروا أطباء، وكان يهتم بوالدته كثيراً، وكم مرة كان يحدِّثني عنها أنه كان يؤكلها بيده لأنها كبيرة في السن، وعندما توفيت لم يبلغوه وإنما تفاجأ بالخبر عند سفره إلى مصر في إجازته. وكان من شدة اهتمامه بأهله، كان يوقظهم لصلاة الفجر وهو هنا في عُمان وهم في مصر؛ إذ يستخدم بطاقة هاتف عمومي ويتصل يوميّاً وقت صلاة الفجر ولا يردوا على الاتصال حسب الاتفاق، إلا مرة واحدة في الأسبوع فقط، قلت له هذه حكاية يحتاج أن تنشر في الصحف، كيف لأب يوقظ أبناءه للصلاة على بُعد هذه المسافة؟!

ظلّ الشيخ عبد المعطي محباً لعُمان ولأهلها، شاكراً الله على ما أعطاه في عُمان من نعمة ومن الأصدقاء في كلِّ مكان، وعندما اتصلت به أول مرة في مصر، لم أذكر له اسمي ولكنه ظلّ يردد يا شيخ فلان وفلان وفلان، حتى قلت له اسمي، فاكتشفت أنّ معارفه في عُمان كثيرون جداً.

ومن المواقف التي أذكرها أنّ الشيخ حاول أن يسوق سيارة، ولكنه فشل أكثر من مرة في اجتياز الاختبار، وفي المرة الأخيرة كتب ملاحظة في لوحة الإعلانات بدائرة الأخبار: “أسألوا لأخيكم الثبات فإنه الآن يُسأل”. وكان رحمه الله دائم الدعاء للآخرين، فإذا جاءت سيرة أيِّ أحد كان يردد “الله يصلح حاله”. نسأل الله أن يكون قد ثبته عند سؤال الملكين وأن يتقبل منه أحسن ما عمل ويتجاوز عن سيئاته ويجعل مثواه الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

0 1296 31 يناير, 2017 العدد الثمانون, حداء الروح يناير 31, 2017

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي