فواز طرابلسي يتحدث لمجلة الفلق (2)

لـ

 

اختراق شرعية الأنظمة السياسية في دول المنطقة عجل بولادة الثورة

 

اعتبر الكاتب السياسي اللبناني فواز طرابلسي أنّ ما يحدث في بعض الدول العربية هو ثورات عربية وليس ربيع عربي. وشدد طرابلسي في حديثه لمجلة الفلق الالكترونية على أن اختراق شرعية الأنظمة السياسية في هذه الدول عجّل بولادة الثورة، وقال إن الحل الفعلي للأنظمة السائدة في دول المنطقة هو الديموقراطية وانتخاب الشعب لحكامه ومحاسبتهم.

وكانت مجلة الفلق الالكترونية قد التقت فواز طرابلسي في وقت سابق في بيروت، حيث تحدّث عن تاريخ المنطقة وعن الثورات العربية. وقد نشرنا الجزء الأول من حديثه عن الثورة في ظفار (رابط الموضوع: http://www.alfalq.com/?p=7588)/، ونستكمل في هذا الحوار حديثه عن الثورات العربية بشكل عام والتي شهدها العالم العربي مؤخراً.

وفواز طرابلسي هو أكاديمي وسياسي ومؤرخ لبناني، يعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت. يحمل دكتوراة في التاريخ من جامعة باريس. شغل منصب رئيس تحرير جريدة الحرية ومجلة بيروت المساء. لديه الكثير من المؤلفات والأبحاث التي تتعلق بالشأن اللبناني والمحيط العربي.
أستاذ فوزي نستكمل حوارنا ونتحدث عن الربيع العربي

نتحدث عن الثورات العربية وليس عن الربيع العربي٬ أنا ضد هذه التسمية للأسباب التالية:

أولاً: تسمية الثورات العربية بالربيع العربي جاءت من الصحافة الغربية بمدلولاتها لربيع دول أوروبا الشرقية عندما أسقطت الأنظمة الشيوعية، وهذا ليس لأني يساري ولكن لأن التشبيه بذاته خطأ، فهناك أخذت أربعة أشهر وانتهت٬ وهنا يمكننا القول أن الربيع تم عند سقوط بعض الرؤساء٬ لذلك نحن في مرحلة ثانية وهي مرحلة الثورة.

ثانياً: الربيع يعتبر فصل من فصول الطبيعة٬ ونحن نحب التورية٬ واللعب على اللغة٬ فنقول جاء الربيع وذهب الربيع وجاء الخريف.. الخ، ولكن الفرق هو أن الربيع يأتي لأنه لا بد من مجيئه، ولكن الثورات لا تأتي كل يوم.

إذا فلنستخدم مصطلح الثورات العربية، وهنا نطرح عليك سؤال بديهي عن الأسباب التي دفعت إلى قيام الثورات العربية.

ما يجري حالياً هو تظليل للناس حول الأسباب التي قامت من أجلها الثورات، ما هي الأسباب التي أدت إلى قيام ثورات في ست بلدان عربية بنفس الوقت؟ ناهيك عن المضاعفات التي سببتها هذه الثورات، أعتقد أنها قامت لسببين رئيسيين عاميّن، وهما:

الأول: فقدان الشرعية السياسية لكل هذه الأنظمة بأشكالها المختلفة، حتّى تلك الأنظمة القادمة من حركات التحرير الوطنية. هذه الأنظمة بما تعد به من تحرر وطني وتوحيد قومي انتهت، وكذلك الأنظمة النفطية ووعودها للأنظمة غير النفطية من خدمات اجتماعية وتعليمية انتهت.

الثاني: العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي لها علاقة بموضوع الليبرالية، والتعددات الهيكلية وفشل السياسات التي تزعم أنّ تحرير الأسواق هو ما يأمّن العدالة وتوزيع الثروة وهذا غير صحيح.

هناك أيضا أسباب أخرى في مقدمتها البطالة، فإذا كان 30 ٪ من شباب المملكة العربية السعودية عاطلين عن العمل فماذا عن سوريا وليبيا واليمن؟ الدول باهظة الثراء تعاني من مشكلة إضرابات الخريجين الباحثين عن وظائف وإضرابات للطلبة والطالبات، وكذلك تعاني من خلل في النظام التعليمي٬ مثل ما حدث في سلطنة عمان.

وماذا عن الفساد؟

في الأمم المتحدة تحدّثوا عن موضوع الفساد. يُربط الفساد في الدول العربية دائمًا بالموظف الفاسد. تبين أن الفساد هو أن بعض الحكام يسرقون شعوبهم. سيف الاسلام القذافي يتقاضى مثلا ٥٪ من عائدات شركات النفط علناً، الرئيس الفرنسي على علم بذلك وكذلك والده معمر القذافي، وأيضا هناك أمراء سعوديين تأتيهم عائدات النفط مباشرة تقدر بمليون برميل يوميا من مجموع إنتاج يتراوح بين ٨ إلى ١٠ مليون برميل يوميا، بمعنى أنه ستة أفراد يأخذون ١٠٪ من عائدات بلد بأكمله.

ماذا نقول في موظف لبناني يأخذ ٥٠٠٠ دولار ليوقع معاملة بناء غير شرعية، هذا لا يقارن بثروات تنهب على هذا المستوى، نتحدث هنا عن نظام من النهب يتم باسم حرية الأسواق. في المقابل ماذا فعلت هذه الأنظمة لليمن التي يقترب حوالي 49٪ من شعبها من حدود المجاعة؟!

كيف بدأت الثورة؟ وهل إسقاط الأنظمة العربية هو الحل؟

اختراق شرعية الأنظمة السياسية والاجتماعية في هذه الدول وتضليل المنظمات الدولية عن ما يحدث فيها عجل بولادة الثورة، مثلا تونس ومصر كانتا تقدمان نموذج عالمي في تطبيق الليبرالية الجديدة وأنهما تحققان معلات دخل قومي جيدة، ولكن اكتشف مؤخرا أن هذا المقياس لا يُوّلد فرص عمل. هناك ٥١ مليون شاب سيبحثون عن عمل بحلول عام ٢٠٢٠، فما هو الحل؟

قطعاً ليس إسقاط الأنظمة السياسية هو الحل، سقوط مبارك ليس هو الحل. الحل أن يتم تغيير جذري لكل البنى الاقتصادية. إذا لم يتم تغيير نمط هذه الأنظمة، فلن يتغير شيء، والحل الفعلي لهذه الأنظمة هو الديموقراطية وانتخاب الشعب لحكامه ومحاسبتهم.

ما يحدث الآن هو أن هناك سلالة تحكم بناءً على نسب ديني أو قبلي، أو أن يحكم العسكر بحكم أنهم الأقوى، أو دكتاتور فرد يزعم أنه مخلص، أو حزب يزعم عصمة العقيدة ويقول إن الناس جاهلين ولا بُد من تدريبهم. لابد من أن تدع الناس يختارون حكامهم بحيث أنه حتى ولو أخطأ الحاكم فبعد أربعة سنوات سيتغير.

ماذا عن دور الغرب في إحداث الثورات؟

أعتقد أن الوجه الآخر في الأحداث هو أن جل الأنظمة العربية تهتم بالشرعية الخارجية أكثر من اهتمامها بالشرعية الداخلية. حتى الآن بشار الأسد لم يُوجه خطابا لشعبه، كل ما يتحدث به موجه للخارج، يرى أن أحدهم قام بعمل برنامج وهذا البرنامج أمريكي ويطالب بالديمقراطية.

وأعتقد أن الوضع الخليجي بنفس وضع سوريا، الشعور بالشرعية ليست مستمدة من الناس. مستمدة من الخارج، وبرأيي هذا لن يستمر.

والجواب العقلاني على هذا السؤال هو أنه يجب دراسة السياسة الغربية في المنطقة أولا، وثانيا فهم الأنظمة العربية التي تستمد شرعيتها من الخارج، ولا تتحرك هذه الشرعية إلا بموافقة خارجية.

ما هو دور السياسات الليبرالية في الأحداث؟

بالتأكيد الليبرالية لها دور كبير في الأحداث، السياسات الليبرالية فرضت على المنطقة، ومن أمثلتها سياسة التعديلات الهيكلية٬ اعتماد السوق٬ إنهاء التنمية٬ اعتماد جدول وحيد للاقتصاد وهو نمو الدخل القومي والخصخصة٬ وانسحاب الدولة من مهمات اجتماعية أساسية٬ وانسحابها من دعم المواد الرئيسية التي تدعمها عادةً. ونتيجةً لذلك أصبحنا نملك في العالم العربي أعلى معدلات بطالة في العالم٬ بالإضافة إلى أعلى معدلات نسبة الشباب إلى السكان، وأعلى معدلات البطالة بين الشباب.

كان للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي دور كبير في قيام الثورات العربية، ما رأيك؟

لم تقم الثورات بسبب وجود الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كما يشاع، الانترنت لا يقوم بثورة٬ الإنترنت هو وسيلة تساعد على عملية الاتصال، بل برأيي إن أكثر وسيلة ساعدت على الاتصال أيام الثورة المصرية هو التلفزيون٬ فالذي قال أن 12 مليون مصري كان في ميدان التحرير بالقاهرة وغيره من الميادين على امتداد مصر بأكملها ليس الانترنت وإنما قناة “الجزيرة” شئنا أم أبينا.

قطعاً وسائل الاتصال مفيدة وهي المسئولة عن سرعة وصول الخبر، ومسؤولة عن فضح ما يجري بالأماكن المخفية. بمعنى أنه لا يمكن قتل أناس في سوريا بدون أن يعرض هذا على كل العالم. ولكن هذه الوسائل لا تصنع الثورات بحد ذاتها، بل هي وسائل مُساعدة.

هل يمكن اعتبار الشعارات التي رفعها المتظاهرون بمثابة أهداف للثورة؟

الشيء المعبر جداً خلال الثورة هي الشعارات المشتركة: “عمل، حرية، خبز”. أو “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية”. والجديد هُنا هو أن هذه الشعارات المشتركة صُوّبت نحو حلقة مركزية ألا وهي (السلطة السياسية) فأصبحت “الشعب يريد إسقاط النظام”. وهو مخالف تماما لربع قرن من الحديث عن المجتمع المدني والدولة، الحديث القائم على فكرة أنّ الدولة أو السلطة المركزية إذا ضعفت تزداد حريات الأفراد ويزاد التأثير بالديمقراطية. ولكن التأثير بالديمقراطية لن يأتي بدون الدعوة إليها وبدون معرفة كيفية تنفيذها٬ وبدون معرفة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي لها علاقة بالفساد٬ وأقصد هنا فساد الموظف وليس فساد الحكام٬ وهذا الموضوع طويل أعالجه في كتابي الاخير” الديمقراطية والثورة”.

هل هناك بعد قومي عروبي في الأحداث؟

في الحقيقة لا نستطيع تفسير جذور هذه الثورات في آن واحد٬ ولا يمكن القول أنّ تزامنها عدوى٬ بمعنى أن أحدهم قام بالثورة في اليمن لأنها قامت في تونس. نعم تشجعوا حين عرفوا بسقوط النظام وسقوط مبارك، ونزلوا في الشوارع ولكن نظرية التأثير أو الانتماء العربي باطلة. طبعاً هناك عروبة جديدة مختلفا تماما عن الماضي، لا توجد فيها أيديولوجيا بل فيها شعور بوجود مصائر مشتركة ولغة مشتركة، في الواقع نحن أمام تحولات أساسية.

لماذا أخذت الأحداث في سوريا بعدا آخر اختلف عن أبعاد الثورات العربية الأخرى؟

قصة الممانعة التي كانت حاصلة في سوريا ليست سوى مزحة (محور المقاومة أو الممانعة هو اسم أطلقته بعض الدول على نفسها وهي التي تعارض السياسة الأميركية في العالم العربي وتؤيد حركات التحرر الوطني العربية)، والممانعة في سوريا هي نظام كان يقدم نفسه على أنه لا يرضى بالتسوية بالرغم من أن التسوية لم تعرض عليه أساساً، وهو لا يملك وسائل أخرى لتحرير أرضه المحتلة غير الممانعة أو المقاومة، ولا يملك وسائل لرفض تقديم تنازلات اقتصادية لأمريكا. كما أنه جفُل وخاف بعد احتلال العراق.

في الحقيقة الأنظمة التي كانت تدعو للتوحيد القومي انتهت.

ومن ثم ماذا يريد الشعب في سوريا؟ يريدون دستور تعددي، تعدد إعلامي وتعدد حزبي، لا يريدون حكم دكتاتوري فردي مطلق بالدستور.

يريدون حاكم يتفق مع شعبه ضد الخارج ولا يكون مع الخارج ضد شعبه.

ولكن كلفة الثورة في سوريا أصبحت باهظة جدا. 

كيف يمكننا أن نغير الحزب الحاكم في سوريا منذ 50 سنة تقريبا؟ كيف سيتغير؟ كلفة المجازر التي تُرتكب هي كلفة تغيير هذه الاستمرارية المفروضة على الشعب السوري خلال نصف قرن. في اليمن أيضا استمر الحكم ٣٣ سنة٬ نتحدث عن حكام ليس لهم مثيل في العالم.

حدثت في سلطنة عمان والبحرين اضطرابات، فاجتمعت دول الخليج وقررت توفير مجموعة من المساعدات بمليارات الدولارات للدولتين للقضاء على البطالة٬ وتنفيذ مطالب الشباب. في وضع أطلق عليهالمارشال الخليج تشبيها بالمارشال الأمريكي الذي حدث بعد الحرب العالمية الثانية.

لا أعتقد أن هذا التشبيه يفيد كثيراً٬ فعنوان مشروع مارشال الحرب العالمية الثانية هو دخول رأس المال الأمريكي إلى أوروبا ومن ثم نفوذها، ووراثة الولايات المتحدة للمستعمر التقليدي (الفرنسي والبريطاني). ما يحدث في الخليج شيء مختلف.

هل للدعم المالي أو المساعدات المالية دور في إخماد الثورة؟

بعض دول الخليج تمارس سياسة هجومية في دعم عدد من الدول والمنظمات واحتواء المعارضة. يدفعون المليارات للإخوان المسلمين وللسلفيين، ليس لمجرد دعم مطالب الشعوب للديمقراطية٬ بل هي محاولة قصر التغيير ضمن حدود معينة. أعتقد أننا مقدمين على وضع يائس في المنطقة ويحتاج إلى تفكير ويجب تقديم حلول جذرية أكثر من مجرد الاعتماد على الأموال.

أنا لا أعتقد أن المساعدات المالية تنوب عن تطبيق السياسات الصحيحة، بل هي في أحيان كثيرة عبارة عن محاولة رشوة، هناك أنظمة عربية مستعدة لترشي ولكن هذه الرشوة لم يعد لها صلة أساسية بعمق المشكلات.

ما رأيك في دعوة السعودية للاتحاد الخليجي؟

الجديد هنا هو محاولة ربط المنطقة بأشكال اتحادية جديدة هدفها السيطرة على المناطق الخطرة والضعيفة، وذلك لتأمين حماية المنطقة كلها٬ لأن المنطقة كلها مقدمة على مزيد من المشاكل في السياسة والاقتصاد٬ والحياة الاجتماعية.

في الحقيقة هناك محاولة سعودية للسيطرة على المناطق الرخوة في الخليج وفي شبه الجزيرة العربية، ولكن يجب أن لا ننسى هنا وزن اليمن في المنطقة، وربما هذا ما يفسر الأحداث في اليمن حاليا.

0 516 07 فبراير, 2017 العدد الحادي والثمانون, سياسة فبراير 7, 2017

عن الكاتب

كاتب وأديب عماني

عرض كل المواضيع التي كتبها خليفة سليمان