استعراض كتاب أشعيا بِرلِن

لـ

 

اسم الكتاب: ضلع الإنسانية الأعوج “فصول في تاريخ الأفكار”

المؤلف: أشعيا بِرلِن

ترجمة: محمد زاهي المغيري

نجيب الحصادي

عدد الصفحات: 309

الناشر: المركز القومي للترجمة/ القاهرة

الطبعة: الأولى/ 2013

——————————————————————————————–

   تعريف بالكاتب: ولد أشعيا بِرلِن أوم عام 1909، في مدينة ريجا، عاصمة جمهورية لاتفيا الواقعة بمنطقة بحر البلطيق في أوروبا الشمالية. ارتحل في عام 1921 إلى بريطانيا، حيث تلقى تعليمه المدرسي ليكمل من ثم  تعليمه الجامعي في جامعة أكسفورد.

   كان مهتما منذ بداية دراسته في دراسة تاريخ الأفكار، وهو المجال الذي أكمل من خلاله  دراساته العليا، ليصبح بعد فترة من حصوله على شهادة الدكتوراه أستاذا للنظرية الاجتماعية والسياسية. وقد أثبت علو مكانة في مجاله وغدا مرجعا عالميا في هذا التخصص لغزارة الأبحاث والدراسات المتخصصة التي أصدرها. عُيّن رئيسا للأكاديمية البريطانية.

  نذر حياته وعلمه دفاعا عن الحريات المدنية، وأهلته مكانته العلمية باعتباره مؤرخا وشارحا للأفكار للحصول على عدد من الجوائز العالمية الأكاديمية. توفي عام 1997.

————————

ثمة قضية لا يكاد أشعيا بِرلِن ينأى عنها لفترة، ليتناول قضية فكرية سواها، إلا ونراه عائدا بجهده الذهني لقضيته الأساسية، إنها الخاصة برؤى الحياة التي تشكل القيم والغايات، إنها القضية التي يقر في الصفحات الأولى من كتابه أنه أمضى أربعين عاما من عمره في محاولة إيضاحها وفهمها لنفسه أولاً لتستتبعها من ثم محاولاته إفهامها للآخرين من بعد أن يكون قد استوعبها وتمثلها عقله على نحو واف. إنها القيم التي بشّر بها الرسل والأنبياء، وحثّ عليها المتفكرون والفلاسفة. حتى القيم التي لم تنفك مختلف أنواع الهيمنة إلى تكريسها، لم تكن مستثناة من عمله المعرفي المضني.

غير أن القيمة الأسمى التي يشايعها أشعيا ويناصرها بصورة كاملة، ويبدي استعداد مستمرا للتضحية بما عداها هي قيمة الإنسان وحقه في الحياة التي يؤثرها، حقه أن يرتئي ما يرتئي، حقه في الإبداع ورفض الأطر الجاهزة، وفوق ذلك كله حقه في العيش الكريم. وعليه كانت هذه المعاني والأفكار العريضة موضوع الفصل الأول من كتابه الذي عنونه بعبارة: “السعي وراء المثل الأعلى”.

بالإضافة إلى تطور العلوم التقنية والطبيعية باعتباره الإسهام الأكثر تميزا للتشكيل البشري في هذا القرن، هناك التيارات الأيديولوجية التي عصفت بحيوات البشر على نحو لم يشهد له التاريخ البشري شبيها من قبل: الثورة الروسية، الأنظمة الاستبدادية، انتشار النزعات القومية والعرقية، وأخيرا العصبية الدينية التي لم يتنبأ بها أحد من كبراء الفكر الاجتماعي في القرن التاسع عشر، ليغدو هذا التطور واحدا من السمات الأبرز للقرن المنصرم.

وعليه، لا ينفك بِرلِن عبر صفحات الكتاب كله في طرح سؤاله المعرفي: هل الإنسان جُبل على الخطل؟ أم أن كل إصلاح مآله أن يستحدث ظروفا تفضي بصورة حتمية إلى صور أخرى من الشقاء؟ وفي أكثر من موضع في الكتاب يردد بِرلِن قولا ينسب إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل  كانط – توفي مطلع القرن التاسع عشر-  مؤداه أنه: “من ضلع معوج، عوج الضلع الذي خلق منه الإنسان، ليس بالمقدور أن ينشأ شيء قويم”. إلا أن هذه الفكرة الفلسفية المثقلة بخيبة الأمل لم تثبط من همة بِرلِن في تقديم رؤية أكثر خصوبة، والسعي لصنع عالم أفضل.

أولى ضرورات صنع عالم أفضل تتطلب منا الفهم أو محاولة الفهم للحقيقة المؤلمة وهي أننا نعيش في عالم يغلب عليه العنف، وإذا أملنا فهمه أكثر فلن يكون في الوسع قصر اهتمامنا على القوى الموضوعية التي تؤثر علينا، بل يلزمنا القيام بمعاينة نقدية لمجمل الغايات والدوافع التي ترشد السلوك البشري: أصولها، تطورها، جوهرها، وفوق ذلك كله شرعيتها. هذه المعاينة النقدية وإعادة التنظيم العقلاني إزاءها من شأنه أن يبدد داخل المجتمع حالة الخلط بين أبعاد مثل: الروحي والفكري، سطوة المحاباة والخرافة، الطاعة العمياء لعقائد لم تمتحن، فضلاً عن حمق ووحشية الأنظمة القمعية التي نشأت عن مثل ذلك العمى الفكري.

الأهم في عملية المعاينة هذه أن تكون مالكة للأسئلة الأصيلة، وهذا معناه أنه من المفترض أن تكون الإجابة بعد الجهد الذهني والفكري، ستكون صحيحة وواحدة وما عداها فهو خاطئ بالضرورة، وأنه لا بد أن تكون هناك سبيل جديرة بالثقة لاكتشاف تلك الحقائق. صحيح أننا قد أخفقنا في بلوغ طور المعرفة المثلى هذا، ومرجع هذا الإخفاق قد يحال على قدراتنا الذهنية المحدودة أكثر مما يجب، وقد يكون سببه أننا أكثر فسادا وفسقا من أن نقدر على بلوغه، وقد تكون العلة في هذه العوائق الفكرية أو الطبيعية، فضلاً أن الآراء بالأساس مختلفة ومتعارضة بخصوص الدرب الذي يفضي إلى ذلك الطور: البعض يجده في دار العبادة، الآخر يجده في الحدس، وآخرون في التجريب، وغيرهم يؤمن بالرؤى الصوفية أو الحساب الرياضي.

ولكن حتى لو لم يتسن لنا الحصول على تلك الأجوبة الصحيحة أو ذاك النسق النهائي الذي يمثل نسيجها الكلي، يتعين في النهاية أن تكون ثمة إجابات، وبخلاف ذلك فإن الأسئلة التي جرى طرحها لم تكن حقيقية. واستكمالا لهذا النسق في الطرح، يؤكد أشعيا حقيقة أنه يتوجب أن يعرف الإجابات شخص ما، أو تتكشف في مرحلة ما: ربما آدم عرفها وهو في الجنة، وربما نحصل عليها في نهاية المطاف، وإذا لم يكن في وسع البشر معرفتها فقد تعرفها الملائكة، وإن لم تكن الملائكة فعلمها على نحو مؤكد عند الله الذي لم يطلع أحدا على هذه الإجابات، أو بعضها. باختصار، يتوجب أن تكون تلك الحقائق الخالدة، أو معظمها، قابلة أن تُعرف. وكأني به وهو يكابد بهذه النقطة يكاد لسان حاله يقول: إن تنزّل الجواب الصحيح أو انكشافه مسألة مرتبطة بنا أولا وأخيرا، إنها مرتبطة بمدى صدقيتنا الجادة وقابليتنا على التعرّف والاستكشاف، وبذلك فقط يستقيم المعوج.

   بإفاضة شارحة بارعة لإبداعات فكرية في التاريخ البشري، لاحظ المؤلف مسألة بالغة الأهمية تكاد تكون بالإضافة إلى أهميتها ظاهرة متواترة، يتناقلها المفكرون والروائيون على اختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم الفكرية. جوهر هذه الظاهرة مؤداه أن الأفكار كانت ولا زالت معنية أكثر من أي شيء آخر بالتساؤل عمن تطوله مسؤولية زيف العلاقات البشرية: الجور والقمع، الخنوع والفقر، عوز السند… وكأنهم بطريقة ضمنية يريدون معرفة ما سوف يفضي إلى نقيض ذلك كله، مثل: العلاقات البشرية المؤسسة على إمكان تحقق الشرف والوقار، سطوة المحبة والعدل، الحرية والأمن… وبات الجميع بحالة متطلعة إلى عالم أفضل، إلى فكرة الحل النهائي، وهي فكرة يعتبرها برلن ليس فقط غير عملية، وإنما خطرة في حال اعتقد شخص ما أو جماعة بإمكانية قيام حل كهذا، وأن الأثمان التي ستدفع نظير الحصول عليه بخسة. هذه الفكرة تخفف من وقع كل البشاعات التي سوف يُذكر بها هذا القرن طالما تائجها مرتهنة لصالح الأجيال المقبلة. وهنا يتساءل برلن على نحو استنكاري: ما هو في الجوهرالثمن الذي يتوجب على الناس دفعه نظير هناءة الأجيال القادمة؟. وهل يعي بالضرورة إذا كانت لديك رغبة في إنقاذ البشرية أن يكون قلبك قاسيا ولا تعبأ بالضحايا؟ التضحية بالبشرية على مذابح الأفكار المجردة: الأمة، الحزب، الطبقة، التقدم، قوى التاريخ…؟. لكن الالتفاتة التي يلتقطها برلن بعد كل هذا الدفق من الأفكار، هي أن المثل المأمول والذي تقدم لأجله الضحايا زلفى سيبقى دائما بعيدا، ولن نتمكن من تحقيقه، هكذا علمتنا التجربة ويؤكده الواقع البيض يكسر  وعادة الكسر تتنامى، لكن عجة الأومليت تظل غير مرئية.

ولعل الشاهد الأقرب لواقعنا، بما فيها الواقع العربي، المتوافق بالكامل مع هذه الفكرة التي يعرض لها برل، هذه التضحيات التي قدمتها الإنسانية ولا زالت تقدمها قرابين لصراعات مذهبية أو عرقية أو طائفية، منذ أكثر من ألف عام وأنهر من الدم تجري في مثل هكذا صراعات، والكل محكوم ومأسور بأوهامه وتفسيراته البسيطة، والكل يقدم التضحية في سبيل الجيل المقبل، هناك أمم تعلمت من درسها وأيقنت أن هكذا صراعات لن تفضي إلى شيء، لن يستطيع الكاثوليك أن يقضوا على البروتستانت، ولا البروتستانت على الأرثوذكس، وأن طرفا من الأطراف لن يصل الى مرحلة إعلان نصره الختامي ويلغي الآخر، وعليه بدلوا هذا الأسلوب المدمر بأساليب تعتمد التعايش والتسامح، وهي مرحلة لم تبلغها إلى اليوم الأطراف المتنازعة في عالمنا الإسلامي،  لم تدرك الى الآن الأطراف كلها، قوية أو أقل قوة حقيقة أنها لن تستطيع إلغاء الآخر أو تغييبه، فوق أرضنا لا زال هناك استخفاف مؤلم بنبالة القيم وطهارة الرسالة.

يختتم برل الفصل الأول من كتابه بإسداء نصيحة، هي أقرب إلى الحكمة منها للنصيحة، أن الواجب العام يستدعي أول ما يستدعيه تجنب حالات المعاناة القصوى: الثورات، الحروب، الاغتيالات. كلها سلوكيات متطرفة، قد تكون هناك ظروف صعبة تحتمها، لكن التاريخ يعلمنا أنه نادر ما تفضي هذه الأعمال إلى النتائج المرجوة.

واذا كانت اليوتوبيا “المثالية” تنزع نحو أن يعيش المجتمع في حالة تجانس تام، يعيش أفراده بسلام، يتحرر أفراده من الأخطار المادية ومن الحاجات، من عوز الأمن والحسد والأعمال التي تحط من شأن صاحبها، إذا كانت هذه التطلعات الختامية للمثالية الإنسانية، فان العالم، بما فيه الغربي مهدد لانحسار الأفكار الطوباوية “نظرية المثل الأعلى” آخذة بالانحسار. ويستعرض أشعيا الأفكار والعقائد التي تمحورت في بعض جوانبها على فكرة المثل الأعلى، مبتدئا بالمسيحية والوثنية، حيث يستعرض من خلال هذين النموذجين عددا من الأمثلة الشاهدة، عندما أتى على الإنسان حين من الدهر قامت فيه دولة كبرى، أو دول، ثم تعرضت لكارثة أدت إلى انهيارها. في الإنجيل تعينت الكارثة في خطيئة المروق، أكل الثمرة المحرمة، أو في الطوفان أو في عمالقة أشرار عاثوا في الأرض فسادا. وكذا الشأن في الميثولوجيا الإغريقية، حي تنقرض الدولة أو الإنسانية، أو تحل كارثة كما في صندوق باندورا، حيث تتطايرت الشرور بعد فتحه، ليرتهن مصير البشرية بتجميع الشظايا المتناثرة وإعادتها للصندوق بغية إعادة الطمأنينة واسترجاع الدولة المثالية. ولا زالت الميثولوجوجيا اليونانية بصورتها الطوباوية بهذا المعنى، فكرة الوحدة المهشمة ومحاولة استعادتها، تتجسد تيارا مركزيا في عموم الفكر الغربي.

وبالعودة إلى الأجوبة الصحيحة للأسئلة المركزية، يقر أشعيا أن البشر لا زالوا عاجزين عن امتلاك مثل هذه المعرفة، بعض المفكرين المسيحيين ” الفكر الديني عموما” يرون أن الخطيئة الأصيلة تحول دون حصول الإنسان على مثل هذه المعرفة، لأننا ذقنا طعم الفاكهة شجرة المعرفة  التي قضي علينا عقابا لنا أن تظل ناقصة طيلة حياتنا على الأرض. وربما سنحصل عليها كلها يوما ما، قبل فناء الجسد أو بعده، وقد يظل الإنسان جاهلا أبد الآبدين، لأن عقله أضعف من أن يقدر على اجتياز تلك المعرفة.

وفي تفصيله لمعنى النقص في الفهم، يستطرد المؤلف، شارحا لمقولة أنه لن يتسنى فهم معنى النقص ما لم نتصور شيئا كاملا، قارن مثلا عالمنا المحفوف بالصراع والبؤس والوحشية والرذيلة بعالم أكثر كمالا، إنها الهوة التي تفصل عالمنا الذي هذه صورته بعالم الكمال. وفي رحلة البحث عن المصدر الذي نستقي منه الأجوبة، تأخذ العقائد والنظريات الإنسانية بالظهور، فالبعض يقر أن الحقائق يمكن العثور عليها في الكتب المقدسة، عند الأنبياء أو القساوسة، وعلماء الدين الذين يحق لهم تأويل تلك الكتب أو تفسيرها. آخرون يقرون أن المعرفة الدقيقة بالطبيعة وحدها القادرة أن تفضي إلى الأجوبة الصحيحة من خلال الملاحظة والتجريب وتطبيق الأساليب المنطقية والرياضية. وبالمقابل تبرز فكرة ناقدة لهذه المدرسة أو التفسير، يبحث فحواها في مسألة عجز العلم في الإجابة عن كل الأسئلة التي نرغب في طرحها، ليرد أنصار المدرسة الرياضية والمنطقية بأن عجز العلم عن التفسير نابع من قصور في المنهج، وكلما أدخلنا تحسينات على منهجيتنا، فإننا نعرّض أنفسنا لملاقاة نتائج أفضل. بالمقابل ثمة من يرى أن الخبراء ذوي الخبرة وحدهم الذين يعرفون. أو أن من لديهم رؤية صوفية أو تبصر ميتافيزيقي هم الأقدر على استكشاف الحقائق، في . وهاك من ينكر هذه التفسيرات مجتمعة ليقرر أن الحقائق الكبرى في متناول الجميع، كل من يستبطن وجدانه وروحه سوف يفهم نفسه والمحيطين به، وسوف يعرف كيف يعيش وكيف يسلك السلوك القويم. وكل طرف من هذه الأطراف يفترض أن قدرته أو مهارته هي السبيل الوحيد لمعرفة الاجابة الصحيحة، التي غدت بفضل هذا التنازع بمثابة الكنز المفقود.

والسبيل الذي يرتأيه برلن، وفقا لاستخلاص مجمل طرحه الفكري، فيكمن بالدرجة الأولى بوجود حقائق كلية تصدق على جميع البشر في كل الأمكنة والأزمنة، حقائق يتم التعبير عنها في شكل حقائق عامة. الجميع يبحث عن الطعام والشراب، المأوى والأمن، كلهم يرغبون في أن يكون لهم نسل وينشدون إقامة علاقات اجتماعية ناجحة، وإقرار العدالة وقدرا من الحرية وسبلا للتعبير عن أنفسهم. قد تختلف الوسائل التي تبلّغ هذه الغايات، بيد أن الغايات تبقى ثابتة. ولا يعول ازيا كثيرا على الرؤية الذاتية للنفس كما في التجربة النازية مثلا. وإنما يعول على المجتمعات التي تتميز  بتركيب اجتماعي مفتوح، التنوع فيها ليس متاحا فحسب، بل يتم استحسانه وتشجيعه. التطور الأكثر ثراء للإمكانات البشرية لا يحدث إلا في مجتمعات تتنوع فيها الآراء إلى حد كبير( يسميه الفيلسوف جون ستيوارت مل التجريب في العيش)، حيث حرية الفكر والتعبير، وحيث تتصارع الآراء والرؤى ويسمح بالاحتكاك وحتى الصدام طالما كانت هناك قواعد تحكم دون الهدم والعنف.

ومن ضرورات معرفة الإجابات الصحيحة ومستلزماتها القبْلية، فلا بد هنا من معرفة الذات، ومعرفة الذات تستدعي بالضرورة دراسة التاريخ، هذه الدراسة التي يستغرق الإنسان فيها على نحو شغف كلما تنوعت التفسيرات؛ ناقش نيتشه بعضا منها: بدءا من العجب والرغبة في تمجيد انجازات القبيلة، الأمة، العرق، الطبقة أو الحزب…وانتهاء بالاعتقاد أن الأسلاف وحدهم الذين تلقوا الوحي بغايات الحياة الحقيقية. فيما يرى آخرون أنه لمعرفة ذواتنا وكيف أصبحنا على ما نحن عليه، فلا بد من معرفة أسلافنا، ماذا فعلوا وما هي مترتبات نشاطاتهم؟. وبالإضافة إلى النشاط البشري، هناك فكرة الثقافة ذاتها، الأنشطة التي يقوم بها أعضاء أي جماعة: الأديان، الفنون، العلوم والعادات، اللغة، فضلا عن الأساطير والسلوكيات ذات الطابع الشعائري، كلها قضايا تدرس وتبحث لذاتها لمعرفة ما هو عليه إنسان اليوم.

التعددية الثقافية هو محور الفصل الثالث من الكتاب، فعلى إثر استعراض سريع لأبرز الأعمال المتخصصة في المجال، يرى أشعيا أن الأب الحقيقي لهذا المفهوم العلمي في الثقافة الحديثة هو الفيلسوف والمؤرخ الأيطالي جامباتستا فيكو، الذي قدم واحدا من أهم الكتب في عصره – الربع الأول من القرن الثامن عشر – الذي صدر تحت عنوان ” مبادئ علم جديد في الطبيعة المشتركة للأمم” الذي يعد إلى الآن مرجعا لعلماء مهما لعلماء الاجتماع الأنثروبولوجيين، الذي يحاولوا فهم سلوكيات واستعارات بشرية، وعلى وجه الخصوص القبائل البدائية. هذه المكونات الاجتماعية كان ينظر إليها باعتبارها كائنات غير عقلانية، برابرة صبيانيين، فلم يقوموا بفهم أساطيرهم وشبيهاتهم واستعاراتهم واعتبروها هراء. فيما بحث منهج فوكو عن السبل الممكنة لولوج هذا العالم، من خلال النظر بأعينهم، عملا بالمقولة الفلسفية:” إن الإنسان في آن واحد، ذات وموضوع لنفسه” وعليه اعتبر أن هناك روابط إنسانية ووشائج قربى تربطنا بهذه المجموعات.

يخلص فوكو إلى إقرار حقيقة أن التاريخ البشري من صنع البشر أولا وأخيرا، وبذا فمن الضروري أن لديه القابلية لأن يُفهم كاملا عبر الولوج في عقول الأسلاف، الذين عرفوا كما عرفنا معنى الحب والكره، الخوف والرجاء، الحاجة والصلاة، الحرب والخيانة والتمرد. غير أن لولوج عقول البدائيين اشتراطات، أولها أن تكون لدى الباحث ملكة التبصر الخيالي، أو موهبة ما أسماه “الفانتازيا” بمعنى تناول المواضيع على نحو غير مألوف.

في فصل خصصه برلن للفيلسوف والكاتب الفرنسي جوزيف دي ميستر، وهو من الأسماء التي لمعت في أوروبا مع نهاية القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر، تناول الجانب الأكثر إثارة لهذا الفيلسوف من خلال استعراض صيغته المحددة حول أفضل سبل حكم الإنسان، والصيغة التي تناول من خلالها الثورة الفرنسية باعتبارها من الأحداث الفريدة في التاريخ الإنساني، لأنها كانت الانقلاب الأكثر نقاشا لشكل الحياة في الغرب منذ قيام المسيحية فيه. تحدث عنها البعض باعتبارها تغييرا مفاجئا عنيفا وتفشيا مباغتا للجنون الجماهيري، وعاصفة رعدية غامضة جرفت أسس العالم القديم، هكذا رآها الملكيون الأكثر تعصبا. ولكن بالنسبة للإيديولوجيين من الطبقة المتوسطة ولكل الرجال من أية طبقة كانت، فان الثورة الفرنسية كانت، في بداياتها على الأقل، الخلاص الذي طال انتظاره، النصر الحاسم للنور على الظلام، المرحلة التي سيبدأ فيها البشر على أقل تقدير في السيطرة على أقدارهم. لكن الثورة لم تأت بالنتائج المرغوبة، وفي السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر تبين للملاحظين التاريخيين المحايدين، ولدى ضحايا العصر الصناعي الجديد، أنه لم يتم التقليل من مجمل البؤس الإنساني بعد وقوع هذا الحدث وعليه جرت عدة محاولات من جهات متعددة لتحليل هذه الأوضاع.

الليبراليون ينحون باللائمة في كل ما حدث على الرعب وحكم الرعاع وتعصب قادتهم الذين أطاحوا بالاعتدال والعقل. لقد كان البشر على مرمى حجر من الحرية والرخاء والعدالة، لكن عواطفهم الجامحة أو أفكارهم الخاطئة أدت إلى أن يضلوا الطريق. الاشتراكيون والشيوعيون اختلفوا مع هذه الرؤية حيث أكدوا إلقاء اللوم على عدم الاهتمام بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية. الصوفيون والتنويريون تحدثوا عن الفشل في الفهم وفي التآلف مع القوى الروحية الخفية التي تحكم أقدار البشر.

لعقل ميستر في تعاطيه مع الثورة الفرنسية خصوصية، لجهة بروزه ناقدا عنيفا لكل شكل من أشكال الدستورية الليبرالية، علما بأنه كان من أشد الملتزمين بالنظرة الليبرالية ليغدو بعد الثورة مؤمنا بإلوهية السلطة والقوة، وخصما عنيدا للتنويريين. لقد اختار موقعه ولم يكن عنده استعداد للتنازل عنه قيد أنملة. وبدلا من قيم مثل: التقدم والحرية والكمال الإنساني، أخذ يعظ بالخلاص عن طريق الإيمان والتقاليد. وبدلا من العلم دعا إلى أولوية الغريزة والحكمة المسيحية والتحيز لخبرة الأجيال. أنكر وجود أي معنى للتجريدات والحق الطبيعي، ونافح بقوة عن مذهب الحق الإلهي للملك سيء السمعة. لقد بحث ميستر عن الإجابة في الدين الملهم والموحى به، واعتبر كل حكومة مؤسسة على قانون مستقر ثابت، حكومة مؤسسة على اغتصاب امتيازات المشرِع الإلهي، وفقا لذلك فان جميع الدساتير بنظره سيئة لهذا السبب.

يشبِه مذهب ميستر إلى حد كبير هجمات المدافعين عن أحادية التفسير الديني بوجه التيارات العقلانية، وهناك نقاط التقاء عديدة بين طروحاته الفكرية والتنظيرات المتشددة التي تحاول أكثر من مدرسة سلفية في مطقتنا العربية تعميمها في هذه الآونة، وتتزايد أوجه الالتقاء خاصة في الجانب الذي لا يرى في أي جهد بشري وعلى وجه الخصوص في الأبعاد التشريعية أو القانونية إلا باعتبارها تعديا على الحق الإلهي، إضافة إلى اعتبار الظلامية والتقليل من شأن حيوات الناس في سبيل تحقيق هدف سام، اعتبارها كلها فضيلة مبرأة من كل خطيئة. أما التأثير الزمني الأقرب لنظرية ميستر فكان من خلال هذا التأثير المهيمن على عدد من الأفكار الرجعية الظلامية، وعلى وجه الخصوص على الأفكار الفاشية. ووفقا لهذا الطرح المتشدد فان مفهوم الثورة لدى ميستر هي أسوأ الشرور، إنها عملية إلهية صممت لمعاقبة الشر ولتجديد طبيعتنا الساقطة عن طريق الألم والمعاناة. هذا العقاب هو استحقاق لامتناع البشر عن الاعتراف بالسلطة الشرعية، الكنيسة والملكية الإلهية، والبديل لعدم الاعتراف هذا هو الوقوع تحت نير طغيان الشعب، الذي هو أسوأ من كل شيء.

كان ميستر أول كاتب غربي يؤيد بصراحة سياسة الاستبداد باسم الدين وسياسة العرقلة المتعمدة للآداب والعلوم والتشريع، وكبت القيم والمفاهيم الثقافية التنويرية. لكنه قُدر للقرن العشرين، والقرن الحالي الذي لا زلنا في مطلعه، أن يرى ازدهارا تطبيقيا لهذا المذهب الشرير.

وفي الفصل الأخير من الكتاب، يناقش أشعيا بزوغ النزعة القومية التي ترجع أصولها إلى بداية القرن الثامن عشر. فهو من جهة يعرض أفكاره لجهة أن النزعة القومية تؤجج حالة للوعي القومي، وأن هذا التأجيج قد يكون تسامحيا ومسالما، وكان كذلك بالفعل في بعض الأحيان؛ لا أنه في العادة لا ينتج عنه سوى جراحات، وشعور جماعي بالخزي. ويرى أن أنصار المذهب العقلاني والليبرالي، يتغاضون عمليا عن النزعة القومية. عندهم القومية مجرد عرض لعوز النضج، بقايا لا عقلانية أو عود نكوصي شطر ماض بربري. كما جرى تفسير بزوغ القومية بأنحاء مختلفة من العالم، بما فيها الدول العربية، باعتبارها ظاهرة عالمية في القرن العشرين، تتجسد من خلالها  الرغبة في الاستقلال الوطني، أو كرد فعل عاطفي وفق نظرية “الأملود الأعوج”، أو الغصن الأعوج، كما هو الحال في قيام دول مثل الباسك أو اسكتلندا. ويتوقع برلن أنه لن يكون مستقبلا بمقدور أية أقلية حافظت على موروثها الثقافي أو الديني، أو على خصائصها العرقية أن تقبل إلى الأبد أن تظل تحت إمرة أغلبية ذات رؤى وعادات مختلفة. يبدو أن الشعور المركزي بالقومية معززا بالضغائن العرقية وفي العاطفة الجمعية العنيفة يتنامى ويفاقم من المشكلة مع وجود مظاهر مثل المذابح الجماعية وشبه الجماعية التي حدثت عيانا على أسس قومية أو عرقية.

الراهن أن النزعة القومية تشجع الثورة على الطبقة الحاكمة، إنها تعبر عن الرغبة المحمومة عند من لم يتلقوا الاحترام الكافي في أن ينزلوا مكانة لائقة ضمن ثقافات العالم. الجانب المدمر والوحشي من القومية المحدثة لا يحتاج إلى فصل بيان في عالم يمزقه الإسراف في المشاعر القومية، وينبغي ألا يساء فهم هذه المشاعر.

خلاصة الخلاصة تستدعي تقرير أن هناك وجها مشرقا للمذهب الذي يناصره برلن، إنه يحذرنا من أن حقوق الإنسان المتجذرة في معنى كونه انسانا، حرية البشر بوصفهم أفرادا ذوي إرادات ومشاعر وعقائد ومُثل وأنماط حياة خاصة، قد ضاعت في غمرة حسابات ” العولمة” – الفترة التي وضع فيها كتابه – وضاعت في سياق التقديرات الهائلة التي ترشد برامج مخططي السياسات ومنفذي العمليات العملاقة.