سُنَنِية رسالة موسى عليه السلام ج2 

لـ

 

 في الحلقة السابقة ذكرت أن عصا موسى وصفت بأنها: (حية تسعى) و(ثعبان مبين)، وقد قَرأتُ هذه الكلمات في بيئتها القرآنية الكونية، فـ(حي/حية) عبر بها القرآن عما له نفس وما ليس له نفس، و(ثعبان) هو كل ما يثعب، وهو معنى معروف شائع في الجمع اللغوي.

الخطأ الذي وقع فيه التفسير من قديم هو قراءته هذه الكلمات القرآنية بأعراف وتقاليد المجتمعات، وهذه ظرفية زمنية لا يمكن أن تعبر عن الطبيعة الكونية للقرآن، فـ(حية تسعى) و(ثعبان مبين) قرئت على أنها الأفعى الزاحف المعروف، رغم أن ذلك لا يتطابق مع منطق وطبائع الأشياء، لكنهم تخطوا ذلك تحت عنوان المعجزة الخارقة للعادة، وهو منطق لا يُعرف في القرآن.

عصا موسى بتعبير القرآن آية، فهي تمظهر كوني قائم على العلم والمعرفة كالشمس والفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، والنظرية التي أراها أن العصا آلة ميكانيكية تسعى وتثعب وتلقف الحبال والعصي، وكان لها دور رئيس في أطوار قصة موسى مع فرعون.

 

-1-

المشهد الرابع في قصة عصا موسى كانت مع قومه بني إسرائيل بعد خروجهم من أرض (مصر) القرآنية: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) البقرة:60، فموسى استسقى لقومه أي قام بتسريع كل ما من شأنه حصول السقيا لهم بسبب الحاجة الملحة للماء.

لذلك لجأ إلى استعمال عصاه المتعددة الأغراض، فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، والتعبير بالضرب في غاية الدقة في تصوير عملية استخراج الماء من الحجر، فالضرب هو تمظهر نهائي لضغط متواصل.

في القرآن:

– (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) البقرة:26

في الآية؛ ضرب المثل تمظهر نهائي لضغط متواصل من البراهين والحجج المختزنة في الأمثال.

– (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) آل عمران:112

ضرب الذلة والمسكنة؛ هو تمظهر نهائي لضغط متواصل عليهم بشتى الطرق والوسائل حتى اتخذ اجتماعهم البشري أشكالاً متعددة من الذلة والمسكنة.

– (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ) النساء:94

(ضَرَبْتُمْ) تمظهر نهائي لضغط متواصل من شتى أصناف السعي في سبيل الله (العمل-الاختلاط بالناس-تدافع الأفكار والممارسات…الخ).

(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء:34

ضرب النساء اللاتي تخافون نشوزهن؛ هو تمظهر نهائي لضغط متواصل من الرجل على زوجه لحل مشكلة النشوز، وهذا الضغط يتميز بخاصيتين هما:

  1. الملاءمة: فلكل إشكال تسبب في النشوز ما يلائمه من الضرب، فالجهل ضربه بالتعليم، والمشكلات النفسية ضربها بالعلاج، وتقتير النفقة ضربها بتوسعتها، وجفاء العلاقة ضربها بالود والألفة…الخ.
  1. الشرعية: لا بد أن تكون طريقة الضغط في الضرب مشروعة في ذاتها.

(ضرب) في الجمع اللغوي:

الضرب معروف، والضَّرْب مصدر ضَرَبْتُه؛ وضَرَبَه يَضْرِبُه ضَرْباً وضَرَّبَه.

وضَرَب الوَتِدَ يَضْرِبُه ضَرْباً: دَقَّه حتـى رَسَب فـي الأَرض.

وضَرَبَ الدِّرْهَمَ يَضْرِبُه ضَرْباً: طَبَعَه.

ورجلٌ ضَرِب: جَيِّدُ الضَّرْب.

وضَرَبَت العَقْربُ تَضْرِبُ ضَرْباً: لَدَغَت.

وضَرَب العِرْقُ والقَلْبُ يَضْرِبُ ضَرْباً وضَرَباناً: نَبضَ وخَفَقَ.

وضَرَب الجُرْحُ ضَرَبانا وضَرَبه العِرْقُ ضَرَباناً إِذا آلَـمَهُ. والضَّارِب: المُتَـحَرِّكُ. والمَوْجُ يَضْطَرِب أَي يَضْرِبُ بعضُه بعضاً. وتَضَرَّب الشيءُ واضْطَرَب: تَحرَّكَ وماجَ.

وضَرَب فـي الأَرضِ يَضرِبُ ضَرْباً وضَرَباناً ومَضْرِباً، بالفتـح: خَرْجَ فـيها تاجِراً أَو غَازِياً، وقيل: أَسْرَعَ، وقيل: ذَهَبَ فيها، وقيل: سارَ فـي ابتَغاءِ الرزق (محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، مادة “ضرب” ).

من كل هذه المعاني الكثيرة للضرب؛ يظهر أن الجذر (ضرب) يكاد يحل محل أي فعل في أدائه المعنى المراد، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: (الضرب يقع على جميع الأعمال) الخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، مادة (ضرب).

وعليه فإن (اضْرِب بِّعَصَاكَ) في الآية (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) البقرة:60 هو تمظهر نهائي لضغط متواصل بأداة العصا، وهذا التمظهر يتخذ أشكالاً شتى، فيمكن أن يكون حفراً أو قصاً أو أية عملية أخرى، وهذا متناسب مع الطبيعة الميكانيكية التي افترضناها للعصا.

 

-2-

المشهد الخامس في قصة عصا موسى هو مشهد انفلاق البحر، وهو أشدها وأكثرها غرابة في تصور كثير ممن قرأوا القرآن:

– (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) طه:77-79

– (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ) الشعراء:61-67

ومما ورد في تفسير هذه الآيات (عن ابن عباس قال: لما انتهى موسى إلى البحر وهاجت الريح العاصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الريح وإلى البحر أمامهم قال أصحاب موسى: إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين).

(عن السدي؛ فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم؛ يقول: كالجبل العظيم. فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط وكان الطريق كما إذا انفلقت الجدران فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا. فلما رأى ذلك موسى دعا الله فجعلها قناطر كهيئة الطيقان، فنظر آخرهم إلى أولهم حتى خرجوا جميعاً).

نصوص التفسير تدل على أن البحر في آيات عصا موسى هو المسطح المائي المعروف، وقد انفلق إلى اثني عشر طريقاً عندما ضربه موسى بعصاه، فكاد كل فرق كالطود العظيم، فعبر منه بنو إسرائيل.

(فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ) قلت فيما سبق إن ضرب البحر بالعصا هو تمظهر نهائي لضغط متواصل بأداة العصا، وهذا التمظهر يتخذ أشكالاً شتى، فيمكن أن يكون حفراً أو قصاً أو أية عملية أخرى، وهذا متناسب مع الطبيعة الميكانيكية التي افترضناها للعصا.

والسؤال الأهم في هذه القصة عن طبيعة البحر الذي ضُرِب بالعصا، تذهب كل النظريات القديمة في كتب التفسير أن المقصود بالبحر هو المسطح المائي المعروف، والذي أراه أن كلمة (البحر) في القرآن غير محصورة في المسطح المائي المعروف، بل معناها أوسع من ذلك.

ومما يدل على أن (البحر) له دلالة أوسع من المسطح المائي؛ سياق الآيات (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) طه:77-79 فموسى قد ضرب البحر بعصاه، لكن غشى فرعون وجنوده (اليم) وليس البحر، فإذا كان البحر هو المسطح المائي الذي انفلق بفعل ضرب العصا فالمنطقي أنه هو ما أغرق فرعون وجنوده، لكن القرآن في آيات عديدة يصرح بأن هلاك فرعون كان بفعل (اليم) وليس (البحر):

(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) القصص:40

(فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) طه:78

(فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) الأعراف:136

بداية حل هذا اللغز المحير تبدأ من قراءة كلمة (البحر) التي تقابلها كلمة (البر)، في القرآن (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الإسراء:70، دلالة (البحر) في القرآن لا تنحصر في المسطح المائي المعروف، بل تدل على الفضاءات المتسعة الخالية من بري البشر كالصحاري والمسطحات المائية والفضاء الخارجي؛ فهذه كلها يصح إطلاق كلمة البحر عليها، أما كلمة (البَّر) فتعني المناطق التي تعج بانبثاق البشر في بري معيشتهم.

وبعض من هذا المعنى معروف في الجمع اللغوي:

البحر: سمي به لاستبحاره وهو انبساطه وسعته وتقول استبحر في العلم

قال اللّيثُ: سمي البحرُ بَحراً لاستبحاره، وهو انبِسَاطُه وسعَتُه.

يقال استبحَرَ فلانٌ في العلم.

وتبَحَّرَ الراعي في رعْي كثيرٍ، وتبَحَّر فلانٌ في العلم.

وتبحّر في المال، إذا كثرَ مالُه (محمد الأزهري، تهذيب اللغة، مادة “بحر”)

الذي أراه أن البحر في قصة موسى عليه السلام هو فضاء متسع خال من البري البشري، والأقرب أنه إما: بحر من الحجارة أو بحر من الرمال أو خليط من الاثنين، وهذا البحر فُرِق وانفلق بفعل أمرين:

  1. الجهود البشرية لبني إسرائيل في العمل على فرق البحر لئلا يطبق عليهم فرعون وجنوده (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) البقرة:50، ففرق البحر كان ببني إسرائيل أي بجهودهم، ولم يقل “فرقنا لكم البحر”.

وهذا المعنى لم يشر إليه أحد بحسب علمي، لأن فكرة المعجزة الخارقة للعادة سيطرت على المفسرين، وغابت عنهم فكرة أن فرق البحر كان جهداً بشرياً سُننياً.

  1. دور عصا موسى، وهي كما أسلفنا آلة ميكانيكية؛ ضرب موسى بها بحر الرمال أو بحر الحجارة أو الخليط منهما؛ حفراً وإزاحة، فكانت النتيجة أن صار كل فرق من البحر الذي ضربه بعصاه كالطود العظيم؛ والهدف من ذلك هو صنع طريق يبسٍ في البحر عبرت منه مجموعات قبيلة بني إسرائيل وعرباتهم ومعداتهم…الخ.

 

-3-

الأسئلة التي يجب أن تُطرح:

لماذا قام موسى وقومه بفرق البحر؟

ولماذا ضرب موسى البحر بعصاه؟.

الجواب أن هذا البحر لم يكن ممكناً عبوره، وهذا ما يدل عليه سياق الآيات (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) البقرة:50، فحاجتهم إلى فرق البحر بجهودهم البشرية دال على صعوبة أو عدم إمكان عبوره، لذا احتاجوا إلى فرقه بجهودهم وضرب موسى البحر بعصاه.

  1. النظرية الأكثر شيوعاً أن البحر الي فرقه بنو إسرائيل وضربه موسى بعصاه هو بحر المياه، وهذه النظرية لا أرى صوابها، لأن بني إسرائيل بجهودهم البشرية الطبيعية وفق طبيعة ذلك الزمن غير قادرين على فرق طريق في المياه، خاصة وأن الوقت اللازم لهذه العملية لم يكن طويلاً في أحسن الافتراضات.
  2. لذلك أتصور البحر الذي فرق وانفلق بأنه إما: بحر من الحجارة أو بحر من الرمال أو خليط من الاثنين، وهذا البحر كان عائقاً لبني إسرائيل لعبورهم مع أغراضهم ومعداتهم التي يحتاجونها لبدء حياة جديدة بعيداً عن فرعون وقومه.

وسواء كان البحر: بحرَ حجارة أو بحرَ رمال أو خليطاً منهما؛ فقد ضربه موسى بعصاه فانفلق، وهذا الضرب بالعصى في:

بحر الحجارة: يكون باختراقها وتفتيتها؛ بافتراض أنها آلة ميكانيكية

بحر الرمال: يكون بإزالتها، بذات الآلة الميكانيكية

خليط الرمال والحجارة: يكون باختراق وتفتيت الحجارة وإزالة الرمال (انظر: أشكال (1، 2) )

الجزء الباقي من معادلة (العصا/البحر) هو أن فرعون وجنوده غشيهم وأغرقهم (اليم) وليس (البحر)، وهي دلالة قلما ينتبه لها أحد لغياب الانتباه للسان القرآن ونظامه، لنرتب الأحداث من البداية:

  1. فرق البحر بجهود قوم موسى (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) البقرة:50، ضرب موسى بعصاه البحر فانفلق (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)
  1. عبر قوم موسى الطريق اليبس الذي فرق بحر (الحجارة، الرمال، الخليط من الاثنين) بجهود قومه وضرب العصا:

(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى) طه:77

  1. هلك فرعون وجنوده عندما غشيهم اليم/غرقوا في اليم؛ ولكن لم يغرقهم البحر

(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) القصص:40

(فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) طه:78

(فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) الأعراف:136

 

في القرآن أن فرعون وجنوده غرقوا في اليم، مع أن الآيات التي قبلها تذكر ضرب موسى البحر بعصاه، مما يدل على أن اليم ليس هو البحر، السؤال: ما هو اليم الذي غرق فيه فرعون؟ وما علاقته بالبحر؟.

سبق أن قلت: إن البحر فضاء متسع خال من البري البشري، والأقرب أنه بحر من (الحجارة، الرمال، الخليط من الاثنين) فرقه قوم موسى بجهودهم بالإضافة إلى دور عصا موسى في فلقه، من هنا عبر قوم موسى الطريق اليبس الذي فُرق وفُلق، فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم، وغشيان اليم كان سبباً في غرقهم فيه.

ما هو (اليم) إذن، وما العلاقة بين (غشي/غرق)؟.

ذُكِر (اليم) في قصة أم موسى: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ) طه:38-39، والأقرب أنه مسطح مائي ليس بتلك الدرجة من الاتساع، فيطلق على أشكال عديدة من المسطحات المائية كالبحيرات والأنهار الصغيرة والأودية، وكانت أم موسى قد قذفته في اليم عندما كان صغيراً.

واليم الذي غرق فيه فرعون وجنوده وثيق الصلة ببحر (الحجارة، الرمال، الخليط من الاثنين)، فبعد فرق وفلق البحر تكشف اليم الذي غرق فيه فرعون وجنوده، وتكشف اليم بعد فرق وفلق البحر يضعنا أمام نظريات منها:

  1. النظرية الأول: (اليم) عبارة عن رمال متحركة (quicksand) كشفها الفرق والفلق، والرمال المتحركة خليط من المياه والرمال، تظهر صلبة ولكنها تتحول إلى متحركة وغير ثابتة عند تعرضها لأي تأثير، وتنهار الرمال وتكون متحركة متى تعرضت لقوى خارجية مثل التحميل عليها أو مرور أشياء ثقيلة عليها أو اهتزازات أو ارتفاع في منسوب المياه الجوفية؛ حيث يؤدي ذلك إلى انهيار قوى الاحتكاك بين الحبيبات بالكامل.
  1. النظرية الثانية: (اليم) عبارة عن مياه خرجت وتدفقت من جوف الأرض بفعل الفرق والفلق، غشيت فرعون وجنوده عندما أرادوا العبور وأغرقتهم.

 

 

0 616 13 فبراير, 2017 العدد الحادي والثمانون, ثقافة وفكر فبراير 13, 2017