غاية السعادة – فلسفة ومعنى الحياة

لـ

الكتاب: غاية السعادة فلسفة ومعنى الحياة

المؤلف: شمعون أزولاي *

 اللغة : العبرية

المصدر : http://readbooks.co.il/end-of-happiness/

 

كتاب “غاية السعادة – فلسفة ومعنى الحياة” بقلم  ד”ר שמעון אזולאי دكتور شمعون أزولاي،يدعو القارئ إلى دراسة الأفكار الفلسفية التي توجد في صميم حياتنا، واللغز الذي يحيط  بمسألة المعاني والسعادة و يسعى هذا الكتاب إلى تقديم مقاربة كاملة ومتماسكة لمسألة معنى الحياة وغيرها من المسائل التي ينطوي عليها، ويقدم رؤية تحررنا من الأوهام و البؤس وتؤدي بنا إلى المسار الفريد الذي يسمح ببناء حياة ذات معنى وقيمة، و أيضا في النهاية قد يكون هذا المسار السعادة البعيدة المنال والوهمية، ومن بين الأفكار التي يثيرها الكتاب سعى دكتور شمعون أزولاي إلى الاستعاضة عن مفهوم السعادة بمعنى المصطلح، فمفهوم السعادة أمر خطير ويقود الإنسان إلى حياة خالية من الإحباط وعدم الرضا، حيث لا يمكن أن تتحقق هذه المثالية ويقدم الكاتب نماذج ذات مغزى يسعى فيها إلى الاستعاضة عن هذا المفهوم.

وفى نقاش دار حول ماهية اتخاذ القرار البشرى يذكر المؤلف  بوضوح:  لا السعادة، ولا المال، ولا الجنس ولا السلطة لكن المغزى أو المدلول أو المعنى المرتبط بالتواصل بين الإنسان والدائرة المحيطة والآثار التي يتركها الإنسان في هذه الدائرة. الحب بهذا المفهوم هو الانجذاب الأول والأساسي جدا، وقد دار نقاش مهم هنا حول الحب وثمنه، فالحب هو قرار بشأن المغزى ذاته ، وهو القرار الشخصي للتقليص من حجم نفسه أو للتخفيف عن نفسه، وهي رحلة الإنسان ليترك نفسه دون أن يتمكن من العودة إلى نفسه، العملة الرئيسة هنا ليست “السعادة” إنما مفهوم الحب الذي هو غير السعادة. ويعرض المؤلف نماذج للمعاني ، ويذكر أن هذا الكتاب ليس نموذجا  للفانتازيا ولكنه نموذج عقلاني، ليس هناك اكتشافات رائعة من أجل السعي لبناء حياة ذات معنى على هذه الأرض، كما يقترح رفض نموذج المثالية –الأنانية أو الأنا الأبيقُوري الذي يسعى للشهرة حيث يعزز الأناني التجربة الشخصية ” وما يشعر به” ويقلل كل قيمة ومحتوى، ويقترح الكاتب نموذجا للحوار يركز على ما سيقوم به الإنسان وليس على ما يشعر به، ويرفض اتباع كل نهج العصر الجديد الذي يضم  حلولا سحرية الإنسان بلا معنى

توجد علاقة عميقة بين المفهوم الذي يقدمه الكتاب وبين ازدهار الشبكات الاجتماعية والانترنت؛ فيقول إنهم يدركون الواقع دون وعى أو معرفة ، ويشيرون إلى المثالية والمثل الأعلى، إلا أنه يوجد هناك تغيير عميق في مفهوم الخصوصية تحديدا، وبعبارة أخرى خلافا لما يعتقد أن الثورة الافتراضية (الانترنت) لا تؤدى إلى الهروب من الواقع أو الأنوية ( الأنا) ولكن إلى الحوار وإصلاح العالم، و الخوف من فقدان الهوية هو مثل قديم فقد ماتت الهوية ونحن أحببنا ذلك.

ويطلب الكاتب استعادة الفلسفة لمكانها الصحيح (كما كانت دائما) ليس بوصفها مسألة أكاديمية غير متصلة إنما كطريق حياة يمكن أن تؤدي إلى الإنسانية والمشاركة في  الخلاص والإصلاح، ويقدم الكتاب إجابات عن المشاكل والأسئلة الفلسفية الكبرى التي تهتم بنا، ونحن بحاجة لاتخاذ قرار بشأنها(في قرارنا حول القضايا المركزية مثل الحقيقة، والله، ومصادر المعاناة وحالات الألم وما إلى ذلك). ويناقش في نهاية الكتاب مسألة الأبوة والأمومة والإنجاب والأسباب المنطقية للإنجاب ويحاول الكاتب إظهار الأسبابالجيدة بما فيه الكفاية لمثل هذا القرار المثير، ويبدو كتاب “غاية السعادة” متشائما، ولكن الأمر ليس كذلك حيث يتحدث المؤلف مطولا عن الفرق بين التشاؤم والتفاؤل، ويؤكد الحاجة إلى التفاؤل، فهي في الواقع قرار أخلاقي مهم من الدرجة الأولى ولا تتعلق بمسألة الظروف الشخصية

يقول الكاتب في مقدمة كتابه:  أنا أعمل في الفلسفة ولدي تحفظات حول القول “إنني فيلسوف”، إن لم أكن أتجنبها تماما، ويبدو لي أن هذا يتطلب درجة من التواضع نوعا ما أمام جهود هذا اللقب، ومن الصعب بالنسبة إليّ بعض الشيء أن أتخيل نفسي كمواطن له حقوق متساوية في مدينة الأفكار التي فيها تحرك كبار الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو وكانط ،فمنذ تشبثي بالفلسفة أو بتعبير أدق، تعلقي بها أصبحت جزءا أساسيا منى، وعندما يتحدث فيتجنشتاين عن الفلسفة كنوع من المرض الذي يصعب الشفاء منه أحيانا أحصل على شعور أنه قد لا يكون مخطئا في هذا المعنى، فبالنسبة إلي هذا المرض غير قابل للشفاء.

عندما أقول إنني تعاملت مع الفلسفة فهذا يثير دائما ردود فعل غريبة يصاحبها دائما سوء فهم أساسي حول طبيعة الفلسفة وعن قيمتها وممارسة الفلسفة نفسها، والتحفظات حول العلاقة مع هذا المجال الغريب ابتداء من الدهشة إزاء الوقت الضائع، ، الكفر ، والازدراء، ومهما كانت طبيعة ردة الفعل  فأنا لا أعرف تعريفا جيدا بما فيه الكفاية لجوهر الفلسفة، ولست متأكدا أن من يلتصق بعلاقة وثيقة بالفلسفة يستطيع أن يتجاوب معها حتى إذا لم يكن قادرا على القيام بمعظم العمليات الأساسية المطلوبة للفيلسوف.

يفشل الفيلسوف تقريبا إذا لم يستطع أن يوجد علاقة وثيقة بينه وبين الفلسفة، حتى إذا تعلق بها بشكل غريب مفارق وغير منطقي إلا أنه سيظل غير قادر على شرح الفلسفة والغرض منها إلى أن تشكل جزءا من حياته ولا يستطيع ألا يجعلها تكون جزءا من حياته. في هذا الكتاب أو بالأحرى  في حضوره الحقيقي الوحيد الذي هو الآن فيها شخص ما يقرأ أود أن أنشئ اتصالا بين القارئ والفلسفة، ولكن لا يقتصر فقط على التقارب الفكري، وإنما يكون اتصال حقيقيا لحياته،  وليس لدي أي نية هنا للإبحار في الوصف حول قيمة وأهمية الفلسفة.، كل ما لدي هو أن يرتفع وينمو الأمل من خلال ما هو مكتوب في صفحات هذا الكتاب. الصفحات المكتوبة في الكتاب  ليست دائما واضحة أو جريئة وهى جزء من علاقتي الشخصية الوثيقة بالفلسفة ودورها في ا لحياة.

*************

            عندما بدأت دراسة الفلسفة، سألتني أمي سؤالا أساسيا وهو: ما الفلسفة؟ لقد أتى سؤال أمي من مكان آخر وبنية مختلفة عن جوهر الفلسفة، إنه مكان البراءة الحقيقية والأصالة،حيث هاجرت والدتي من الجزائر ولا تتكلم  اللغة العبرية بطلاقة، وكانت لغتها الرئيسة ذات  لهجة جزائرية مغربية محلية. ولم تعرف الكتابة والقراءة، لكنها استثمرت كل عناصر القوة والدهاء والحكمة العملية من أجل تعليم أطفالها لوعيها العميق بأهمية التعليم في بناء حياة جديرة، ودون تفكير، قلت لأمي أن تعلم الفلسفة هو أن تتعلم أن تكون “معلما للعلمانية”بدا لي بعد ذلك أن هذا الإعداد يأخذ شيئا من جوهر الفلسفة، كما أفهمها، فالعالم الأخلاقي لوالدتي مغمور تماما في الفضاء الديني اليهودي، ولم يتغير حتى اليوم، من خلال هذه العفوية كان الإدراك المباشر للحاخام ودوره في حياة المجتمع، وأعتقد أن دوره ليس بعيدا عن دور الفيلسوف، فلم يكن هناك نية لتعلم قواعد القانون رغم أن  كان هناك فلاسفة رأوا وظائفهم كفقهاء للكابلاه أو القانون والأخلاق ودورها وأحيانا يكون هذا صحيحا، ولكن الإنسان الذي يكرس حياته ووقته لدراسة المواقف والقيم وأساليب الحياة وتكيفها المستمر لتغيير الوجود البشري، وغير المتوقع هذا هو الرجل الذي يكرس وقته لتعلم، بما في ذلك تعلم الخفايا و تبدو أحيانا متعبة للعلمانيين.

أدركت بعد ذلك أن هناك اثنتين من تجارب الحياة : التجربة الدينية والتجربة العلمانية الليبرالية، الفيلسوف هو حاخام العلمانية، الحاخام هو الفيلسوف الديني، فمن الممكن أن يكون جسرا بين التجربة العلمانية في حياتي وتجربة ويلات الحياة الدينية ، فالفيلسوف هو شيء قريب من الحاخام كانت والدتي تتوقع رؤيته. إن غياب الفلسفة في أي مكان يخلق نظرة عميقة مهمة بشكل متناقض كجزء من الفلسفة التربوية: الفلسفة يجب أن يكون لها مكانها حتى لا تزول من الوجود، يجب على الفيلسوف أن ينسى في بعض الأحيان أنه فيلسوف، ويعود إلى العالم، وإلى التجربة وإلى الوجود. فالفلسفة يمكن أن تدعونا لها، ولكن يوجد فيها من المكر والإغواء لإقناعنا بالبقاء بمنظورها لأطول وقت. ينتج هذا المنظور جانب قوي التفوق، وتنتج جديا جانبا إلى جنب المشقة.

إن الحي هو الذي علمني أن نرجع دائما إلى الواقع والتجربة،  فالبقاء في الفلسفة لا يعني أن نعود إلى العالم والوجود، إذا لم يكن كذلك  يمكن أن تجعلنا الفلسفة نشعر بالملل، في أحسن الأحوال بل وفي أسوأ الأحوال القاسية ويمكن أن تعمينا عن حقيقة أننا بشر في محاولة لخلق مخلوق آخر أكثر كمالا، ولكن من المستحيل وفي نهاية المطاف بدون الأخلاق يجب الحفاظ على العفوية للتجربة والوجود، لتصبح جزءا من كل مواقف الحياة وأنها يجب أن تكون جزءا من أي موقف سياسي، اجتماعية أو فلسفية أو لاهوتية وأنا مدين كثيرا بالشكر إلى الحي وإلى كل لحظة من لحظات التحرر الفكري.

ومن أهم اللحظات التي حدثت لي وكنت لا أتوقعها تماما، اكتشاف جمال الفكر الفلسفي ومغزاه ، حيث كنت آنذاك طالبا في بداية المدرسة المهنية في المدرسة الثانوية وكنت في احد دروس الصياغة وكان الدرس جميلا ومملا في حد ذاته، وقف المعلم سابرينا لوينسكيليبدأ الدرس أمام  فئة كبيرة من الطلاب، في حين كان الصوت عاليا بوضوح، وفجأة نسمعا صوتا عاليا وواضحا من المعلم يقول: “أنت سارق! وقد وجه هذا القول إلى أحد الطلاب في الصف، ولم تكن السرقة بالضرورة واحدة من هواياته ، وقف الطالب مذهولا وهو ينظر بخوف وقلق إلى المعلم الذي يقول له “أنت سارق” الذي استمر قائلا : ” أنت سرقت وقتي”.

يقول المؤلف: لقد تمسكت بهذه الجملة حتى اليوم وفى تلك اللحظة أدركت ما الفلسفة. ولم هي في غاية الأهمية؟ فالمنظور الفلسفي يسمح لنا بكسر أنماط التفكير الاعتيادية والتي تكون غالبا مضللة وغير كاملة بشكل عشوائي وجدت لتشويه تصورات العالم، هذه الأنماط قد تعيق العلم وتتسبب في تأخير الثقافة، و في بعض الأحيان، تأخير وتدمير حياتنا لسنوات عديدة، إن قول المعلم سابرينا لوينسكي  يعرب عن سرقة الوقت ومفهوم السرقة، الوقت ليس مجرد شيء محايد فقط فنحن نقيم فيه ونمر من خلاله، يستطيع الزمن أن يكون له خاصية الأخذ والاقتراض وحتى السرقة وفجأة تستطيع العلاقة مع الآخر أن تأخذ بعدا أخلاقيا، وان تفرد وجهة نظر فلسفية وتكون قادرة على تحطيم فضاء الآخر، وتهيئة فضاء جديد في مكانها ، فالتأخير والتعطيل ليس فقط قضية تأديبية، ولكنها قضية أخلاقية، وقد عرفت فيما بعد أن هذا المعلم سابرينا لوينسكي من هواة الفلسفة والذي أصبح لي أول معلم للفلسفة. هكذا فهمت شيئا مهما حول كيفية دراسة الفلسفة: فلسفة التعلم من الفلاسفة وأيضا معرفة فلسفة الاعتراف كوجهة نظر فريدة من نوعها للفلسفة ورفعه في المستقبل القريب و آمل وجود شيء من هذه الروح داخل صفحات كتاب “غاية السعادة”.

يحتوي هذا الكتاب على ثلاثة أجزاء. الجزء الأول يسعى إلى كشف الطابع الفريد للمنظور الفلسفي وإظهار وجودها في حياتنا، في هذا القسم أريد أن أبين ما الشدة التي يتأثر بها الإنسان الذكي في هذا الوقت؟  فالمحنة هي نتيجة للتطورات الوجودية الفلسفية والعلمية والثقافية والاجتماعية قد شكلت مساحة كبيرة داخل وعينا، وفي الجزء الثاني أود الإشارة إلى طريق لإنشاء حياة ذات معنى وفي مساحة محدودة من السعادة، ويتعلق هذا القسم في المقام الأول ببناء الهوية الشخصية ذات المغزى: القيم المعقدة، والعلاقات، والصلات، والتاريخ الشخصي، والظروف الخاصة التي تجعل كل واحد لما هو عليه، ويوجد هذا العنصر فينا وهو الذي يسمح لنا ببناء وإنشاء معنى في حياتنا.

إن العنصر المكمل للهوية الشخصية هو البعد الفلسفي الحاضر فينا وهذه هي الفلسفة الأساسية التي توجد في الجميع، وهي مصدر كل القرارات الفلسفية التي توفر عباءة القيم التي يمكن أن تحدث خلالها أحداث الحياة وقيمتها، وهذا العنصر الأساسي في الجزء الثالث، وبطبيعة الحال هو الجزء الفلسفي للجميع؛ وعلى هذا النحو هناك عناصر نسعى لمناقشتها داخل الحيز الفلسفي، ويطالب المؤلف بقراءة هذا القسم ببطء وبتركيز ، قائلا إنه ليس لي أن أقول إلا ما ذكره الفيلسوف باروخ سبينوزا ” كل شيء عظيم وصعب، هو أمر نادر الحدوث”، ويؤكد الكاتب أن الفلسفة تلعب اليوم دوراً مهما، ولكن معظم الفلاسفة لم يستوعبوا بعد أهميتها الاجتماعية في هذا الوقت، والسبب أن الحجر الأساسي لجميع الأفكار الفلسفية تقف على حافة الهاوية، والدليل على ذلك نجاح الثقافة الغربية التي خاضت معركة حاسمة ومهمة لعدة قرون دعت فيها  إلى الحد من وجود أبعاد غير عقلانية لحياتنا وفى حياتنا الثقافية فتلاشت العناصر الدينية المتشددة ، ودفعت التصوف والخرافات إلى زاوية جانبية، وأصبح العثور على الحقيقة هي العملية المنهجية الخاضعة للرقابة، ولكن اليوم بدأت تظهر مع قوة هائلة وتهدد بإلغاء ومحو إنجازات العقل لمحو منجزات الحضارة وحقوق الإنسان على سبيل المثال ، فلعل “إنتاج” الفكر الفلسفي يكون أكثر أهمية اختبارا حاسما في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم.

يسعى هذا الكتاب ليكون جزءا من هذا الصراع من أجل وجود الفلسفة وازدهارها ، حيث عملت الرأسمالية على ألا يرى الفيلسوف المعنى الكامل لعمله في المجال الثقافي أو النضال من أجل العقل وإيجاد معنى وحماية له ، فعلى الفيلسوف أن يسعى خادما مخلصا للحكمة وازدهارها، وتسعى الهوية الشخصية للعثور على معنى في هذا العالم.

__________

* ד”ר שמעון אזולאי بروفيسور شمعون أزولاي فيلسوف وباحث، أستاذ بقسم الفلسفة في الجامعة العبرية في القدس، وعضو وحدة البحث والتطوير في معهد برانكو فايس.

0 897 02 أبريل, 2017 آفاق فلسفية, قراءات أبريل 2, 2017