قراءة في كتاب “النفعية” لجون ستيورات مِل

لـ

قراءة في كتاب النفعيةلجون ستيورات مِل *

 (1)

لم تبدأ النفعية كنظرية أخلاقية تبحث في الأساس الأخلاقي لأفعال البشر مع جون ستيورات مِل (1806- 1873)؛ بل كانت موجودة كمصطلح utilitarianism  وكمفهوم في أنها نظرية تضع تحقيق أعظم قدر من اللذة الأساس المبدئي التي تقوم عليه، ويعود الفضل بشكل كبير في اشتقاق المصطلح ونقاش الملامح الأساسية للنفعية لجيرمي بنثام ( 1748- 1832) الذي قام بالتقديم لهذه النظرية الأخلاقية في عدد من أعماله إلا أنه عرضها بشكل كامل في كتابه مقدمة في مبادئ الأخلاق والتشريع (1789) (An introduction to principles of morals and legislation) (1) ، اعترضت النظرية النفعية الكثير من الملاحظات الجادة بصيغتها البنثامية، ولأن جون ستيورات مِل هو أحد المؤمنين بها، قام في عام1861 بنشر عدد من المقالات في مجلة Fraser’s Magazine يناقش فيها النظرية النفعية وتهدف إلى عرض النظرية بصورة تأخذ في الاعتبار الاعتراضات الجادة التي واجهتها وقتئذ، وقد أثارت مقالات مِل عدداً من الأقلام التي تنتقد النفعية بالصيغة التي قدمها مِل، وهذا ما دفع مِل في نشر هذه المقالات في كتاب تحت عنوان النفعية(2) utilitarianism   في عام 1863 آخذا في الاعتبار النقد الذي أثارته مقالاته.

(2)

تتلمذ مِل على يد والده الفيلسوف جيمس مِل (1773- 1836) الذي حرص على تربية ابنه تربية استثنائية جادة عمادها الاطلاع والتفاعل مع أبرز نتاجات العقل البشري في وقت مبكر جداً، وقد صنعت هذه التربية من مِل شخصية عقلية صارمة، حتى بلغ مِل العشرين عاماً وهي المرحة التي دخل فيها مِل أزمة نفسية حادة وهي ذات المرحلة التي تعرف فيها على زوجته، واتسمت بدايات هذه المرحلة بالرغبة في الخروج عن هيمنة الأب الفكرية والأدبية، ونشر في  هذه الفترة كتاب “نسق في المنطق” A system In Logic (1843) وكتاب مبادئ الإقتصاد السياسي principles of political economy  (1848)، أما المرحلة الأخيرة من حياته فابتدأت برحيل زوجته في عام 1858 وحتى وفاته بفرنسا عام 1873، وفي هذه الفترة نشر كتابه عن النفعية وآخر عن الحرية 1859، استعباد النساء 1868 ، اعتبارات حول الحكومة التمثيلة، وبعد وفاته نشرت سيرته الذاتية التي كتبها بنفسه بالإضافة إلى مقالات له حول فلسفة الدين (3).

(3)

يقرر مِل في معرض توضيحه لمفهوم النفعية بأن “الأفعال تكون خيرة بقدر ما تتوق لتحقيق السعادة، وتكون سيئة بقدر ما تتوق لإيجاد نقيض السعادة، ويقصد بالسعادة اللذة وغياب الألم، ويقصد بالشقاء الألم والحرمان من السعادة” (ص37)، تحتوي هذه العبارة على الصيغة الخام للنظرية النفعية، وكملاحظة عامة نجد أن النفعية هي نظرية تهدف إلى وضع معيار لتحديد القيمة الأخلاقية لأفعال البشر، والمعيار والقيمة بموجب هذه النظرية هي معايير إنسانية بحته تجد نفسها في نطاق حياة الإنسان، ولا تستمد أساسها من خطاب ديني مباشر، كما لو كان الباعث على الصدق بالنسبة لـ(س) من الناس هو أن الدين يأمر به ويحض عليه، وبمعنى أن يكون الباعث على الصدق بموجب مبدأ النفعية هو أن في الصدق لذة وأن هذه اللذة تزيد من سعادة الإنسان. وعلى الرغم من أن مِل يقول إن “النظرية النفعية هي نظرية تستغني عن الإله” (ص 58) إلا أنه يحاول تحييد هذا الاختلاف حول مصدر الأخلاق، على اعتبار أن الإله أراد من السعادة غايةً لمخلوقاته، وهو ما يعني أن النظرية قادرة أن تعيش مستقلة ومن الممكن أيضاً أن تستخدم كأداة تفسيرية ضمن نطاق الدين ذاته.

كانت النفعية قبل جون ستيورات مِل تركز في معرض تناولها للسعادة على الجانب الكمي quantitative ، بمعنى أعظم قدر من اللذة، وجاءت إضافة جون ستيورات مِل على التركير على الجانب النوعي quantitative  ومن ثم فالإمكانية على المفاضلة فيما بين اللذات، وهذه الإضافة بالذات هي بمثابة أساس الرد على القائلين أنه من الابتذال أن تعلق سعادة الإنسان على اللذة، وأن تكون اللذة هي الغاية الأساسية، وأن هذا الأمر يستتبع النزول بقدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان، وهو ما واجهه مِل بالقول أن هذا النقد أساسه عدم التفريق بين اللذة الحيوانية واللذة الإنسانية، ذلك أن اللذة الإنسانية ليست مجرد لذة جسدية، بل إن اللذة الذهنية تعد مكوناً أساسياً في اللذة الإنسانية وهي أسمى وأنبل من اللذة الجسدية.

يشير مِل إلى أن معظم أفعالنا لها دوافع مختلفة، وهنا هو مناط عمل القاعدة الخلقية التي تحدد مدى أخلاقية هذا الفعل أو ذاك، وبمزيد من النظر إلى أطروحة مِل نجد أنها تضع السعادة كقيمة أساسية أو بالأحرى “القيمة” لأفعالنا، وينبني عليه أن معيار تقييم هذه الأفعال هو مدى قابلية هذه الأفعال على زيادة مقدار اللذة وانقاص الألم، وكلما ترقت اللذة في هذا المدرج باتجاه زيادة السعادة، ترتفع القيمة الخلقية لذلك الفعل (ص 53)

(4)

            لما كانت اللذات تختلف في المقدار والقيمة وكذلك الآلام، قام مِل بطرح التساؤل حول مدى إمكانية المفاضلة بين اللذات (ص39)، وحول هذه المسألة يرى مِل أن أنجع طريقة للمفاضلة بين اللذات هي سؤال من خَبِر هذه اللذات، بمعنى أننا لو أردنا المفاضلة بين اللذة الموجودة في فعليين وهما تناول وجبة شهية في مطعم فخم وبين لذة السفر إلى دولة جديدة، فإن طريقة المفاضلة تعتمد على سؤال من خبِر هاذين الفعلين، لمعرفة أيهما أفضل. ومن الملاحظ أن هذه الآلية تعتمد بشكل كبير على المعيار الشخصي، إلا أن مِل أكد أهمية إدراك أن اللذات الذهنية أو المعنوية تحتل الصدارة من اللذات الإنسانية فهي دائماً أرقى وأعلى بحسب مِل (ص 40)، فمثلاً لو سألنا إنسانا أيهما يفضل، أن يشعر بتقدير الآخرين له أم التلذذ بوجبة شهية، فليس من شك أن الترجيح يكون لصالح الشعور بالتقدير.

ويتحدث مِل في كتابه عن “التضحية بالسعادة الفردية لأجل سعادة المجموع” (ص 49-50)، فيرى أن الأفعال التي تؤدي إلى سعادة أشخاص هي سعادة أكبر، وفي مواجهة الاعتراض الذي تفرع عن هذه المسألة يعتقد أن هذا الأمر قد ينطوي على تشريع الرق على سبيل المثال، ذلك أنه عندما يَسْتَرِقُ 90% من جماعة معينة ال 10% الأخرى، فإن في هذا الأمر سعادة أكبر للمجموع، وهذا الأمر صحيح أو قد يكون صحيحاً في نفعية ما قبل مِل، إلا أن القيمة النوعية التي أكدها مِل، ستؤدي بنا القول بخلاف ذلك، إذ لا يمكن شرعنة الرق بموجب النظرية النفعية بحسب توصيف مِل لها لمجرد أنه يجلب سعادة أكبر لجماعة أكبر في مقابل سعادة أقلية. وفي هذا السياق أشار مِل إلى مقولة السيد المسيح: “أن تفعل لغيرك كما تريد أن يفعل الغير لك، وأن تحب لجارك ما تحبه لنفسك” (4)، وقد اعتبرها بمثابة “الروح التامة للأخلاق النفعية” (ص 52)، وهنا يجب ملاحظة أن القيمة التي أعطاها مِل لمحتوى مقولة المسيح ضمن إطار النظرية النفعية تسستتبع نوع من التقارب من هذه الجهة مع الكانطية “إفعل بحيث يمكن أن تتبنى قاعدة سلوكك كقانون من قبل جميع الكائنات العاقلة” (5)!

(5)

في الفصل الثالث من كتاب النفعية يتساءل مِل عن الكيفية التي يمكن من خلالها “حمل الناس على الأخذ بمعيار النفعية” أو “من أين تستمد النفعية قوتها الملزمة؟”، قام بمعالجة هذا الأمر بتحرير الارتباط الحصري، الذي يقوم به المعترضون على النفعية، بينها وبين القصور في إيجاد مبدأ واضح للإلزامية، فيرى أنه من الغرابة أن يطرح هذا الأمر دائماً كاعتراض على النظرية النفعية؟ وكأنما هذه المسألة خاصة بالنفعية وحدها ولا تشترك معها بقية النظريات الأخلاقية عند البحث عن مبدأ إلزاميتها! (ص66) وأن معالجة هذا الإشكال يجب أن يطرح في مواجهة أي نسق أخلاقي بما في ذلك النفعية.

وفي معرض مناقشته لشرعية النفعية وإمكانية إثبات وجودها، فإن مِل ينطلق في برهانه من القول بأن “مسائل الغايات الأخيرة لا تقبل البراهين، وأنه من الصعب البرهان على  المسائل الأولى عبر تفكيرنا”، إلا أنه يستدرك قائلاً: إن “البرهان الوحيد لكون الشيء مرئياً هو أن الناس يرونه، والبرهان الوحيد لكون الصوت مسموعا هو أن الناس يسمعونه، وبالطريقة نفسها أفهم أن الدليل الوحيد الذي يمكن تقديمه على كون أي شيء مرغوباً هو أن الناس يرغبونه”، بمعنى أوضح  فإن البرهان على أن السعادة مرغوبة هو كونها حقيقة واقعية (ص 59).

وأما الفصل الخامس من كتاب النفعية فيبحث فيه مِل عن الرابطة بين العدالة والمنفعة، وهذه الرابطة تعطي النظرية بعداً عملياً أوضح، وتخلّص النظرية من الفردانية لتعطي المساواة والعدل الاجتماعي اهتماما بقدر ما تهتم بحرية الفرد وسعادته (5)، ويعالج مِل هذه المسألة باعتبار أن العدالة منفعة (ص 70)، ترتبط فكرة العدالة أساساً بفكرة النزاهة باعتبارها نظرة محايدة وطريق إلى المساواة، وهذا الأمر بصورة معينة “أكثر حيوية لقواعد الإنسان من أية قواعد أخرى”، وأن “العدالة القائمة على المنفعة هي الجزء الرئيس، والجزء الأقدس بل هو الاكثر إلزاما،… في الأخلاق كلها” (ص 93)

(6)

            عند النظر إلى النظرية النفعية بالصيغة التي قدمها جون ستيورات مِل يجب أن نضع نصب أعيننا الأهمية التي تحتلها القيمة النوعية للذة، فإن في ذلك ما يعزز الكمال الروحي للإنسان، وينأى بهذه النظرية عن التهم التي قد تساق في مواجهتها المتعلقة بشرعنة أوضاع خاطئة بدعوى أنها تعطي أعظم قدر من اللذة ومن ثم السعادة بالمعنى المادي المحض. لقد أشار مِل في كتابه الصغير في الكم والكبير في الأثر (130 صفحة تقريباً) إلى العديد من التحليلات والمحاججات الدقيقة التي تستحق الوقوف معها لتكوين فهم أعمق للنظرية كما أراد لها الرجل أن تكون.

 

– تم ترجمة هذا الكتاب تحت عنوان “مقدمة إلى مبادئ الأخلاق والتشريع”، ت:كريم الصياد، مركز جامعة القاهرة للغات الإجنبية والترجمة التخصصية،

– يوجد ترجمتين لهذا الكتاب، كلاهما صادر عن المنظمة العربية للترجمة في يوليو 2012، واحدة من ترجمة حيدر حاج إسماعيل، والأخرى من ترجمة سعاد شاهرلي حرار، وأرى أن ترجمة حيدر حاج أوضح وأدق، في حين ان الترجمة الثانية احتوت على مقدمة شارحة للكتاب وأخرى شارحة للكاتب، وهذه المقدمة أفادتني بشكل جوهري في الإعداد لهذا المقال.

– انظر مقدمة حول مِل، النفعية، ت: سعاد شاهرلي حرار.

– ورد في الحديث عن النبي محمد: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

– ترجمة العبارة مأخوذة من ترجمة حيدر حاج إسماعيل.

*مدين في كتابة هذا المقال للشروحات المصورة التي قدمها البروفيسور جريجوري سادلر.

 

0 2475 02 أبريل, 2017 آفاق فلسفية, قراءات أبريل 2, 2017