ملوك النفط

لـ

المقدمة

 

“فلماذا عليّ أن أزرع شجرةً جِذرها مُرّ

لن تُثمر إلا فاكهةً مسمومة؟”.

 -الفردوسي، الشاهنامة[1]

 

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2006م، استقلّ نائب الرئيس الأميركي دِك تشيني طائرة إلى الرياض ليجري محادثات مع الملك عبدالله عاهل المملكة العربية السعودية[2]، الحاكم المطلق على مملكة صحراوية تحتوي على خُمس احتياطيات العالم من النفط[3]، وتُعدّ أكبر منتج للنفط في منظمة الأوبك[4]. كان من الواضح أنّ الملك يسعى إلى الحصول على تطمينات من حلفائه الأميركان، ففي أوائل ذلك الشهر مُنيت الجهود الحربية للولايات المتحدة في العراق بنكسة بعد أن دُحر الجمهوريون في الانتخابات النصفية واستلم الديمقراطيون السيطرة على الكونجرس. وما لبث جورج بُشْ الابن أن قَبِل استقالة وزير الدفاع دونَلْد رامْزفِيلد (شريك دِك تشيني في السلطة)، وعَرَض “إيجاد أرضية مشتركة”[5] مع خصومه الذين انتقدوا حكومته على استراتيجتها في إدارة الحرب. وللمرة الأولى خلال ست سنوات ونصف لم يكن الحديث في واشنطن عن انتصارات أميركية في العراق بل عن انسحاب منظّم لقوات التحالف. أعرب السعوديّون عن قلقهم من أن تعمل جارتهم وعدوّتهم التاريخية إيران على استغلال رحيل الولايات المتحدة لكي تحقق طموحاتها في المنطقة. لذلك قال السفير السعودي لدى واشنطن الأمير تركي الفيصل للبيت الأبيض بلا مواربة: “بما أنّ أميركا جاءت إلى العراق دون دعوة، فعليها ألا تغادر دون دعوة”[6].

تباحث دِك تشيني مع المسؤولين السعوديين أيضًا في أسعار النفط، إذْ كانت أسواق الطاقة العالمية قد شهدت استغلاقًا دفع بالأسعار إلى مستويات قياسية، فشكّل ذلك تهديدًا على الرخاء المالي في الولايات المتحدة وعلى اقتصاد شركائها التجاريين. كما شكّلت أسعار النفط التي وصلت إلى 78 دولارًا للبرميل تحديًا للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، إذْ حصدت الدول المنتجة للنفط أرباحًا مفاجئة، وكانت إدارة جورج بُش قلقة على نحو خاص مما ستفعله الحكومة الإيرانية بملياراتها الجديدة. حول ذلك قالت صحيفة نيويورك تايمز: “ارتفعت أرباح إيران من النفط في العام الماضي من 15 مليار إلى أكثر من 45 مليار دولار، محققةً معدلات أرباح لم تشهدها منذ عام 1974م حين تضاعفت عائدات النفط الإيرانية ثلاثة أضعاف دفعة واحدة”[7]. وقد صاحب ارتفاع أرباح النفط الإيرانية طفرة في التوتّرات والعنف الإقليمي، من بينها حرب ضارية استمرت شهرًا في لبنان بين القوات الإسرائيلية وقوات حزب الله، ذلك الحزب الشيعي الذي تتلقى قيادته غطاء سياسيًا ودعمًا ماليًا وعسكريًا من طهران. كانت هناك احتمالية أن يستخدم الرئيس محمود أحمدي نجاد عائدات بلاده النفطية لتسريع البرنامج النووي الإيراني وتعزيز الجيش وتسليح حزب الله في لبنان ومنظمة حماس المتطرّفة في غزّة والميليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق. وهذه الاحتمالية تحديدًا كانت كابوسًا مقيتًا لدى المسؤولين في واشنطن والرياض، فقد شهد آل سعود مثل هذا الكابوس في السابق. ففي السبعينيات كان الشاه محمد رضا بهلوي القوة المحركة وراء أسعار النفط المرتفعة التي أراد بها أن يحوّل إيران إلى قوة عظمى على الصعيدين الاقتصادي والعسكري. وكانت الثورة الإسلامية عام 1979م هي التي وضعت حدًا لطموحات الشاه في الهيمنة على الخليج الفارسي* وغرب آسيا والمحيط الهندي.

على الرغم من أنّ الرئيس أحمدي نجاد لن يعترف بذلك أبدًا، إلا أنّ ثمّة تشابهات مدهشة بين جهوده في عرض القوة النفطية الإيرانية تحت غطاء نزعةٍ إسلامويّة، وبين الدوافع التي كان يحملها الشاه بلهوي لإحياء التطلّعات الفارسية القديمة في المنطقة. والناظر في الرؤيتين الاستراتيجيّتين لأحمدي نجاد ومحمد رضا بهلوي سيجد أنهما تتقاطعان على نحو يشير إلى استمرارية تثير الدهشة. فكلاهما نظر إلى إيران باعتبارها القوة المهيمنة في المنطقة، ورأى في العائدات النفطية والقوة النووية مفتاحًا يسمح لإيران بأن تتبوأ مكانة دولية في الخارج وتحقق اعتمادًا على الذات في الداخل. وكلاهما استمرأ استفزاز القوى الغربية نفسها التي عاملت إيران في وقت من الأوقات كدولة تابعة لنفوذها. وقد تكون السمة المشتركة الأكبر بينهما ما يُسمى بعُقدة الملك ميداس[8]؛ فأحمدي نجاد -كالشاه بهلوي- كان يُنفق إنفاقًا هائلًا ويرى في ارتفاع أسعار النفط تحريرًا له من ممارسة أي تقييدات مالية. حول ذلك يقول أحد المراقبين: “يرى نُقّاد أنّ خططه في الإنفاق السخيّ لخلق الوظائف ورفع الرواتب إنما نبعتْ من دوافع سياسية، لكنّها معتلّة من الناحية المالية. فقد اعتمدت ميزانيّته على أرباح نفطية عالية من المرجّح أن تفضي إلى تضخّم”[9]. وقد اقترح البنك المركزي الإيرانيّ ضخّ 40 مليار دولار كتحفيز مالي في الداخل يشمل برنامجًا لدعم الأُسر والمتزوجين حديثًا.

هذا الإنفاق الكبير الذي اعتمده أحمدي نجاد قدّم فرصة ذهبية للعاهل السعودي؛ فبما أنّ العائدات النفطية تمثّل (80%) من عائدات الصادرات الإيرانية[10]، يُصبح الاقتصاد الإيراني معرّضًا لخطر كبير إنْ تقلّبت الأسعار في أسواق النفط. كانت طهران تتوقع بثقةٍ أن يبقى الطلب على النفط مرتفعًا، بما يضمن أيضًا ارتفاع الأسعار، ولكن ما الذي يمكن أن يحدث للميزانية الإيرانية لو هبطت أسعار النفط هبوطًا مفاجئًا؟. عادةً ما تضع الدول المنتجة للنفط خطط إنفاقها وتوقّعاتها المالية على افتراض أن لا تقلّ أسعار النفط عن مستوى معيّن، فإن هبطت الأسعار فعلًا تحت ذلك المستوى ولم تكن الدولة المنتجة قد تركت لنفسها احتياطيا ماليًا يكفي لامتصاص هذه الضربة الموجعة بسبب خسارة مليارات العائدات المتوقعة، فسوف تواجه خطر الانزلاق إلى انهيار اقتصادي. وهكذا ستضطرّ طهران إلى أن تقتصد في إنفاقها وتعيد التفكير في ما إذا كانت ستنفق أموالها على الجانب العسكري أم الجانب التنمويّ، بين أن تغدق الأموال على حزب الله وحماس أو أن تعزّز برامج دعم الغذاء والوقود والسكن والمواصلات لإحكام السيطرة على الطبقة الوسطى. فرفع الدعم يزيد من احتمالية نشوب احتجاجات واشتباكات بين القوى الأمنية وجماعات المعارضة في الداخل.

دولة واحدة فقط لديها الإمكانية والدافع لتدبير تعديل بهذا المستوى في أسعار النفط. فالمملكة العربية السعودية باحتياطياتها النفطية الضخمة وقدراتها الإنتاجية العالية يمكنها أن تُغرق سوق النفط عبر ضخّ ما يكفي من فائض النفط الخام فتنهار الأسعار. لقد أدركت العائلة المالكة في السعودية دائمًا أنّ القوة النفطية لا تنحصر في إحراز الثروة، وتنمية الاقتصاد، والحفاظ على السلطة، إذْ إنّ النفط يُعدّ سلاحًا أساسيًا للسعودية في الدفاع عن النفس ومفتاحًا لتحقيق الأمن وسبل البقاء. وفي الواقع فإنّ إغراق السوق النفطية يُعدّ بمثابة حرب اقتصادية كبيرة، تُعادل إلقاء قنبلة على أرض العدو. صحيح أنّ إغراق السوق وهبوط الأسعار سيفضي حتمًا إلى خسارة مليارات الدولارات المتوقّعة من العائدات، بيد أنّ السعوديين كانوا يعتبرون ذلك أقل أهمية من التهديد الإيراني. وبحلول أواخر عام 2006م كان الملك عبدالله مستعدًا لاستنزاف الاحتياطيات النفطية السعودية.

وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز ما نصّه: “قال أميرٌ سعودي مطّلع على المحادثات بين السيد تشيني والملك عبدالله إنّ الملك قد عرض على تشيني خطة لرفع إنتاج النفط، وذلك للدفع نحو خفض الأسعار، أملًا في أن يؤدي ذلك إلى اضطراب في الاقتصاد الإيراني دون الاضطرار إلى الدخول في مواجهة مباشرة”[11]. فإغراق سوق النفط سوف “يجبر [إيران] على تقليل الدعم المالي لحزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق دون الدخول في مواجهة مباشرة”. وربما كان للسعوديين دافع آخر أيضًا. فمن التجارب السابقة أدرك السعوديون أنّ بقاء الأسعار في مستويات مرتفعة جدًا ولفترة طويلة سيدفع الولايات المتحدة إلى تقليل استهلاكها للنفط الأجنبي واتخاذ خطوات لتشجيع حفظ الطاقة وتنويع مصادرها. وإنْ قلّ الاعتماد الأميركي على النفط السعودي فسيقلّ التأثير الاستراتيجي السعودي على سياسات الولايات المتحدة فيما يخصّ إسرائيل والشرق الأوسط.

في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 2006م (أي بعد أربعة أيام من عودة تشيني إلى واشنطن) نشرت صحيفة الواشنطن بوست مقالًا لنواف عبيد المستشار الأمني البارز للحكومة السعودية والباحث المساعد في “مركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية والدولية” حذّر فيه من أنّ الانسحاب المفاجئ للولايات المتحدة من العراق سيؤدي إلى “تدخّل سعوديّ كبير لإيقاف الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًا عن ذبح العراقيين السنّة”[12]. وأضاف نوّاف عبيد مذكّرًا قرّاءه بأنّ “المملكة العربية السعودية بوصفها مركز النفوذ في الشرق الأوسط ومنشأ الإسلام والقائد الفعليّ للأمّة السنّية في العالم (التي تتألف من 85% من المسلمين) تمتلك الوسائل والمسؤولية الدينية للتدخل [في العراق]”. ينطوي المقال على تهديد مخيف لا يمكن أن يكون قد غاب عن المسؤولين في طهران:

أخيرًا، فقد يقرّر الملك عبدالله التضييق على الدعم المالي الإيراني للميليشيات باستخدام سياسة نفطية. فلو عمدت السعودية إلى رفع إنتاجها بما يوصل أسعار النفط إلى النصف، ستظلّ السعودية قادرة على تغطية نفقاتها الحالية، بيد أنّ الأمر سيكون شديد الوطأة على إيران التي تواجه صعوبات اقتصادية حتى في ظلّ الأسعار الحالية المرتفعة. وستكون النتيجة الحدّ من قدرة إيران على مواصلة ضخّ مئات الملايين سنويًا لدعم الميليشيات الشيعية في العراق وأماكن أخرى.

لفت المقال انتباهي لأنني كنت منهمكًا لعدة أشهر في دراسة التأثير الذي خلّفه تدخّل سعودي سابق في أسواق النفط لم يُسلَّط الضوء عليه ولم يُحلّل بما يكفي حتى الآن. ففي عام 1977م، أي قبل سنة من اندلاع الاضطرابات في إيران، أصيبت أسواق النفط بشللٍ جرّاء انقسام بين أعضاء منظمة الأوبك حول أسعار النفط المقترحة للعام التالي. كان الشاه قد اقترح زيادة بنسبة (15%)، بيد أنّ العاهل السعودي (الملك خالد) عارض مطالبات الشاه وحاجّ في عدم وجود مبرر لزيادة أسعار النفط في الوقت الذي تمرّ فيه الاقتصادات الغربية بأزمة ركود. مع ذلك فقد انتصر الشاه وأقنع بقية دول الأوبك بالانضمام إليه في تبنّي زيادة من رقمين في الأسعار لعام 1977م. أما الردّ السعودي فجاء سريعًا وقاسيًا، إذْ أعلنت الرياض أنها ستتخذ خطوات حازمة لمنع نظام السعر الجديد الذي اقترحته إيران، وستفعل ذلك عبر زيادة إنتاجها وضخّ المزيد من نفطها الخام في الأسواق والبيع بسعر أقل من أسعار المنافسين. هكذا وبين ليلة وضحاها خسرت إيران مليارات الدولارات المتوقعة من العائدات النفطية، وأُجبرت حكومة الشاه التي كانت تترنّح من قوة الضربة على أخذ قرض قصير الأجل من مصارف أجنبية. كما أجرت الحكومة الإيرانية اقتطاعات كبيرة في الإنفاق المحلي واتّبعت سياسة تقشّف ألقت بعشرات الآلاف من الشباب الإيرانيين إلى الشارع بعد أن فقدوا أعمالهم. وهكذا ساعدت تلك الفوضى الاقتصادية في قلب الرأي العام الإيراني ضدّ الأسرة الحاكمة.

وبعد مرور ثلاثين عامًا، كانت جميع المؤشرات توحي بأنّ السعودية مستعدة لإعادة ما فعلتْه سابقًا. ما يزال هناك الكثير مما لا نعرفه عن الجهود الأميركية-السعودية لزعزعة الاقتصاد الإيراني في السنتين الأخيرتين من فترة جورج بُش الابن. وما نعرفه هو أنّ الحكومة السعودية قطعت علاقتها بنوّاف عبيد، كردٍ علنيّ على اللغط المثار حول مقاله[13]. أما المراقبون الدبلوماسيون في واشنطن فقد رأوا في ذلك جزءًا من مخطط أكبر بكثير. يقول أحد الخبراء: “يتوقع الكثيرون أن يُعاد [نواف عبيد] إلى الحكومة السعودية بطريقة أو بأخرى”[14]. كما قالت صحيفة نيويورك تايمز: “لقد نفت الحكومة السعودية ما جاء في مقال نوّاف عبيد وأنهى الأمير تركي الفيصل عقده، بيد أنّ دبلوماسيين عرب ذكروا يوم الثلاثاء الماضي أنّ المقال يعكس رؤية الحكومة السعودية التي بيّنت معارضتها للانسحاب الأميركي من العراق”[15]. أما السفير السعودي في واشنطن الأمير تركي الفيصل فقد خسر وظيفته وأعيد إلى بلاده بعد أسبوع من ذلك.

تُرى ما الذي كان يحدث، وما الرسالة التي كان الملك عبدلله يحاول إيصالها لطهران وواشنطن؟ إنّ السبيل  الأفضل لفهم السياسة السعودية وما حدث بعد ذلك هو تتبّع أسعار النفط على مدى السنتين التاليتين. كانت ميزانية السعودية لعام 2007م تعتمد على أسعار النفط التي لا تقل عن 42 دولارًا للبرميل[16]، وبإنتاج قدره 9 ملايين برميل في اليوم. وبحلول صيف 2007م، وعلى الرغم من بذل جهود للحدّ من تصاعد الأسعار، عادت أسعار النفط إلى ذروتها السابقة قبل عام عند 78 دولار. نادت دول الأوبك (علنيًا على الأقل) بعدم السماح لأسعار النفط بأن تزيد عن 80 دولارًا للبرميل[17]، ولكن في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2007م كان سعر البرميل قد وصل إلى 98 دولارًا[18]. وفي كانون الثاني/يناير 2008م طلب جورج بُش شخصيًا من الملك عبدالله أن يعمل على الحدّ من ارتفاع الأسعار[19]، فقد بدأت تظهر علامات انهيار في الاقتصاد الأميركي بسبب الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، وفوات موعد سداد القروض، والعجز المالي، وتزعزع المصارف الأميركية.

تلهّف السعوديون على الإيقاع بأحمدي نجاد، فزادوا من حصّة إنتاجهم النفطي بمئتين وخمسين ألف برميل يوميًا[20]، لكنّ الزيادة لم تكن كافية كما يبدو. لذلك زادوا من إنتاجهم مرة أخرى من 9.2 مليون برميل يوميًا إلى 9.7 مليون برميل[21]، وتعدّى سعر البرميل حاجز المئة دولار في نيسان/إبريل، ثم 118 دولارًا في أيار/مايو[22]، ووصل أخيرًا إلى 147.27 دولارًا في شهر تموز/يوليو[23]. بعد ذلك هبطت الأسعار هبوطًا حادًا حين أغرق النفط السعودي الأسواق في الوقت الذي شهد فيه الاقتصاد الأميركي انكماشًا حادًا. وبحلول أيلول/سبتمبر تراجعت أسعار النفط إلى 107 دولارات للبرميل[24]، فبدأ الرئيس الإيراني يقلق. كان الإيرانيون قد افترضوا خطأً أنّ سعر النفط لن يقلّ عن 90 دولارًا للبرميل[25]، فناشدوا السعوديين أن يحافظوا على استقرار الأسعار. أما ردّ الملك عبدلله فكان الاستمرار في ضخّ النفط، ما أدّى إلى انهيار أسعار الأوبك. وبحلول كانون الأول/ديسمبر تراجع سعر البرميل إلى 43 دولارًا[26]. هنا شعر السعوديون بالاكتفاء، فقللوا الإنتاج إلى 8.5 مليون برميل يوميًا، وحين هبط السعر إلى 33 دولارًا في كانون الثاني/يناير 2009م[27] قلّل السعوديون من إنتاجهم مرة أخرى إلى 8 مليون برميل. في هذا الوقت دخل النظام الإيراني في منافسة انتخابية حاسمة بعد أن قاوم هبوطًا مدمّرًا في الثروة الاقتصادية، وجاءت نتائج الانتخابات المزوّرة مصحوبة بانكماش اقتصادي واضطراب سياسي يُعدّ الأسوأ منذ سقوط الشاه قبل ثلاثين عامًا.

في تلك الأثناء كنتُ قد وقَعتُ على وثائق تكشف تورّط الرئيس جيرالد فورد ومسؤولين كبار في البيت الأبيض في أول محاولة سعودية لإغراق سوق النفط عام 1977م. أثارت تلك الوثائق سؤالًا محيّرًا حول السبب الذي قد يجعل الولايات المتحدة تدعم جهودًا خفيّة للتلاعب بسوق النفط، وهي تُدرك أنّ ذلك سيضرّ بالاقتصاد الإيراني ويؤذي حليفها المقرّب الشاه محمد رضا بهلوي. فالرئيس فورد والرئيس نكسن كذلك استضافا الشاه في البيت الأبيض وأثنيا عليه صديقًا ورئيس دولة، وزوّداه بمنظومة أسلحة متطوّرة وآلاف المستشارين العسكريين، بل إنهما عرضا عليه أن يبيعا لإيران مفاعلات نووية. لقد أبرزت تلك الوثائق احتمالية وجود أزمة سريّة في العلاقات على المستويات العليا، وأنّ توتّرات سابقة غير معروفة قادت إلى تصفية حسابات تتعلق بأسعار النفط ومصير منظمة الأوبك. كتبتُ في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2008م ما يلي في مجلة مِدِل إيست جُورنَل:

في حين توجد دراسات كثيرة تركّز على البواعث الداخلية السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للثورة الإيرانية، إلا أنّ دور إيرادات الدولة (وعائدات النفط تحديدًا) لم يلق اهتمامًا يُذكر. تشتركُ الثورة الإيرانية في عوامل عديدة مع ثورتين كبريين: الثورة الفرنسية عام 1789م والثورة الروسية عام 1917م، وجميع هذه الثورات سبقتْها أزمات مالية. وفي حالة إيران فقد أشار المراسلون الأجانب في طهران إلى التقلبّات المأساوية في أسعار النفط عام 1977م، بيد أنّ الأمر الذي لم يُفسَّر حتى الآن هو الدافع الذي حدا بالمملكة العربية السعودية إلى قرار نسف الزيادة في أسعار نفط الأوبك في كانون الأول/ديسمبر 1976م، لا سيّما دور إدارة جيرالد فورد في ذلك القرار المصيري.[28]

محاولاتي للفهم قادتني إلى الكشف عن تاريخ خفيّ من العلاقات الدبلوماسية الأميركية-الإيرانية-السعودية بدءًا من عام 1969م وحتى 1977م. وهذا التاريخ عبارة عن سرد كاشف لأحداث السنوات الثماني الحاسمة التي تحوّلت فيها الولايات المتحدة من المنتج الأول للنفط إلى المستورد الأكبر للبترول، والتي حلّ فيها آل سعود محلّ الملك الإيراني كحليف لا يمكن الاستغناء عنه في الخليج الفارسي. هنا إذًا يأتي التفسير للكيفية التي تعامل بها رئيسان أميركيان (نكسِن وفورد) مع إيران والسعودية في مواجهتهما لتحديات الاعتماد الأميركي المتزايد على المصادر الأجنبية للطاقة، وكيف أفضى تعامل نكسن مع العلاقات الأميركية-الإيرانية تحديدًا خلال أزمة الطاقة في أوائل السبعينيات إلى تهيئة الأوضاع لحدوث أزمة مالية كارثية محتملة في الأيام الأخيرة من فترة الرئيس فورد، ولماذا شعر فورد في نهاية المطاف بأنه لا خيار له سوى أن يدعم خطةً عجيبة لكسر قوة الأوبك بمساعدة السعوديين.

يوضّح كتابي أنّ الانقلاب النفطي الأميركي-السعودي الموجّه ضد زعامة الشاه للأوبك لم يكن مؤامرةً لإسقاطه من على العرش الإيراني. الثورات ظواهر معقّدة للغاية، ولا يمكن اختزالها في مؤامرات أو تفسيرها بمسبّب أو مسبّبين. ولكن لا يوجد شكّ في أنّ قرار الولايات المتحدة لتحطيم الأوبك أفضى إلى مشكلات كبيرة للشاه في أشدّ الأوقات سوءًا بالنسبة إليه. لقد أدّى هذا القرار إلى ضربة نفسية هائلة للشاه، عبر الحطّ من مكانته كزعيم للأوبك، وإظهاره في موقف الضعف السياسي داخليًا وخارجيًا. كانت تلك الضربة علامة على أنّ الشاه قد فقد السيطرة على المصدر الأساسي للعائدات الإيرانية، وعاملًا أدّى إلى دكّ الاقتصاد الإيراني المتعثّر، في الوقت الذي كانت فيه موجة الاضطراب الداخلي ترتفع ضد نظام الشاه. ولقد تبيّن أنّ التآمر الأميركي-السعودي لتحطيم الأوبك وتسليمها إلى السعوديين كان كارثيًا بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة. هكذا أدّى الانقلاب النفطي الأميركي-السعودي إذًا إلى الزيادة من حدّة انهيار النظام الإيراني وتسريع وتيرته، رغم أنه لا يمكننا إلقاء اللائمة بأكملها على هذا الانقلاب فيما يتعلق بالفوضى الاقتصادية التي عصفت بإيران عشيّة الثورة.

يُعدّ كتاب ملوك النفط سردًا متعدّد الطبقات من منظار السياسة النفطية الأميركية. ويمكن تفسير الكتاب بعدّة أشكال. يمكن اعتباره حكاية ذات مغزى عن التأثير المفسِد للنفط على سياسة الأمن القومي الأميركي. وكدرس في حدود القوة الأميركية في أعقاب الانسحاب من فيتنام وفضيحة ووترجيت وأزمة الطاقة في أوائل السبعينيات. وكصراع بين شخصيات مثل رتشرد نكسن، وشاه إيران، والشيخ أحمد زكي يماني، ووزير الخارجية هنري كِسِنجر، ووزير الخزانة وِلْيَم (بِل) سايمن، ووزيرَي الدفاع جيمس شليزنجر ودونلد رامزفيلد. وكتشريح لامبراطورية هي في هذه الحالة الأسرة البهلوية الإيرانية، وكيف صعدت أقدار التاج الفارسي وهبطت مع سوق النفط. وكانتصار للقوميّة في تصفية الحسابات بين الخصمين القديمين السعودية وإيران. وكحكاية نذيرة عن ما حدث بين أصدقاء قدماء وتحالفات قديمة حين اصطدمت العلاقات الجيو-سياسية للحرب الباردة مع واقع سوق النفط والاقتصاد العالمي الذي كان قد بدأ يتشكّل في أواسط السبعينيات. هو سردٌ يُضفي أبعادًا دولية على العلاقات الأميركية-الإيرانية والثورة الإيرانية عبر وضع الأحداث الداخلية والثنائية في سياق استراتيجي وجيو-سياسي خارج حدود الخليج الفارسي. فقد وجدتُ أنه من المستحيل تناول التأزّمات بين الولايات المتحدة وإيران حول أسعار النفط دون الأخذ بعين الاعتبار الأحداث التي جرت في بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا وكندا. ولا يوجد شكّ في أنّ تأثير هذه الأحداث على العلاقات الثنائية بين واشنطن وطهران سيظلّ موضع جدل لفترة طويلة بين الباحثين.

يتضمّن السرد كذلك قصصًا تُقال للمرة الأولى، والتي توضّح (مثلًا) درجة التورّط الإيراني (ناهيك عن التلاعب المباشر) في السياسة الأميركية والسياسة الأجنبية في السبعينيات، وإلى أي حدّ وصلت أيادي الدول النفطية في الشرق الأوسط إلى داخل البيت الأبيض فأثّرت في اتخاذ القرار الرئاسي تأثيرًا لافتًا على السياسة الداخلية والخارجية. نعرف الآن أنّ ثمة عنصر إيراني في الرد الأميركي على حرب الهند وباكستان عام 1971م، والانتخابات الأميركية عام 1972م، والحرب العربية-الإسرائيلية عام 1973م، والمقاطعة النفطية العربية عام 1973-1974م، والصدمة النفطية عام 1974-1975م، والتحرّكات الدبلوماسية لإحلال السلام في الشرق الأوسط عام 1975م، والانتخابات الأميركية عام 1976م. يقدّم هذا الكتاب أجوبةً لأسئلة ظلّت مطروحة لفترة طويلة حول التخطيط العسكري لحالات الطوارئ بين الولايات المتحدة وإيران، ومشروع إبكس التجسّسي، والمشروع النووي الإيراني الناشئ، والتعاملات الغامضة للكولونيل رتشرد هالوك (Richard Hallock). وتضع تلك الأجوبة حدًا لجدالات تتعلق بطبيعة التعاملات السريّة بين نكسن والشاه فيما يخصّ أسعار النفط وصفقات السلاح، وإلى أي حد كان البيت الأبيض على علم بالتهديد الإرهابي على المواطنين الأميركان في إيران، ومدى اطلاع الولايات المتحدة على المعارضة المتصاعدة ضدّ الشاه من شعبه، وما إذا كان أحد في البيت الأبيض على علم مسبق بالعلاج السرّي الذي كان يخضع له الشاه من مرض السرطان الذي أودى بحياته في نهاية المطاف.

في عبارة شهيرة وصف وزير الخارجية الأسبق هنري كِسِنجر شاه إيران بأنه “زعيم نادر، وحليف مُطلق، وشخص لديه فهم للعالم أثرى فهمنا”[29]. ولمدة ثلاثين سنة اضطُررنا إلى تصديق كلام كسنجر. في السبعينيات وقّع كسنجر مع الشاه مجموعة من الاتفاقيات السريّة للغاية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وتشمل نقلًا للموارد البشرية والأموال والمعدّات على مستوى لا يمكن تخيّله حتى بمعايير وقتنا الحاضر. تُرى أين ذهبت كلّ هذه الثروة القومية، وكيف أُنفقت؟ نشر كسنجر مذكّراته في ثلاثة أجزاء تصل إلى 3955 صفحة، وتشمل 193 صورة له مع كل شخصية مرموقة من زعماء الدول ووزراء الخارجية والسفراء في السبعينيات باستثناء شاه إيران. ولنا أن نتساءل هنا عن السبب الذي يجعل كسنجر يلتقط صورة لنفسه مع سرب إوزّ في الصين، ولكنه لا يظهر في صورة مع الرجل الذي زعم أنه يبجّله كثيرًا.

ولا نجد في كتب كسنجر شيئًا مهمًا عن دقائق علاقته البارزة مع الشاه محمد رضا بهلوي. فمثلا، يخصّص كسنجر ثلاث جمل فقط للحديث عن اتفاقية نفطية سريّة تحتلّ التركيز الأساسي من نصف كتابي هذا. وقد أشار الكاتب البريطاني وليم شوكروس إلى أنّ “القارئ الذي يسعى إلى فهم تدهور العلاقات [الأميركية-الإيرانية] لن يجد مبتغاه في مذكرات كسنجر، إلا بقدر ما سيجد في مذكّرات رتشرد نكسن من قبله. وفي الحقيقة فإنّ الطريقة التي تناول بها الرجلان إيران في كتابيهما تبيّن كيف يمكن للسير الذاتية أن تكون هزيلة جدًا كمراجع، ناهيك عن أن تكون سردًا للتاريخ…هذا التناول الهزيل لا يمكن تفسيره إلا برغبة في الإخفاء”[30]. ولم يكن كسنجر استثناءً في ذلك، فكما يلاحظ شوكروس لم يذكر رتشرد نكسن الشاه في سيرته الذاتية إلا بإشارتين مختصرتين، في حين لم يذكر جيرالد فورد الشاه إطلاقًا. أما رتشرد هِلمز (Richard Helms) السفير الأميركي في طهران في عهديهما فقد كتب مذكّرات تُعدّ آيةً في الإخفاء والتعتيم. أتساءل هنا: لئن كان الشاه شخصًا يستحقّ الدفاع عنه، فلماذا لم يستحق الكلام عنه؟.

استفدتُ في كتابي هذا من الملاحظات المنشورة التي دوّنها الجنرال برِنْت سكوكروفت (Brent Scowcroft) في الاجتماعات، وقد كان نائبًا لكسنجر ثم أصبح في نهاية الأمر خليفة له في منصب مستشار الأمن القومي. حضر سكوكروفت جميع الاجتماعات المهمّة في البيت الأبيض المتعلقة بالنفط وإيران والسعودية خلال الفترة من أواخر 1973م وحتى نهاية كانون الثاني/يناير 1977م. كما استفدتُ من التفريغات المنشورة لمحادثات كسنجر الهاتفية في البيت الأبيض، والمذكّرات المترجمة لمستشار الشاه وزير البلاط الملكي أسد الله علم، ومذكّرات الرئيس السابق للاحتياطي الفدرالي الأميركي آرثر بيرنز (Arthur Burns)، وآلاف الصفحات من وثائق منشورة تشمل برقيات وملخّصات سياسات ومذكّرات من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية ومجلس الأمن القومي والإدارة الفدرالية للطاقة، ومراسلات نِكسن وفورد مع رؤساء الدول بما فيهم ملوك السعودية وإيران، وقرابة ستين مجلّد تضمّ ألف مقال ومواد أخرى من مصادر أولية وثانوية، ومقابلات لتسجيل التاريخ الشفوي، ومقابلات أجريتها مع بعض المسؤولين الذين ما يزالون على قيد الحياة ولديهم خلفية عن العلاقات الدبلوماسية في تلك الفترة، ولديهم الاستعداد للتحدّث عنها. وهم: الجنرال سكوكروفت، ووزير الدفاع الأسبق جيمس شليزنجر، والرئيس الأسبق للإدارة الفدرالية للطاقة فرانك زارب (Frank Zarb)، ووزير الخارجية الإيراني الأسبق أردشير زاهدي، والدبلوماسيين الأميركان المتقاعدين. ولقد تبيّن لي أنهم كانوا مغيّبين أيضًا عن تفاصيل كثير من الاتفاقيات التي يكشف عنها هذا الكتاب.

من سِمات العلاقة بين كسنجر والشاه الاتفاقاتُ الشفوية وغياب المستندات الورقية. لقد بعثر كسنجر تعاملاته مع الشاه في أجزاء عديدة، وأبعد زملاءه عن مسالكه الخاصة إلى قصر الشاه، ولم يتورّع عن خداعهم كي يضلّلهم. فمثلًا، لم يكن فرانك زارب يعلم أنّ كسنجر قوّض موقفه التفاوضيّ خلال المحادثات النفطية مع الحكومة الإيرانية. أما وزير الدفاع الأسبق شليزنجر فلم يعرف المبرر الحقيقي وراء عقد صفقة سلاح بقيمة 500 مليون دولار مع الإيرانيين إلا أثناء المقابلة التي أجريتها معه، وقد كان معارضًا بشدّة لهذه الصفقة لكنه اضطُرّ إلى تنفيذها. خلال بحثي لم أقع على وثيقة واحدة توضّح بالتفصيل الدقيق بنود الاتفاقيات السرية التي جرت بين الشاه وكسنجر. نعم قد توجد إشارات هنا وهناك، محكية أحيانًا ومكتوبة أحيانًا، لكنها لا توجد أبدًا في موضعٍ واحد، ويأتي ذكرها في بعض الأحيان على مدى شهور إن لم تكن سنوات.

في هذا الكتاب حاولت أن أضع القارئ في مكان المسؤولين الحكوميين في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، وهم يصارعون للتعامل مع عالم جديد وخطير بزغ إبان ثورة أسعار النفط في السبعينيات. واجه هؤلاء المسؤولون سلسلة من الخيارات السياسية الصعبة. ففي أعقاب الانسحاب من فيتنام، وفضيحة ووترجيت، وأزمة الطاقة، واجهت الولايات المتحدة اتحادًا سوفييتيًا عائدًا بقوّة، ونقصًا في النفط، وركودًا اقتصاديًا. وتؤكّد تفريغات الاتصالات الهاتفية في البيت الأبيض أنّ المسؤولين الأميركان بمن فيهم نكسن وفورد وكسنجر كانوا مقتنعين بأنّ الغرب يمرّ بأزمة، وبأنّ الأوضاع الاقتصادية والسياسية المشحونة التي سادت في الثلاثينيات كانت تحاول العودة من جديد. لذلك فإنّ القرارات التي اتخذوها إنما كانت مبنية على دروس التاريخ من تلك الفترة المخيفة. وقد بلغ هذا المِزاج في التفكير (بأنّ هناك كارثة وشيكة) أوجه في ما أعتبره أكبر أزمة مالية غير محكية، وذلك في عام 1976م حين قدّم وزير الخزانة وِليَم (بِل) سايمن ورئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين آلن جرينسبان (Alan Greenspan) ورئيس الاحتياطي الفدرالي آرثر بيرنز تحذيرًا للرئيس جيرالد فورد مفاده أنّ مصارف وول ستريت ستواجه خطر الانهيار في حال رفعت الأوبك أسعار النفط. تأرجح الاقتصاد الأميركي على حافة نكسة اقتصادية مزدوجة، في حين انزلقت الحكومات الأوروبية ناحية الإفلاس. ويبدو هذا السيناريو مألوفًا في يومنا هذا.

لقد ظلّت علاقات الولايات المتحدة المؤلمة مع الدول النفطية في الخليج الفارسي حتى اليوم عبارة عن “مسيرة من الحماقة”، بحسب تعبير المؤرخة الكبيرة باربرا تَخْمِن*. وبينما نحن ندخل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يتبيّن أكثر فأكثر أنها مسيرة بدأت توحي بأنها مدفوعة. تستورد الولايات المتحدة في الوقت الحالي ما يقرب من ثلثي نفطها من الخارج[31]، وشنّت حربَين في أقل من خمسة عشر عامًا لتأمين خطّ الإمداد النفطي القادم من الخليج. يقول آلن جرينسبان بصراحة مثيرة للإعجاب في مذكّراته: “أشعر بالحزن لأنّه من غير اللائق سياسيًا أن يقول المرء ما يعرفه الجميع: الحرب على العراق مسألة تتعلّق بالنفط”[32]. ويضيف جرينسبان قائلا:

لذلك فإنّ تقديرات العرض والطلب على النفط العالمي حين لا تأخذ بعين الاعتبار المناخ المتزعزع في الشرق الأوسط فهي إنما تتجنّب الحديث عن غوريلا ضخمة يمكنها أن تصيب النموّ الاقتصادي العالمي بالشلل. لا أدّعي أنني أعرف كيف أو ما إذا كانت الاضطرابات في الشرق الأوسط ستصل إلى حل، لكنني أعرف أنّ مستقبل الشرق الأوسط أمر شديد الأهمية في أي تنبّؤ طويل المدى له علاقة بالطاقة…وإلى أنْ تنعتق الاقتصادات الصناعية عن ما يسمّيه جورج دبليو بُش “إدماننا على النفط”، سيظل استقرار الاقتصادات الصناعية والاقتصاد العالمي بالنتيجة محفوفًا بالخطر.

إدمان الاقتصاد الأميركي المزمن على النفط الرخيص أمرٌ واضح، لكن الأمر الذي يحتاج إلى توضيح هو متى بدأ هذا الإدمان ولماذا أصبحت الولايات المتحدة شديدة الاعتماد على السعودية تحديدًا. والأمر نفسه ينطبق على العلاقة المسمومة بين الولايات المتحدة وإيران، فالدولتان ظلّتا تتناحران لفترة طويلة حتى غدا من الصعب علينا أن نصدّق بأنهما كانتا حليفتين ذات يوم، ناهيك عن أن تكونا شريكتين في مخطّط سرّي لغزو السعودية والاستيلاء على ثروتها النفطية. إلى أن تنتهي هذه التأزمات وإلى أن تتوصل الدولتان إلى تفاهم ينسجم مع تاريخهما المشترك المعقّد، يبدو من المحتوم أنّ شجرة العلاقات الأميركية-الإيرانية ستطرح ثمارًا سامّة لسنوات عديدة قادمة.

ما تزال الشخصية المختالة التي تقع في مركز الأحداث في هذا الكتاب تثير أسئلة كثيرة في ضميرنا الجمعيّ. لقد مضت أكثر من ثلاثين سنة منذ أن غادر الشاه محمد رضا بهلوي الساحة الدولية كلاجئ لا دولة له. وتُعدّ قصة صعوده الظافر ثم سقوطه المدوّي حكاية نذيرة لرجال الدولة الآخرين الذين يحاولون الاقتداء بمنجزاته. وكثيرًا ما يُطرح هذا السؤال: أين يكمن تحديدًا الإخفاق الأكبر كلفة للشاه؟ لا توجد في تاريخه نقطة تحوّل واحدة بعينها، ولكن قد يكون أفضل موضع نبدأ منه البحث هو ربيع عام 1969م حين سافر الشاه إلى واشنطن لحضور جنازة الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور. في ذلك الوقت لم يبدُ أنّ لهذه الزيارة أية أهمية تُذكر، لا للشاه ولا لمضيفه رتشرد نكسن الذي كان قد أصبح رئيسًا قبل شهرين فقط. الآن فقط يمكننا أن نتبيّن كيف كانت رحلة الشاه علامة مبكّرة مهمّة في الطريق المؤدية إلى الثورة.

 

أندرُو سكوت كُوبر

بيرايوس، اليونان، 2010م

_______________________________

[1]  Abolqasem Ferdowsi, translated by Dick Davis, Shahnameh: The Persian Book of Kings (New York: Penguin, 2006), 252.

[2]  “Cheney Meets Saudi King for Talks,” New York Times, November 26, 2006.

[3]  تنشر “إدارة معلومات الطاقة” في الولايات المتحدة على موقعها الإلكتروني ملخصات تحليلية عن الدول. ويمكن الاطلاع على الملخص المتعلق بالمملكة العربية السعودية من الوصلة التالية: http://www.eia.doe.gov/emeu/cabs/Saudi_Arabia/pdf.pdf.

[4]  في عام 2010م كانت المملكة العربية السعودية “أكبر منتج ومصدّر لإجمالي السوائل البترولية” في العالم. وتمتلك السعودية أكبر قدرة على إنتاج النفط الخام في العالم. يمكن الاطلاع على آخر الإحصاءات المتعلقة بإنتاج النفط واستهلاكه في موقع “إدارة معلومات الطاقة”: http://www.eia.doe.gov. وثمّة مصدر آخر مفيد للمعلومات هو World Factbook التابع لوكالة المخابرات المركزية: https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook. تقول تقارير “إدارة معلومات الطاقة”: “في عام 2009م صدّرت السعودية ما معدّله مليار برميل نفط يوميًا إلى الولايات المتحدة، ما يبلغ 9 في المئة من واردات البترول الأميركية”.

[5]  Sheryl Gay Stolberg and Jim Rutenberg, “Rumsfeld Resigns as Defense Secretary After Big Election Gains for Democrats,” New York Times, November 9, 2006.

[6]  Nawaf Obaid, “Stepping into Iraq; Saudi Arabia Will Protect Sunnis if the U.S. Leaves,” Washington Post, November 29, 2006.

[7]  Nazila Fathi, “Iranians’ Plans for Economy Spur Widespread Concern,” New York Times, May 1, 2006.

*  هذا هو الاسم الذي يعتمده الغربيون عمومًا للخليج العربي، وبما أنّ هذا الكتاب يمثّل وجهة نظر الكاتب، وبما أنّ كثيرًا من الحوارات الواردة في هذا الكتاب جاءت على لسان مسؤولين غربيين وإيرانيين، فسوف نستخدم اسم “الخليج الفارسي”. (المترجم).

[8]  تقول المؤرخة نِكي كيدي: “كان الملك الأسطوري ميداس أول حاكم شرق أوسطي يعتنق فكرة أنّ الثروة المعدنية غير المحدودة ستمكّنه من تحقيق جميع أحلامه وطموحاته. ولكن لأنّ كل شيء يلمسه كان يتحوّل إلى ذهب فسرعان ما انتبه إلى أنه لا يستطيع أن يأكل…المداخيل النفطية بالتأكيد ليست شرًا في حدّ ذاتها، بيد أنّ المدخول النفطي الكبير عادةً ما يغري الحكومات بإقامة مشروعات حَضَريّة مفرطة في الطموح ومرتكزة على العاصمة تأتي معها بمجموعة كبيرة من المشكلات”. Nikki Keddie, “The Midas Touch: Black Gold, Economics and Politics in Iran Today”, Iranian Studies 10, no. 4 (Autumn 1977): 243. (المؤلف).

[9]  Ibid.

[10]  https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/ir.html.

[11]  Hassan M. Fattah, “Bickering Saudis Struggle for an Answer to Iran’s Rising Influence in the Middle East,” New York Times, December 22, 2006.

[12]  Nawaf Obaid, “Stepping into Iraq; Saudi Arabia Will Protect Sunnis if the U.S. Leaves,” Washington Post, November 29, 2006.

[13]  “Saudi Arabia Fires Security Consultant for Iraq Remarks,” Washington Post, December 7, 2006.

[14]  Hassan M. Fattah, “Bickering Saudis Struggle for an Answer to Iran’s Rising Influence in the Middle East,” New York Times, December 22, 2006.

[15]  Helene Cooper, “Saudis Say They Might Back Sunnis if U.S. Leaves Iraq,” New York Times, December 13, 2006.

[16]  وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز فإنّ “الحكومة السعودية لا تكشف عن سعر النفط الذي تستخدمه حين تضع خطة ميزانيتها، لكنّ المحللين في سامبا فاينانشل جروب (وهو مصرف في السعودية) يقولون إنهم يعتقدون بأنّ السعر هو 42 دولارًا للبرميل لعام 2007م، مع إنتاج قدره 9 مليون برميل يوميًا. ومع وصول أسعار النفط إلى معدّل 66 دولارًا للبرميل في العام الماضي، فقد سجّلت ميزانية المملكة فائضًا في الميزانية قدره حوالي 71 مليار دولار، وفقًا لسامبا فاينانشل جروب، أي خمسة أضعاف ما تحقق في عام 2005م”. انظر: Jad Mouawad, “Saudi Officials Seek to Temper the Price of Oil,” New York Times, January 28, 2007.

[17]  Jad Mouawad, “Oil Prices Continue to Rise, with a Close Above $78,” New York Times, August 1, 2007.

[18]  Jad Mouawad, “Oil Price Drops Sharply as Global Agency Sees Demand Falling,” New York Times, November 14, 2007.

[19]  Steven Lee Myers, “Bush Prods Saudi Arabia on Oil Prices,” New York Times, January 16, 2008.

[20]  Jad Mouawad, “As U.S. Economy Lags, Oil Nations Rethink Cuts,” New York Times, March 3, 2008.

[21]  Jad Mouawad, “Saudis Vow to Ignore OPEC Decision to Cut Production,” New York Times, September 11, 2008.

[22]  Jad Mouawad, “Oil Price Rise Fails to Open Tap,” New York Times, April 29, 2008.

[23]  William J. Broad, “Experts Point to Deceptions in Iran’s Military Display,” New York Times, July 12, 2008.

[24]  Jad Mouawad, “As Oil Prices Fall, OPEC Faces a Balancing Act,” New York Times, September 5, 2008.

[25]  كما ذُكر في صحيفة نيويورك تايمز: “لقد تسبّب هبوط الأسعار في مشكلات لمنتجي النفط. تحتاج كلّ من إيران وفنزويلا إلى سعر 95 دولارًا للبرميل كي يمكنها أن تسوّي ميزانيتها القومية، وتحتاج روسيا إلى سعر 70 دولارًا، في حين تحتاج السعودية إلى سعر 55 دولارًا للبرميل، وذلك وفقًا لتقديرات البنك الألماني”. Jad Mouawad, “Oil Prices Slip Below $70 a barrel”, New York Times, October 17, 2008.

[26]  Jad Mouawad, “OPEC Plans Further Output Cuts,” New York Times, December 17, 2008.

[27]  Clifford Krauss, “No Change in Oil Goal, Cartel Is Watchful,” New York Times, December 22, 2009.

[28]  Andrew Scott Cooper, “Showdown at Doha: The Secret Oil Deal That Helped Sink the Shah of Iran,” The Middle East Journal 62, no. 4 (Autumn 2008).

[29]  Henry A. Kissinger, White House Years (Boston: Little, Brown, 1979), 1261.

[30]  William Shawcross, “Through History with Henry A. Kissinger,” Harper’s 258, no. 1548 (May 1979): 39.

*  إحالة إلى عنوان الكتاب الشهير الذي كتبته باربرا تَخمِن “مسيرة الحماقة: من طروادة إلى فيتنام” The March of Folly: From Troy to Vietnam. (المترجم).

[31]  وفقًا لموقع بوليتيفاكتس، فقد بلغت نسبة واردات النفط في الولايات المتحدة 62% في عام 2009م. انظر: http:// www.politifact.com/truth-o-meter/statements/2010/jun/07/john-kerry/kerry-says-us-imports-more-oil-now-911.

“Imported oil accounts for about two-thirds of U.S. consumption,” reports the CIA World Factbook. https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/us.html.

[32]  Alan Greenspan, The Age of Turbulence (New York: Penguin, 2007), 463.

0 3039 09 أبريل, 2017 الثالث والثمانون, سياسة أبريل 9, 2017