التنزُّه على جليدٍ رفيع

لـ

 مقابلة مع الروائي الأمريكي جوش إمونس

حاوره: إريك فارول

صدرت أول رواية لجوش إمونس عام 2005 بعنوان “اختفاء ليون ميد” وهي رواية ذكية وطموحة، تدور أحداثها في شمالي ولاية كاليفورنيا، وتتلخص قصتها في مجموعة مشتتة من غريبي الأطوار، يقطنون في مدينة صغيرة ويحاولون العثورعلى شخص فُقد فيها.

لاقت الرواية الكثير من الثناء؛ إذ أشادت صحيفة نيويورك تايمز بـ “إيقاعها الروائي الآسر” ومهارة الكاتب العالية في التعامل مع “شخصيات روائية كثيرة متنوعة”، وأثنت صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل على قدرة الكاتب على “تقمص حياة الآخرين وتصوير حياة مختلفة عن حياته الشخصية”، كما لاقت الرواية أيضًا ثناءًا من كتاب معروفين أمثال جوناثان فرانزن، وغاري شتينغارت، وجلين ديفيد جولد. ورفعت رواية إمونس الثانية بعنوان “قاعدة لوجودٍ أسمى”، التي صدرت عام 2008، مستوى “المهارة والطموح”، الذين اتسمت بهما الرواية الأولى، إلى درجة أعلى، وتجلى ذلك في اتباعها أسلوب السخرية من طرق التديّن في كاليفورنيا، خاصة فيما يتعلق بولع سكانها بفكرة علاج “الأرواح المعذبة” بأدوية روحانية؛ حيث تستكشف الرواية الحاجة الملحة للارتقاء الروحي التي تولده هذه المعتقدات الجديدة الغريبة.

وبينما يعكف إمونس على روايته الثالثة، أصدرت دار”ديزانك للنشر” (Dzanc Books) أول مجموعة قصصية له بعنوان “حكاية أخلاقية.. وحكايات أخلاقية أخرى” خلال شهر إبريل الماضي. تتألف هذه المجموعة من قصص نُشرت سابقًا في عدد من الصحف الصغيرة مثل صحيفة “زيزيفا” و”إكوتون” و”ويست برانش” و”بلاك كلوك” و”فايف تشابترز” مقدّمةً صورًا وتجارب مقنعة لأشخاص قضوا حياتهم وهم وحيدين وموجوعين، وعاشوا على خفة دمهم ولطف الغرباء معهم.

رسّخ السرد القصصي المتكامل والدقيق والممتزج بأسلوبي الجد والسخرية في كتاب “حكاية أخلاقية” اللقب الذي أُطلق على إمونس بوصفه “المؤرخ الساخر لأساليب الحياة في الساحل الغربي للولايات المتحدة”. وكونه ولد في شمالي كاليفورنيا، ويقيم حاليًا في جنوبها -حيث يُدرّس إمونس حاليًا مقرر “الكتابة الإبداعية” في جامعة كاليفورنيا- فهو في موقع يؤهله لتصوير جوانب الخلل والضعف في ولايته.

يعاني أبطال رواياتك كثيرّا من مشكلة فهم ذواتهم، هل تعتقد بأن معظم البشر مخدوعين بأنفسهم؟

نعم.. إلى حد ما؛ فنحن دائمًا نخطئ في فهم أنفسنا أو رغباتنا -التي تشكل هويتنا-، فنرتاد المدرسة الخطأ، ونتخذ الوظيفة الخطأ، ونشتري الملابس الخطأ، ونصوت للمرشح الخطأ، ونتزوج الشخص الخطأ، ونمارس طقوسنا الدينية في المعابد الخطأ، وننظر إلى الأمور بشكل خاطئ. ولأن ارتكاب الخطأ يجلب شعورًا سيئًا، نقنع أنفسنا بأننا اتخذنا القرارات الصحيحة على الرغم من وجود الدليل القاطع على عدم صحة اعتقادنا أحيانًا. يفترض أن تتوقف هذه الممارسات كلما تقدمنا في العمر وتعلمنا من أخطائنا غير أن الواقع شيء آخر، ففي حال كنا محظوظين فقط، قد ينخفض معدل اتخاذنا للقرارات الخاطئة ولكنه لايتوقف، لذا فمعظم شخصيات مجموعتي القصصية “حكاية أخلاقية” متمسكة بفكرة معينة حول ذواتها ترفض تغييرها؛ لأن ذلك سيكلفها ثمنًا باهضًا، إذ أنها تخال نفسها في أفضل حال بعد الانفصال وأنها مازالت ذكية وصغيرة وليست حمقاء،  ولو كان للكتاب خط واحد لكان يحثنا على أن نواصل مراجعة فهمنا لأنفسنا دائمًا ولابأس في ذلك.

ما قيمة “المكان” في أعمالك؟ فعلى سبيل المثال يبدو في رواية “اختفاء ليون ميد” شعور طاغي بالاكتئاب والاختناق الذي يشعر به من يعيش في المدن الصغيرة. هل يشكل لك المكان الذي تدور فيه أحداث قصة ما أهمية حقيقية أم أنها مجرد طريقة لوضع حدود ممتعة  لشخصياتك الروائية؟

لم أكن أفكر كثيرًا بالمكان كوني عشتُ في مدينة صغيرة، فكانت حدود تلك المدينة هي عالمي، غير أنني بعد أن ابتعدت عنها أدركت السر الذي جعل مدينة أويريكا في كاليفورنيا مدينة “نموذجية”وفريدة من نوعها، وهذا ما ساعدني في رسم شخصيات رواية “اختفاء ليون ميد”. ولعلي لا أعد “المكان” عنصرًا مهمًا في الرواية إلى حد ما، ذلك لأن الحالات الإنسانية تظل”حالات إنسانية” في كل الأحوال بصرف النظر عن مكان حدوثها، ومع ذلك يؤثر”المكان”على كل شيء؛ فقد أدت الصراعات المسلحة في سوريا إلى هجرة جماعية، وأدى التدهور الاقتصادي لمناطق “نطاق الصدى” في الولايات المتحدة إلى انتخاب دونالد ترمب، وأثرت التغيرات المناخية على كافة أوجه الحياة في كوكب الأرض. لذا في مجموعتي القصصية “حكاية أخلاقية” يؤثر عنصر المكان على شخصيات الرواية بصور متعددة؛ لأن أحداث القصص تدور في أماكن مختلفة كغابة الكتاب المقدس، وقرية مجهولة، وقصرِعلى شاطئ الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ومدينة لوس أنجلوس المترامية الأطراف، وإحدى ضواحي مدينة باريس، ومملكة في القرون الوسطى، ومدينة سان فرانسيسكو المتألقة، وبلدة بائسة في ولاية بنسلفانيا، و مدينة نيو أورلينز بعد كارثة إعصار كاترينا. وتختلف اهتمامات الشخصيات والمواضيع التي تقلق حيالها بحسب أماكن وجودها ولكنها ترتبط عمومًا باعتداءات وأوبئة وثقافة الأعمال التجارية أو ممارسة الجنس مع أشخاص لاينبغي ممارسة الجنس معهم. وبعكس طفولتي، صرت الآن أفكر بالمكان طيلة الوقت، ولأنني قد تنقلت من خمس عشرة إلى عشرين مرة خلال حياتي، فإني لا أشارك وليام فولكنر اندفاعه لاكتشاف العالم عبر “طابع بريدي صغير من موطنه”.

تختلف مجموعتك القصصية الجديدة كثيرًا في أسلوب الكتابة الخاصة بها، فقد كانت رواية “اختفاء ليون ميد” عامة وواسعة النطاق، بينما تبدو قصص “حكاية أخلاقية” أضيق نطاقًا وأكثر تركيزًا. هل يعود ذلك لطبيعة الإيجاز التي تؤثرعلى أسلوب السرد في القصة القصيرة فحسب أم أنها بوادر اتجاه جديد في كتاباتك؟

اتجاه جديد! بعد الإسهاب والإطناب الذي اتسمت به رواية “اختفاء ليون ميد” بتُّ أكثر حرصًا ورغبة في اختزال السرد في “حكاية أخلاقية”. وقد يبدو لكم ذلك سيئًا ولكنه ليس كذلك، فقد كنت أشعر بهوس غير طبيعي وطاقة مجنونة حينما كنت أكتب رواية “اختفاء ليون ميد”؛ إذ أنني كنت شابّا مندفعًا بشدة إلى كُتّاب مهووسين مثل الأديب الأمريكي سول بيلو والروائي البريطاني مارتن أميس والروائي البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي بالإضافة إلى أبيهم الروحي الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، وهذا ماجعلني أميل إلى الكوميديا  الممزوجة بنزعة جدية أوالجدية الممزوجة بنزعة كوميدية. فكتبت المجموعة القصصية “حكاية أخلاقية وحكايات أخلاقية أخرى” عندما كبرت وأفقت إلى الواقع قليلًا. ربما يكون التقدم بالعمر سببًا لذلك، لأنك كلما كبرت أصبحت أكثر صرامة في تحرير أعمالك، غير أنني أيضًا مررت بتغيرات كبيرة على المستوى الشخصي؛ فقد أصبحت أبَا وانفصلت عن زوجتي وانتقلت للعيش في مدينة لوس أنجلوس وتأكد لي أن الحياة لم تكن ذلك المزيج الجميل من المتعة المشوبة بالألم. تمتلك “حكاية أخلاقية” حسًّا فكاهيًا أيضًا ولكنه أكثر إضمارًا، ومصاغًا بصورة مدروسة أكثر، وأرجو أن يكون أقوى مما في أعمالي السابقة.

كان تقدمي في العمر وانفصالي  عن زوجتي تجربتين مذلتين. لقد انفصل والداي عندما كنت طفلاً وهو ماهيأني –وربما بصورة مبالغ فيها– لفكرة أن الحب الرومانسي لايدوم طويلًا، ورغم ذلك كان علي أن أقنع نفسي بعكس ذلك حينما تزوجت. ومع مشاعر الرفض القوية والمتغلغلة والمتقلبة التي واجهتها، عشتُ في مدينة نيو أورلينز قبل أن يضربها إعصار كاترينا، ولم يكن أحدًا يهتم بما سيحدث إذا ما تحطمت السدود فيها. وهنا- في لوس أنجلوس في مطلع عام 2017- فإن الأشخاص الوحيدين الذين كانوا قلقين بشدة من الزلزال الذي يهدد المنطقة هم الزوار فقط. إذن جميعنا  “نتنزه على جليدٍ رفيع”؛ فقد قربتني المآسي الشخصية من أدبي القصصي أكثر، فلم تعد بعض الأمور بالنسبة لي نظرية فحسب، بل انتقلت أزماتي الصحية ونهاية حبي وتشردي من مجرد أفكار برأسي لتسري إلى مجرى دمي، غير أنني وشخصياتي قد كنا كثقوب على شريط “موبيوس” منذ البدء، ولكنها باتت أكثر قربًا من بعضها بعضًا الآن.

تشغل المعتقدات الدينية حيزًا كبيرًا في أعمالك. ما القيمة التي يحملها “الإيمان” بالنسبة لك لاسيما وأن كتاباتك تناقش الدور الذي تلعبه الدهشة والتساؤل في الحياة -ولكنها لاتحمل بالضرورة أي معنى للتدين أو المصير الثابت-؟

أنا مندهش حقًا من الدور الكبير الذي يلعبه الإيمان في أعمالي خصوصًا وأنني لم أتبع أي معتقد ديني ولا أفكر في ذلك قط. أنا أعتنق المادية بدون شك ولكني مفتون باعتقادات الآخرين. فكل التفسيرات التي أعرفها والمرتبطة “بالإيمان”، كـ”فجوة الله” أو اختلال الغدد الصنوبرية أو الثقافة أو الجنون أو الحقيقة، لاتبدو كافية عند النظر إلى نطاق تأثيرالإيمان أو مداه الذي يشمل الفن والحضارة والإخلاص والعبادة والزهد والحرب والسلام واللعنة و الخلاص والصفاء والجنون. كل ذلك مدهش حقًا، وقد شعرت أيضًا باختلاجات شديدة – شيء ما كالتبجيل أوالتعظيم- وهذا ماقد يتحول إلى إيمانِ بالله أو بقوة خارقة لو أنني كنت قد نشأت بطريقة مختلفة. فقد سمعت في إحدى الحفلات الموسيقية مثلاً، امرأة  تغني أغنية “الله على قيد الحياة والسحر مستمر” التي غنتها المغنية الكندية بافي سانت ماري وكتبها المغني الكندي ليونارد كوهين، وكان أداؤها مذهلاً وساحرًا وخاطفًا للأنفاس ومطابقًا تمامًا للنسخة الأصلية من الأغنية. وكحال الشعور المؤقت الذي تشعر به عندما تكون تحت تأثير المخدرات، لم يستمر لدي الشعور ولكنني هاهنا عدت بعد عدة أشهر أفكر فيه مرة أخرى، وقد تكون الكتب التي أقرأها والفنون التي أحبها ونزهاتي التي أقوم بها والموسيقى التي أسمعها وتواصلي مع عائلتي وأصدقائي ومع الغرباء حتى، كلها بدائل عن الدين الذي لا أملك. ودائمًا مايبدو الإيمان أكثر تعقيدًا ومتعةً ومقبولاً أخلاقيًا أكثر من الجشع والانتقام وغيرها من دوافع السلوك الإنساني التي نصبغ بها شخصياتنا الروائية، فكون الأمر مقبول أخلاقيًا أم لا، لايهم كثيرًا في الأدب.

لذا فعنوان كتابي غريب كفاية بالنسبة لي، وقد أكون مناقضًا للمسار الذي اتخذه وليام بليك في قصيدته الملحمية “ميلتون” الذي كان “من حزب الشيطان ولكنه لم يعلم بذلك”.

تبدو فكرة الهروب مهمة لدى شخصياتك الروائية، هل يجذبك “الهروب” كونك تنقلت كثيرًا خلال حياتك أم أنك نشعر بأن تجاربك أضافت إليك رؤية أفضل حول رغبتنا العميقة في الانتقال؟

نحن نتأرجح -إلى مالانهاية- ما بين الرغبة في الهروب والرغبة في الانتماء. ألف جون كيسي كتابًا ألم أقرأه قط أسماه “نصف حياة من السعادة”. وبعبارة أخرى، لم أشعر بسعادة غامرة كسعادتي عندما حصلت على وظيفة بعد تخرجي من الكلية، ولم أشعر بالتقييد كما شعرت به حينما ظننت بأنني سأستمر في تلك الوظيفة طوال حياتي.

قلت بأنك لم تعتنق أي ديانة قط ولكن تغلب على أعمالك الأفكار المجردة ومايشبه المخاوف الروحية ويتضح جدّا بأن ديانة السينتولوجيا (العلمولوجيا) شكلت مصدر”إلهام للمعتقد الديني”  cultفي رواية “قاعدة لوجود أسمى”  .. كنت أتمنى لو أنك تحدثت عن جاك سميث، بطل تلك الرواية فقد كنت تستخدمه في بعض الأحيان لانتقاد الحلول السهلة التي توضع لمشكلة لتعاسة، بينما ترغب في أحايين أخرى في اكتشاف الإغراءات الحقيقية للإيمان الديني.

أستطيع القول أن شخصية جاك سميث في رواية “قاعدة لوجودِ أسمى” كانت بمثابة تمهيد لما سيكون عليه نكران الذات في المجموعة القصصية “حكاية أخلاقية”. قبل أن أكتب رواية “قاعدة لوجود أسمى” كنت أفكر كيف لديانيتن أعرفهما حق المعرفة وهما المسيحية والبوذية، أن تُدينا الرغبة الجنسية وتصادرانها سواء أن كان باعتبارها إثمًا أو إلهاء، وكيف أنني أعتبرها غريزة طبيعية ومهمة أيضًا؛ لأنها تؤدي إلى حالة من النشوة التي تجعلك تفهم نفسك والآخرين بشكل أفضل، وكيف أنني كنت بحاجة إلى أن أعرف ما إذا كانت وجهة نظري   أصح أم وجهة نظرهم، وكيف أن الخلاف القائم بين من يعتنقون دينًا معينًا ومن لايعتنقون أي دين لم يكن واضحًا في الواقع، ذلك لأن الكثير من الأشخاص المتدينين عاشوا من أجل هذه الرغبة فحسب. نشاتُ  في زمن جيمي سواجارت وجيم باكير وتيد هاجارد الذين كانوا قادة دينيين بارزين، ولكنهم كانوا مدمني مخدرات وجنس، كما نزل كثيرًا من الخليعين إلى تلك المستويات الأخلاقية المتدنية أيضًا، وأنا شخصيًا انضممت إلى جماعة “المدمنين المجهولين”عندما كنت في الثامنة عشر من عمري بعد نوبة ندمِ شديدة على المراهقة الحسية الجامحة المحمومة، وهذا ماجعلني أفكر فيما سيحدث لو أن جاك سميث –الشخصية المترددة في السعي وراء اللذة- تحول إلى مؤمن زاهد. هل سيجلب الإيمان سعادة دائمة أكثر من المخدرات والجنس والكحول والعمل ومعتقداته العلمانية؟ أم أنه سيستبدل وعياً زائفاً بآخر؟ وهل السعادة الدائمة ممكنة أساسًا؟ وهل يمكن صناعة الإيمان أم أنه نشأ طبيعيًا؟ وهل يمكن أن يكون هناك شيء قديم في الكون لم ينبثق من الله أو من الإنسان ولكنه ضروري لكليهما؟

أتساءل..ماذا كنت تقرأ عندما كتبت رواية “اختفاء ليون ميد”؟ فقد صدر الكتاب عام 2005 أي خلال المدة التي كان فيها الروائيون المبتدئون يركزون على الروايات العائلية أو نقاط ضعف ليبرالية البيض. ولأن الرواية ريفية ومتعددة الأصوات، أردت أن أعرف ما إذا كان هناك أي عمل آخر دفعك لتكتب قصة روائية كلاسيكية؟

كنت أريد لرواية “اختفاء ليون ميد” أن تكون “ابنة غير شرعية” لرواية جورج إليوت “ميدل مارش” ورواية دون ديليو “أندروورلد” وهما روايتان ضخمتان، تخلقان وتستكشفان عوالماً عديدة بتجنبهما استخدام حبكة واحدة؛ رغبة منهما في تقديم الواقع واستكتشاف مايدور في رؤوس شخصياتهم الروائية الكثيرة. وقد انتقدهم بعض القراء لاستخدامهم عدد كبير من الشخصيات، ولكني لا أتفق شخصيًا مع هذا الانتقاد، فقد أحببتُ أسلوب السرد مثل الأصوات والإيقاعات المتعددة، والأصوات الجماعية والفردية، وأيضاً أحببتُ طريقة دخولهم إلى دائرة واسعة من الأشخاص ليستعرضوا أشكالًا كثيرة من التجربة الإنسانية، فقررت أن أحذو حذوهم.

كما أنني بدأت بكتابة رواية “اختفاء ليون ميد” عندما كنت في أواخر العشرينات من عمري، فسئمت من أفكاري وانطباعاتي  وحساسياتي ونقاط ضعفي التي كنت أشعر بها خلال مدة طويلة، ومن هنا أصبحت الكتابة بأصوات الآخرين بمثابة تملص وهروب من الأفكار المألوفة ومساحة لتعيش حياة بشر آخرين لبرهة. يحدث هذا دائمًا عندما تكتب أية رواية، ولكن وجود عشر إلى إثني عشر شخصية روائية رئيسة في “اختفاء ليون ميد” أمر مختلف. وحتى أُجيب على سؤالك، لم أفكر بالكتابة عن عائلتي أو عن شعور الليبرالي الأبيض بالذنب، ذلك لأن عائلتي كانت مهذبة وحسنة السلوك، وشعوري بالذنب موجود ولكنه ليس طاغٍ. في كلتا الحالتين هذه الأفكار ليست قوية كفاية لتتجلى في الكتابة. 

هل لك أن تحدثنا قليلًا عن التأثيرات الأدبية التي شكّلت المجموعة القصصية في “حكاية أخلاقية”؟

كتاب “حكاية أخلاقية” هو كتاب غريب، فهو لايدين كثيرًا لأي كاتب. وبعيدًا عن الكُتّاب الذين أفكر بهم دائمًا، والذين سبق وأن ذكرتهم بالإضافة إلى كافكا وبروست وكونديرا، فإن الكاتبين الوحيدين الذين كنت أعي بتأثيرهما علي أثناء الكتابة هما المؤرخ الإغريقي ثوسيدس والكاتب الأمريكي إيمور ليونارد، حيث أنني لم يكن باستطاعتي كتابة “همفري ديمبسي” دون قراءة كتاب “الحرب البيلوبونيسية” لثوسيدس والذي يحوي أدق وأروع خطاب سياسي على الإطلاق، كما أن الأسلوب الكتابي الأبيجرامي المختزل في كتابي “حكاية أخلاقية”  وقصة “هالي” يدين إلى عشرات الروايات لإيلمور ليونارد التي قرأتها وأولعت بها وأرجو أن تكون “حكاية أخلاقية”  اتجاهًا جديدًا ومختلفًا.

سؤالي الأخير، كونك تنقلت كثيرًا بين أمكنة كثيرة، هل تشعر بأن للمكان تأثيره الخاص على أعمالك؟ تحديدًا، هل تعتقد بأن مجموعتك القصصية الجديدة أو كتابك الذي تعكف عليه حاليًا سيصطبغ بملامح معينة يمكن أن تُعزى بأنها من لوس أنجلوس؟

دارت أحداث أول كتابين لي في كاليفورنيا، بينما دارت أحداث الروايتين التاليتين لهما في أماكن مختلفة، ولذلك لست متأكدَا إلى أي مدى سأكون مستقبلًا “كاتبًا عن كاليفورنيا”، فأنا جديد نسبيًا في مدينة لوس أنجلوس، ولا أعتقد بأني سوف أفهم المدينة بشكل كامل يومًا ما فهي مدينة ضخمة وكبيرة بصورة لايمكن وصفها، لذلك أرغب في كتابة المزيد من القصص التي تدور أحداثها في لوس أنجلوس، ولكن في النهاية يعتمد الأدب القصصي دائماً على اكتشاف أماكن جديدة.

 

 

0 520 15 مايو, 2017 الرابع والثمانون, حداء الروح مايو 15, 2017