اللحظة العمانية ٢٠١٧م

لـ

إلى أحمد البحري

 

أنتقد نفسي لإحجامي عن الخوض في النقاشات العديدة والدائمة التي يطرحها من حولي والتي تتبع الأداء الحكومي وقرارات السلطة وما يفترض وما لا يفترض، أسأل نفسي عن السبب في أن نفسي فاترة لا تطرب كما يطرب الآخرون لخوض غمار هذا النقاش المحتدم، الذي يبدو حماسياً بشكل مريب. لم أنس أني كنت أخوض مثله، بل وكنت أدبج المقالات الصحفية، هل للأمر علاقة بتغير الاهتمامات؟ أم هو منظور جديد اكتسبته بحكم التجارب الأخيرة؟

 

نقاشات تجري في أكثر من دائرة اجتماعية ومعرفية مختلفة وبشكل متسع النطاق يوماً عن يوم أسمعها في فم أجيال جديدة شابة. المحصلة العامة لكل تلك النقاشات الناقدة على اختلافها ومناسباتها واحدة تصب في رسم صورة عن القيادة السياسية، وتلك الصورة ليست جميلة، أشعر أن تلك النقاشات نوع من النواح أمام الكارثة وذلك ما يقرفني منها، فلدي امتعاض فطري من النواح، لا أعتبره لائقاً، غرق في الاستسلام والانهزام، فإذا كانت هناك كارثة فعلينا مواجهتها فعلاً لا الصراخ أمامها. أظن أني صرت أكثر حساسية تجاه الوعي الجمعي، ولا أنساق لميولاته بسهولة، بل أتصلب في وجه تدفقه، وأغوص بحثاً عن ينابيعه ومصابه.

 

هل النقد العمومي يصب في بحرٍ طيب؟ هل يحفر مجرى نهر الوعي بشكل حسن؟ أم هو يراكم حصاد القبح وجمع المعايب؟ لا أسمع في النقاشات الجوانب الحسنة لأفعال السياسة العمانية، إلا على الصعيد الخارجي، ربما لأن جانب الخطاب الدعائي الداخلي قد احتلّ المنطقة المضيئة وترك للناس المنطقة المظلمة، لذلك هم يتخبطون فيها، تعليقات كثيرة عبر مواقع التواصل تشارك نفس ذلك الخطاب الشعبي الذي لا يبدو خطاباً مدركاً أو واعياً، حتى حين يصدر من مثقفين وكتاب، بل يبدو أحيانا كثيرة مثل المشاركة في السيل بإلقاء مزيد من الغثاء.

 

أزمة انخفاض أسعار النفط بدأت تلقي بثقلها وأصوات التذمر بدأت تعلو أكثر فأكثر، والخشية من الضرائب، هذا طبيعي، لكن ما أراه غير طبيعي هو التصنيف النسبي، معظم الحوارات الشعبية تحاول تصوير قيادتها السياسية والحكومية بصورة المجموعة الأنانية المنقسمة على ذاتها والمهتمة بمصالحها الشخصية مقابل المصالح العامة، وفي هذه الخانة يتم تصنيف أغلب إن لم يكن كل موظف حكومي كبير، ووفقاً لتلك النظرة فإن المجموعات المختلفة من القيادة تبحث عن مصالحها ومغانمها من الحالة الطارئة ولم تعد تفكر بمصلحة الوطن، ومصلحة الوطن في نظر هذا الخطاب هي بالضبط راحة الشعب وزيادة مداخيله المادية ورواتبه، وتسهيل حياته أكثر، أليست هذه طريقة أخرى لتصور الوطن وثرواته كغنيمة يجب تقاسمها قبل أن تنفد، تصورٌ مخزٍ عن الوطن، يليق بفكر ارتزاقي لا بوطنيين يهمهم رفعة الوطن وشأنه ويدركون ارتباطهم المصيري به.

 

بالمقابل يمكنني افتراض أن خطاب المسئولين هو إخفاء القلق من التحولات التي على وشك الحدوث، لكني أسأل ما هي الصورة النسبية في ذهن المسئول عن وعي الناس، هل هي صورة الوعي الجاهل الذي لا يدرك الأزمات التي تواجهها البلد، ولا يقدر حجم التضحيات التي يقوم بها المسؤول الواحد، وثقل المسؤولية الجسيمة على عاتقه؟ وبالتالي فهي صورة شاطئ من العقوق تعاود أمواجه ضرب الساحل، وحقل من انعدام الشكر على ما تحقق، وعي يستكثر المكاسب البسيطة التي هي حق المسؤول الذي يفني حياته وعمره في خدمة الوطن، وهي تعبير عن الحسد، فكل فرد من هؤلاء الناس يتحين الفرص للاستحواذ على المال العام والحق العام والتهرب من القانون لزيادة قطعة أرضه أو حفر بئر ممنوعة داخل منزله أو الهرب بأمواله عن ما يستحق عليها من رسوم، بمعنى آخر فساد الناس، وبالتالي تكون المسطرة المستخدمة مسطرة المكسب والمغنم الذاتي وهي لا تختلف عن الصورة الأولى وتكاد تتطابق لكن من الجهة الأخرى.

 

كنتيجة لذينك التصورين يزداد نفور القمة من القاعدة ونفور القاعدة من القمة بسبب الاتهامات المتبادلة، فإذا كان هذا خطاب الوعي العماني فهو بكل تأكيد خطاب عقيم، يرمي نفسه في الهاوية التي يدعي أنه يريد تجنبها، والمصلحة الوحيدة التي يجنيها هي زيادة الفجوة وتحطيم الروابط الطبيعية بين أفراده وبالتالي تعميق الاغتراب بين الجيل الواحد من الأحياء، والأجيال الجديدة، وبين القطاعات المعرفية والثقافية المختلفة المعنية والمشغولة بواقع الحالة الوطنية.

 

لا يفيد الوطن أن يشكك الناس في ذمة قيادتهم، ولا يفيد الوطن أيضاً أن تقلل القيادة من مستوى وعي الناس وذمتهم بالتالي، لكن المسؤولية لا تقع على الناس بل على المسئول، لأن الناس تبع لقادتهم ورموزهم، وإذا شاعت أخلاق اجتماعية أو ممارسات فستجد أن شيوعها يأتي من تبني الرؤوس لها لا من تبني الأطراف، وعلى من يحاول الإصلاح أن يبدأ بإصلاح العقول والأدمغة التي تقود لا أن يبدأ بإصلاح الأطراف التي تسير.

 

هكذا في الجدال الذي لا ينتهي.

 

أما في ضياء الضمائر فالأمور أكثر بساطة ووضوحاً وحقاً وصدقاً، يعرف المخطئ حجم وجنس خطئه ويعرف المصيب صوابه، فإذا وجدنا سلطتنا صارت تضيق ليس فقط بالنقد والكلام العابر على مواقع التواصل كما يعتقل اليوم الأستاذ أحمد البحري، بل حتى بالدراسات الرصينة والتي تبقى مجرد وجهة نظر بحثية لصاحبها كما يحدث اليوم أن يحاكم الباحث منصور المحرزي، فإن الدائرة تضيق بدل أن تتسع، والأفق ينغلق بدل أن ينفتح، وإذا اتفقت كل الضمائر المسئولة على أن هذا المسلك هو الحل الوحيد فإنما نزيد من أعباء ضميرنا الوطني ومن يأسه من ذاته، الجدال لا ينتهي والنقاش بلا صدق عقيم، والزيف لا يبني حقيقة.

 

علينا أن لا نتخلى عن التراحم فالرحمة منبع البركة وإذا قل التراحم بيننا هلكنا جميعاً ووطننا معنا، الأرض راسخة وعلينا التمسك بالراسخ، نحتاج جميعاً إلى رحمة السماء فلنكن مؤمنين حقاً في كل فعل نفعله، لا في ألسنتنا وإعلامنا، إذا ترسخت القسوة في الممارسات السلطوية وأهينت حقوق الإنسان وشاع النقد الذي لا غاية له غير النقد فإننا نرعى الشوك بدل الزهر، يجب أن تكون ممارسة النقد ممارسة واعية، فإذا حورب النقد الواعي فإنما هو إفساح المجال وترك الحبل على الغارب لخطاب نقدي مزيف لا يدرك الهدف الأسمى الذي يسعى إلى تحقيقه كل نقد وهو الإصلاح لا تهديم المسار كله وقطع الطريق، والنقد الذي يقطع الطريق ليس نقداً حقيقياً، يشيع النقد أحياناً بين الناس في أحاديثهم الخاصة نتيجة لأن النقد العام صار شبه ممنوع تحت طائلة القانون، تتبع العيوب لا يؤدي إلى علاجها بل إلى مفاقمتها، كالشخص الذي يتجسس على الناس وينقل أخبارهم تحت دعوى اهتمامه بأخلاق المجتمع بينما هو كالذباب الذي يتجمع على الجروح والقروح يزيد مرضها ولا يشفيها، القيادة يجب أن تكون صورة لما يحلم به الناس وأن تكون بأخلاق مثالية خاصة في الأزمات.

 

ليس النفط قدرنا الوحيد ولو كان لدينا من قوة الحياة ما يكفي لأمكننا تخطي هذه العقبة التي ليست سوى لعبة رأسمالية حمقاء مقفلة كالرأسمالية تريد تسليمنا لرأس المال العالمي وتقلباته، لو كانت قلوبنا قوية لاستفدنا من الوعي الذي حققته المرحلة النفطية والتفتنا إلى عمقنا الاستراتيجي القريب وروابطنا الطبيعية واستثمرناها بقوة حقيقية، وبدل معاداة بعضنا البعض نتحد معا لنتجاوز الأزمة معاً، بدل التفرق الاقتصادي، الأوضاع المالية تنذر بالسوء لكن (شركائنا) الغربيين لن يخطر ببالهم التنازل عن حصصهم المفروضة فرضاً في ثروتنا الوطنية، مثلما لا يفوت السفير الأمريكي المشاركة في حفل مزايين الإبل قرب المنابع النفطية.

 

بوعي مفتوح وقلب أكثر انفتاحاً يمكننا تجاوز العقبة الاقتصادية، وبدل محاولات التجميل الخارجية يمكننا زرع الجمال الراسخ، نحن في وطن يكسب قوته من قوة ضمائرنا لذلك علينا أن لا نتخلى عن صوت ضمائرنا أمام أي شيء وأي قوة وإلا حل بذواتنا الخراب، علينا الحرص على الأخلاق العالية وعدم التخلي عنها لصالح مطامع مادية سخيفة وصغيرة ولا تجر غير خطاب الحسد الشائع، ولا يجب أن نستخف بالخطاب الناقد ولا نظن أن تمترس أي نظام خلف زيادة القوة والتسلط حلٌ ناجع، ترسخ الحكومات بقوة الإقناع والإيمان المعنوية أكثر من أي قوة مادية أخرى، قد يسارع الآخرون لبيعنا منتجاتهم المخصصة لقمع الناس وحصارهم، لكن إذا وقعت الكوارث سيبدؤون في التفلسف بينما تغرق السفن، نحن وحدنا من يقع علينا واجب الإنقاذ، ولن نستطيع ذلك دون أن ننقذ أنفسنا أولاً، التجاوز على الناس بتكميم الأفواه وسياسة القهر وخنق الحرية الطبيعية لا يحصد غير زيادة القهر والسخط العام، وليس حلاً بل نوعاً من المخدرات، لا نفع للسجون والتحقيقات أمام ظهور الحقائق، يمكن حبس الناس لكن الحقيقة أكبر من كل سجن يمكن بناؤه. علينا إيلاء الحق حقه بشكل راسخ، والسلام مسألة إيمان، لا ادعاء، وكلما زاد الادعاء زادت صعوبة الاختبارات التي علينا مجابهتها لإثبات دعوانا.

المطلوب يسير ويمكننا تحقيقه بسهولة إذا استقام الباطن، والطريق العسر عسير يحطم القلب نفسه ثم لا يصل حيث يريد، فلنثبت راسخين مع بساطة حبنا ونتبع احترامنا بدل الميلان والتبلبل لصراخ مخاوفنا وفورات غضبنا.

وطن الجمال ينبع من القلوب الجميلة، ووطن المحبة مصب الأرواح المحبة.

0 1206 15 مايو, 2017 الرابع والثمانون, ثقافة وفكر مايو 15, 2017