اللاشعور السياسي في الأزمة السعودية – القطرية

لـ

الجزء الأول

   حقيقتان ينبغي التذكير بهما قبل إجراء قراءة تأصيليَّة ناقدة لتطورات الأزمة / الحصار داخل الإقليم الخليجي: الأولى مرتبطة بمفارقة ثقافية وسياسية كبرى، مُلخصها أن كافة تجارب الوحدة العربية ومشاريعها كان مصيرها الفشل، سواء تلك التي تبلورت مقدماتها وتشكلت في مهد الفكر القومي العربي –  الإقليم الشامي والعراقي وتجاربهما الفاشلة في الوحدة مع بعضهما أو مع مصر- أو التي جرى الإعلان عنها في دول شمال إفريقيا؛ فيما كُتب النجاح لمشاريع وحدوية في الخليج العربي، الذي كانت أنظمته السياسية ليست بمعزل كامل عن الفكر القومي فقط؛ وإنما اتخذت القوى الفاعلة فيه موقف العداء لهذا الفكر. وأثمر هذا النجاح عن نموذجين من نماذج الوحدة: أولهما على مستوى الدولة، ممثلا بتوافق سبع إمارات على الاتحاد مع بعضها وإعلان دولة جامعة هي الإمارات العربية المتحدة، وهذا النموذج يندرج تحت عنوان الاتحاد بالتراضي. ودولة أخرى توحدت نتيجة حروب تطهيرية انطلاقا من إقليم نجد باتجاه أقاليم واسعة وممتدة في أرض الجزيرة العربية، وأثمر هذا التمدد من خلال القوة عن توحيد أقاليم عدة في دولة واحدة هي العربية السعودية. وكلتا التجربتين ما زالتا صامدتين إلى الآن، وهذا جيد.

النموذج الوحدوي الخليجي الثاني اكتمل من خلال تأسيس منظمة إقليمية تحتضن دول الخليج الست، وأُعلن عن هذا التأسيس بعد عامين من حدثين لهما دلالاتهما وتأثيرهما الخطر على المنطقة، وتحديدا في البعدين الأمني والسياسي. الحدث الأول مُعبّر عنه في التغيير التاريخي الذي شهدته إيران نتيجة ثورتها الإسلامية، والثاني عقب المناداة  للجهاد الإسلامي من واشنطن بعد تنسيقٍ عالي المستوى مع الرياض وإسلام أباد والقاهرة، وكانت الحرب في أفغانستان وقتال الجيش الروسي الموجود فيها هو مجال الدعوة الجهادية.

كلا الحدثين جرى التعامل معهما خليجيًا من منظور أمني بالدرجة الأولى، وعليه جرى تأسيس تجمع إقليمي، حددت ديباجةُ نظامه الأساسي غاياته الختامية الهادفة إلى التكامل وتعزيز أوجه الترابط، وصولا إلى مستوى أكبر هو الوحدة بين الدول الخليجية؛ غير أن هذا النموذج كانت تعتريه منذ انطلاقته جملة من نقاط الضعف؛ لعل أهمها في حينه هذا الغياب الكامل لرأي المواطن الخليجي في مشروعه الإقليمي، وهذه مسألة أساسية وجوهرية، وتكون في العادة سابقة للإعلان عن  أي شكل من أشكال الاتحاد أو التعاون بين الدول. ولعل القفز عن هذا الإجراء نابع من فهم لحقيقة سايكولوجية مفادها أن الإنسان الخليجي – أسوة بأخيه العربي في أي دولة كان – تتنازعه ولاءات متعددة لا ترقى في تراتبيتها إلى مستوى الولاء للإقليم؛ فهناك الولاء للأسرة والقبيلة، ثم الولاء للطائفة أو المذهب، وهناك الولاء للوطن، ليبقى الولاء للإقليم في آخر سلم أولوياته، إضافة إلى أن مفهوم ” المصالح المشتركة ” على نطاق واسع قد أثبتت التجارب التاريخية أنه لم يتجاوز إلى الآن مرحلة الوهم أو الأسطورة السياسية، رغم كل الكلام الإنشائي الرومانسي الذي يغلفه.

فمع وجود بعض النجاحات التي حققها مجلس التعاون في عدد من المجالات؛ إلا أنه ما زال حتى يومنا هذا، وبالنظر إلى طول فترة التجربة، عاجزًا عن تحقيق الأهداف الكُبرى التي أُنشئ من أجلها؛ لينتهي المطاف مع تفجر الأزمة الراهنة بين العربية السعودية والإمارات العربية والبحرين من جهة، ودولة قطر من جهة أخرى، إلى مرحلة إثارة فكرة التشكيك بجدوى استمرارية التجربة، وإمكانية تفككه.

وإذا كان لكل فعل سياسي محدداته والمنابع التي يقصدها العقل بصورة شعورية أو لا شعورية ليترجم في النهاية على هيئة تجليات ووقائع على الأرض تمس أول ما تمس الإنسان العادي؛ فإن معرفة حقيقة الأصول والمحددات للسلوك السياسي العربي تغدو مسألة حيوية وبالغة الأهمية، وهي أصول شخّص المفكر المغربي محمد عابد الجابري أبعادها التاريخية بثلاثة محددات: القبيلة، الغنيمة، العقيدة. وفيما يبدو فإن تاريخية هذه المحددات التي أشبعها الجابري شرحا في كتابه القيّم “العقل السياسي العربي” ما زالت حاضرة نشطة في كل فعل أو رد فعل سياسي عربي عموما. ومن خلال تأملٍ وتفحصٍ معرفيٍ في بعض تجليات الحدث الراهن للأزمة الخليجية؛ فإن العين الباحثة المدققة لن تخطئ تشخيص هذا الاستحضار القوي لمحددات العقل العربي التاريخية التقليدية، وبجهد بحثي يمكن تلمس أين هو موقع العصبية القبلية من هذا النزاع، وكذلك أين تبرز الغنيمة وأين يتم التفاعل وتنشيط البعد العقدي. وهذا الجهد محاولة لتوضيح إسقاطات هذه المحددات ومدى حضورها في الأزمة الخليجية.

القبيلة:

يرى الجابري في فكرة العصبية عموما أنها المجال الذهني الذي تُفرّغ فيه ومن خلاله كافة الشحنات التي تتسم بالانحياز والموالاة، مثل الانتماء  إلى مدينة أو طائفة أو جهة أو حزب. أما العصبية القبلية تحديدا فهي تعني الموالاة بالمطلق والمناصرة العمياء لقرابة الدم. إنه سلوك غير معني بالتفريق أو تحديد هوية الظالم أو المظلوم، طالما قانون الصراع القبلي: ” أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب” هو المرجعية التي يحتكم إليها في كل نزاع.

وفيما يخص تاريخية تأثيرات هذا الجانب الهام من التكوين الذهني في الإنسان العربي  وتفريغه في المجال السياسي، فكانت تجلياته الأبرز قد تشكلت في دولة المُلك التي أسسها معاوية بن أبي سفيان، باعتبارها دولة قائمة على القوة والغلبة ومنطق القبيلة، فالخلافة وفقا لمنطق هذه الدولة ليست للعرب بل لقريش، وليست لقريش كلها؛ بل لبيت من بيوتها، بيت بنو عبد مناف، وليست لبني عبد مناف كلهم؛ بل لبني أمية حصرا. وتأسيسا على هذه التجربة، تكونت الممالك والإمبراطوريات الإسلامية اللاحقة التي شكل كلٌّ منها قاعدة أيديولوجية تبرر احتكار أسرة أو سلالة بعينها الحكم دون سواها، وبذا غدت القبيلة الإطار الذي تشكلت بداخله الدولة / الدول العربية الإسلامية. وهنا ينتهي الاقتباس من شروحات الجابري.

وعلى امتداد التاريخ العربي، قديمه ووسيطه، حديثه ومعاصره؛ فإن هذا البعد المرتبط بالنزعة القبلية كان حاضرًا بصورة دائمة. والمجتمعات الخليجية، إضافة إلى العراقية والشامية، هي من أكثر المجتمعات العربية تمثلا بالقيم التقليدية للقبيلة / العشيرة. وفي المجال السياسي؛ فإن نمط الحكم في الدولة الخليجية ارتهن منذ تشكله في التاريخ الحديث بالنمط القبلي التقليدي، سلالات حاكمة تنتسب إلى قبيلة كبيرة، محاطة عادة بنخب من مشايخ القبائل الرئيسة، ويدخل الجانبان في تحالفات وتفاهمات شتى، سياسية واقتصادية وأيديولوجية، وهي حالة يعرّفها علماء الاجتماع بـ “القبليّة السياسية”. غير أن التحالف الأكثر تأثيرًا في مجاله المحلي، الذي كانت له تداعيات بالغة في المحيط الخارجي، هو التحالف القائم بين العائلة السعودية المالكة، التي تنحدر من قبيلة عنزة، مع أسرة آل الشيخ التي تنتسب إلى مؤسس الحركة الوهابية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وترجع أصول هذه الأسرة إلى قبيلة تميم.

اللافت في مسألة الخلاف السعودي – القطري الأخير أن البعد الخاص بالانتماء القبلي كان من أوائل بنود الخلاف تبلورا واكتمالا، إن لم يكن أولها، فقد لخصها وعبّر عنها نص البيان الذي أصدرته قبيلة ” آل الشيخ ” والذي تدحض من خلاله صلة قرابة الدم بين الأسرة القطرية الحاكمة، آل ثاني التي تنحدر هي أيضا من قبيلة تميم، بالشيخ ابن عبد الوهاب، وشرح البيان أن هذه الصلة مزعومة ومعدومة بالكامل. وأكد موقعو البيان أن مقصدهم من إشهاره ليس التفاخر بالأنساب أو إثارة للنعرات القبلية، وأنه لا يقصد بالضرورة المباهاة بالأصول القبلية، وهو بالمناسبة سياق يُوحي لمن يقرؤه أن انتساب العائلة الحاكمة في قطر إلى الشيخ عبدالوهاب وليد لحظته أو حديث عهد، أو نتيجة استفاقة مفاجئة ناجم عن كشف جديد في علم الأنساب والأصول، وهذا معناه أن عنصر الاضطرار للتفنيد، كما هو وارد في البيان، ليس في محله، ويحيله بالكامل إلى مجال آخر غير مجال علم السلالات والأنساب، إنه حديث سياسي بامتياز.

هذه الأسبقية في حضور البعد القبلي واكتماله في النزاع بين الدولتين الخليجيتين، تبعها قرار يقضي بطرد المواطنين القطريين من دول الحصار الخليجي: السعودية، البحرين، الإمارات العربية، بعد إمهالهم مدة 14 يوما لمغادرة البلاد. ورغم التداعيات الإنسانية المؤلمة لهذا القرار، بحكم صلة النسب الوثيقة والمتشابكة التي تربط العائلات الخليجية بعضها ببعض؛ إلا أن تطبيق هذا القانون، وعلى وجه الخصوص في دولة الإمارات كان غريبًا ومفاجئًا؛ نظرا للجهود الرسمية المعلنة التي بُذلت مؤخرا في سبيل تعزيز خطاب التسامح وقيم مكافحة التمييز ونبذ الكراهية، وهو توجه عصري استحدثت بموجبه وزارة للتسامح، كانت من أولى تبريراتها النظرية تعزيز معنى التسامح في المجتمع، ومواجهة نزعات التعصب والغلو.

وفي حال التدقيق في الأصل الفكري لقرار طرد المواطنين القطريين من الدول الشقيقة، يغدو بالإمكان إرجاعه إلى قانون عشائري قديم يطلق عليه في بلاد الشام “الجلوة العشائرية”، وأعترف هنا بعدم مقدرتي على الوقوف على ما يقابله في القانون العشائري المعاصر بدول الخليج؛ إلا أن تجارب تاريخيَّة قديمة وحديثة تشي أن هذا النمط موجود، وله أصل راسخ في الثقافة القبليّة بالجزيرة العربية، وهذا العقاب الجماعي شائع في الأردن على سبيل المثال، ويطبق على كل من ارتبط بصلة مع الشخص أو الجهة المستهدفة، فيؤخذ البريء بجريرة المذنب، من خلال طرده وإجلائه عن مكان إقامته.

وإذا بقينا في المدى الزمني القريب من الأزمة، وفي حال أردنا ترتيب الأحداث انطلاقا من تأثيرات البعد القبلي؛ فإن رواية أخرى تبرز للمتابع تمكنه من إحالة بعض مسببات هذا التردي في العلاقة بين الأشقاء الخليجيين إلى شرارة كانت قد انبعثت من الدوحة، وتولد عنها شرر تطاير في كل الاتجاهات. وعليه ووفقا لمحتوى هذه الرواية؛ فإنه من الممكن النظر إلى الموقف السعودي باعتباره نتيجة وليس سببا. جوهر هذه الرواية يكمن في الطريقة التي نظرت بها الرياض إلى زيارة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر السابق، لمسقط رأسه في منطقة ” أشقير” السعودية، شمال نجد، التي هاجر منها قسم من بني تميم إلى قطر منذ أكثر من 200 عام. بالطبع أهالي المنطقة احتفلوا بزيارة الأمير القطري وأفراد الأسرة الحاكمة وكبار قبائل تميم القطريين من المعاضيد والبوكوارة، ورأى بنو تميم من السعوديين، أو جزء غير قليل منهم أن الزيارة لها رمزية وفاء من جهة الأسرة القطرية لذكرى الأجداد، وهذه الزيارة – بالمناسبة – حدثت قبل عشرة أيام تقريبا من نشوب الأزمة، وهي الزيارة التي ما كان لها أن تكتمل وتتوج إلا بلقاء بروتوكولي جمع بين الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، والشيخ حمد. وكالعادة؛ فإن البيان القطري تحدث عن استعراض الجانبين للعلاقات الأخوية الوطيدة بين البلدين، في حين كانت القراءةُ غير المُعلنة من الجانب السعودي للزيارة مغايرةً تماما لمعاني الأخوة المعلنة؛ إذ لم ترَ فيها الرياض سوى محاولة من الأسرة القطرية الحاكمة في استثمار البعد القبلي من خلال توحيد قبيلة تميم، بجناحيها: السني والشيعي تحت زعامتها.

 

غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ إذ أفادت وسائل إعلام سعودية أن النشاط القطري في البعد الاجتماعي القبلي ما هو إلا غطاء لتحقيق هدف سياسي أكبر؛ خصوصا أن هذا الاختراق، أو محاولته، لكيانات سعودية يأتي في سياق تحرك أوسع يشمل عموم أبناء تميم في العراق وسورية والجزيرة العربية وسوريا والأردن وفلسطين وإيران، لتشكيل قاعدة قبليّة / سكانية قوية في الخليج والمشرق العربي، ومن شأن هذه القاعدة إذا اكتمل التأسيس لها أن تضيف ورقة رابحة لا يستهان بها إلى مجموع الأوراق القوية التي تمتلكها الدوحة في مواجهة زعامة آل سعود للجزيرة العربية تحديدا، وهذا شأن لا يمكن للحكام السعوديين التساهل فيه بأي شكل من الأشكال. وفي أول رد عملي على هذا التحرك قبل أيام قليلة من نشوب الأزمة، أصدر عدد من أهالي “أشقير” السعودية بيانا على مواقع التواصل الاجتماعي أعلنوا فيه رفضهم للزيارة، مؤكدين أن ولاءهم ثابت وحقيقي لآل سعود، وما زال سياق الأحداث إلى الآن يتحدث عن ولاء للقبيلة أكثر من حديثه عن ولاء للوطن.

هذه المعطيات المنشورة بما تحويه من فعل ورد فعل، تكشف الغطاء عن أستار أسبقية التنافس القبلي وأولويته، أو استثمار الزخم العشائري في النزاع الحاصل، وأن كل ما يروج له من خلاف أيديولوجي أو سياسي بين الدولتين يأتي من حيث الأهمية في الدرجة الثانية، وربما الثالثة، وتكشف فيما تكشف عن أصل النزاع بين طرفين من أطراف أسر الحكم في الخليج العربي؛ ليؤكد كلُّ طرف مدى حضور زعامته والتأثيرات الناجمة عنها؛ خصوصا في البعد الجيوسياسي “تأثير الجغرافيا على السياسة”. وإذا كان أحد طرفي الأزمة يفتقد إلى ميزة الاتساع الجغرافي، وهو هنا بالطبع قطر؛ فبالإمكان تعويض هذا النقص بعدة وسائل، يأتي المجال القبلي بوصفه عنصرًا أساسيًا من عناصر المعادلة، الذي تحاول الأسرة الحاكمة تعويضه من خلال تحالفات قبلية واسعة.

الموافقة بين الطموح في الزعامة والرغبة في التحرر من محدودية النطاق الجغرافي الضيق، مشروع قطري يمكن تلمُّس بداياته المعاصرة منذ تسعينيات القرن الماضي عندما اكتشف القطريون فكرة أنهم سيكونون أفضل حالا إذا نهجوا سياسة مغايرة لشروحات النظرية الجيوسياسية، أو على الأقل تطويرها بما يتوافق مع تأثيرات الثروة التي هبطت على هذا النطاق الجغرافي الضيق؛ فأخذت قطر في صناعة وتشكيل مظاهر قوة خاصة بها. واكتملت عناصر “الشغب” مع إطلاق  قناة الجزيرة الفضائية – شاعر القبيلة المعاصر -، فضائية “رأي من لا رأي له” التي سحرت عقول المواطنين العرب وقلوبهم وأخذت بألبابهم، وأثَّرت فيهم كما لم تؤثر أيٌّ من وسائل الإعلام من قبل؛ إذ كان الجميع في تلك المرحلة يحسب لها بدل الحساب ألف حساب بسبب تأثيرها الكبير على المتلقي، وجرأتها في تناول كافة شؤون المنطقة، عدا الشأن القطري بالطبع، فتعاظمت بذلك الحسابات في ضرورة التعامل الحذر مع هذا اللاعب المشاغب، ومداراة هذه الشوكة التي زرعت في الخاصرة بانتظار الوقت المناسب لاقتلاعها؛ وأخيرا جاءت الفرصة الذهبية أثناء زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لمنطقة لم يكد يغادرها حتى تفجرت الأزمة بين الرياض والدوحة، وجرى الإعلان عن كشف أو “جردة حساب” جرى التعبير عنها من خلال جملة من الاشتراطات والمطالب ما زالت – إلى اليوم – الدول التي أصدرتها متمسكة بتطبيقها جميعا؛ في حين اعتبرت دول ومنظمات دولية متابعة ومراقبة لتطور الأحداث، بعضُها مناصر للموقف القطري وبعضُها يقف على الحياد، شروطَ رفع الحصار/العقوبات على قطر ليست غير منطقية فقط؛ بل إن معظمها لا يتوافق مع القانون الدولي المعاصر، وكأن لسان حال موقف هذه الدول المعارض للاشتراطات الخليجية يقول: إن الباعث أو الناظم لهذه الاشتراطات قانون آخر غير القانون الدولي، قانونٌ من المفترض أن لا تكون له أية ظلال أو تسربات داخله، إنه قانون القبيلة ومنطقها، الذي من خلاله تحاول قوى إقليمية فرضه باعتباره أمرًا واقعًا، علمًا أن هذا الواقع باتت تحكمه وتسيّر شؤونَه قوانينُ السياسة ونزاعاتُها، التي تتجسد في النهاية في قانون رئيس، هو “موازين القوى”.

إن مسألة التنافس على الزعامة مسألة شديدة الالتصاق بذهنية العقلية القبليّة العصبوية؛ غير أن مفهوم الزعامة جرت عليه الكثير من التطورات والتعديلات في الفكر الإنساني، فتجاوز المعنى الأبوي السلطوي للمفهوم إلى معاني الزعامة الفكرية وريادة القيم الإنسانية، وهي مرحلة لم يبلغها العقل العربي إلى الآن، مع وفرة الفرص المادية والثقافية التي أتيحت له لأكثر من قرن. ومسألة تعلق الحاكم العربي بنمط الزعامة التقليدي مسألة مرصودة وموثقة من الناحية العلمية منذ الاتصال الأولي الذي أجراه باحثون وسياسيون وعملاء استخبارات بريطانيون بصورة أكبر مع أمراء الخليج العربي ومشايخه مطلع القرن الماضي في” نجد وعسير وحائل والإمارات السبع والكويت وقطر والحجاز”، ودوّن هؤلاء المبعوثون ملاحظاتهم في برقيات سريَّة كانت ترسل إلى وزارتي الخارجية والحربية، وتوافقت معظم الملاحظات على جملة نقاط من بينها أن السلبية في سلوك زعامات الخليج العربي وتردي علاقات بعضهم ببعض تكمن في هذا الشعور العميق بالغيرة، وأن عمق هذا الشعور يكاد يقتل بعضهم ولأسباب تكون في بعض الأحيان تافهة، ناهيك عن سمة الحسد وعدم القدرة على التماسك والتفاهم فيما بينهم، وهذه كلها من إفرازات الذهنية القبلية التي لا تحتمل إخفاء ما بداخلها.

وثمة ملاحظة ذات صلة، انتبه إليها المفكر الكويتي الراحل خلدون النقيب، مرتبطة برسوخ القيم القبليّة وأخلاقياتها في المجتمعات الخليجية المعاصرة، ملخصها أنه رغم تبدل الأزمان وتبدل الأحوال مقارنة بمائة عام مضت، ومع انتشار التعليم ووسائل الإعلام على نحو واسع في هذه المجتمعات؛ إلا أن الإحساس بالانتماءات القبلية والطائفية لم يضمُر أو يتراجع كنتيجة طبيعية لهذا الانتشار؛ وإنما الذي حصل هو العكس تماما؛ ذلك أن انتشار التعليم في دول الخليج كان عاملا مهما من عوامل ترسيخ هذه الانتماءات بصورة مختلفة عن السابق وفق ما أسماه بـ “الوعي القبلي”. ومن باب التعزيز لهذه الفكرة، انطلاقا من إعادة قراءة ناقدة لتداعيات الأزمة الناشبة اليوم، يمكن القول إن القيادات الشابة التي كانت محل أمل في إحداث تغيير بصورة أو أخرى في نمط الحكم من خلال تعظيم أو تفعيل مظاهر الحداثة في دولها، قد ارتدت هي أيضا في سلوكها السياسي واستحضرت المشهديات التاريخية ذاتها، التي كان من المفترض تجاوزها منذ فترات طويلة، لا لشيء إلا لغايات تأكيد فعاليتها وحضورها، في  حين لا ينظر إلى النتائج والآثار الكارثية التي تنجم عن هذا الإصرار – مهما تعاظمت – إلا باعتبارها آثارًا هامشيّة سيتم تلافيها وإصلاحها بعد إتمام المشروع. هكذا ينظر ويجري التعامل مع الأخطار الرهيبة التي تحيط بالمنطقة.

وفي ختام هذا التناول لجانب أساسي من جوانب الأزمة الراهنة، استحضر الذهن  نصًا تاريخيًا يمكن اعتباره نموذجًا لحالة التنافس على الزعامة في العقل العربي، وهذا النص مثبت في كتب السيرة النبوية ومنقول على لسان أحد زعماء قريش من بني مخزوم، يعلن بموجبه مبررات رفضه التسليم بنبوة سيدنا محمد، عليه الصلاة والتسليم، وأصل هذا الرفض والإصرار العنيد على التمسك بالشرك بدلا من عقيدة التوحيد أن النبي الموحى إليه من السماء من قبيلة منافسة لقبيلته، مع التنبيه على ضرورة تنزيه مكانة النبوة عن كل هذا الذي يجري اليوم من نزاع غير بريء تشهده المنطقة، لكن دلالة النص وإسقاطاته تتوافق مع مجريات الحدث، وتكشف عن مدى التبدل الذي طرأ على عموم العقل العربي منذ فترة ما قبل الإسلام إلى اليوم؛ فقد أفصح هذا الزعيم عن موقفه وموقف قبيلته من النبوة المحمدية قائلا :” تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذبنا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه.”

أما إسقاطات هذا النص على مجريات الأحداث؛ فبالإمكان تحويره ليغدو على هذا النحو:” مولوا إرهابا ومولنا، تسلحوا إلى آذانهم وتسلحنا، تحالفوا مع أنداد لنا وتحالفنا مع أنداد لهم، أطلقوا شاعرهم وفضائيتهم وأطلقنا أختا لها، والله لن نذعن لهم حتى يقروا بأفضلية زعامتنا”.

وللحديث بقية..