إدوارد سعيد يبحث عن إجابة!

لـ

ليست كل الأسئلة تبحث عن جواب، فمنها ما يحبُل بمعنى الاستفهام والغرابة لاستحالة أيّة إجابة، وقصور أي قول عن تبرير موضع السؤال. وإن نحن حاولنا؛ كان الجواب باهتًا في أحسن الأحوال، ومغرقًا في البجاحة في أسوئها. يكون ذلك أكثر ما يكون عندما يصبح موطن السؤال مرتبطًا بقضية أخلاقية كبرى أو بمأساة عظيمة.

لطالما ردد إدوارد سعيد ملاحظته القائلة: “إننا نحن الفلسطينيين ضحيةُ الضحية، ويردف ذلك قائلًا: إني لا أفهم كيف لجماعة تعرضت لأشد أنواع الظلم أن تقوم هي بنفسها بممارسة ظلم فاجر على جماعة أخرى؟”(1)، وهنا الإشارة – من جهة أولى – إلى الظلم والقتل والاضطهاد الذي تعرض له اليهود من قبل أوروبا، وبالتحديد خلال فترة الحرب العالمية الثانية، ومن جهة أخرى إلى الظلم الفاجر الذي تمارسه إسرائيل نفسها في حق الفلسطينيين، وبذلك كان اليهود ضحيّة مرة، وجلادين في صورة الصهيونية مرة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أنه في فترة تاريخية معيّنة حدث نوع من التزامن في ممارسة الدورين كليهما؛ دور الضحية ودور الجلاد؛ ففي الوقت نفسه الذي كانت الجماعة اليهودية تعاني في/من أوروبا؛ كان ثمة مجموعة منهم قد بدأت تمارس مخططهم لسرقة وطن بأكمله؛ لتُسجّلَ بذلك كأغرب جريمة يمكن لبني الإنسان أن يرتكبها، ومنبع الغرابة والمفارقة يكمن في التساؤلات الآتية: ألا يولد التعرّض للظلم حساسيّة مضاعفة تجاه الظلم، مهما كان نوع الظلم؟ و”أن الظلم في أي مكان هو تهديد للعدل في كل مكان”(2) ، وألا يفترض أن يجد الواقع تحت الظلم في نفسه تعاطفًا صادقًا مع ضحايا الظلم، بغض النظر عن هوية الضحية؟ من حيث “إن المصائب يجمعن المصابينا”(3)، وألا يفترض أنه من باب أولى أن يتوحّد في آلامه ومشاعره مع أخيه الإنسان، فـ”يحس في وجهه بألم كل صفعة توجه إلى كل مظلوم في هذا العالم”(4)، إذًا هذه هي المفارقة الكبيرة التي لطالما تحدّث عنها سعيد.

لقد قفزت إلى ذهني ملاحظة إدوارد سعيد مرة أخرى عند قراءتي كتاب “الإنسان يبحث عن معنى” لفيكتور فرانكل  (5)، وفيكتور فرانكل (1905 – 1997) هو عالم نفس نمساوي، يعد رائد المدرسة النمساوية الثالثة في العلاج النفسي، وهي المدرسة التي خلفت كلًا من مدرسة سيغموند فرويد (1856-1939) ومدرسة آلفرد آدلر  (1870-1936) في العلاج النفسي، كانت إضافته الأبرز في مجال الطب والعلاج النفسي تتمثل في بلورته ما يسمى “العلاج بالمعنى” (Logotherapy)، الذي يعني باختصار شديد مساعدة المريض النفسي في “الكشف” عن معنى حقيقي واقعي في حياته، وهو الأمر الذي يدرك المريض من خلاله قيمة وجوده، فالعلاج بالمعنى مقارنة بالتحليل النفسي، يعد طريقة أقل استرجاعية وأقل استنباطية؛ ذلك أن “العلاج بالمعنى” يركز أكثر على المستقبل؛ أي يركز على التعيينات والمعاني التي ينبغي أن يضطلع بها المريض في مستقبله…”، وبحسب فرانكل فإن “الخاصية المميزة للإنسان هي أنه يستطيع أن يحيا بواسطة تطلعه إلى المستقبل”. وكتاب “الإنسان يبحث عن معنى” هو كتاب مميز؛ لأنه يعرض لمنهج “العلاج بالمعنى” من خلال تجربة الاعتقال التي  خاضها مؤلفه في معسكرات الاعتقال النازية، التي من ضمنها معسكر أشيفتز (Auschwitz concentration camp) وهو من أكبر وأشهر معسكرات الاعتقال والإبادة الجماعية، وقد استمرت تجربته القاسية في الاعتقال مدة ثلاث سنوات في المدة من 1942 وحتى 1945، وهو العام الذي وضعت فيه الحرب العالمية الثانية أوزارها.

إن سرد فرانكل لملاحظاته في الاعتقال من خلال هذا الكتاب، يهدف إلى توضيح انعكاس تجربة الاعتقال في عقل السجين من خلال أطوار ثلاثة: فالأول هو طور الصدمة، وفيه يتملك عقل السجين أو المدان “وهم الإبراء” وهو ذلك الشعور القوي بأن ثمة منقذًا سينتشله من كل ما هو فيه في اللحظة المناسبة. والطور الثاني هو طور “البلادة والموت الانفعالي” وهو نوع من النقص الانفعالي تجاه الأحداث التي تجري حول السجين مهما كانت جسيمة وقاسية وبشعة، فهو ينظر إليها بنوع من البرود. والطور الثالث هو الطور المتعلق بما بعد الإفراج والخروج من السجن، وفيه تظهر مجموعة من الأعراض التي قد تندرج تحت مفهوم “الاختلال في الشخصية”، التي تبدأ فورًا لدى لحظة الخروج من السجن، وهي اللحظة التي يقابلها السجين بنوع من البرود، وبفقدانٍ في القدرة على الإحساس بالسرور، ومن ضمن الأعراض الملاحظة أيضًا الشهية الزائدة، والرغبة الشديدة في الكلام، وفي هذه الفترة يمرّ المُفرج عنه بمخاضٍ قاسٍ يتمثل في “التحرر من الوهم” وهو مجمل الآمال والتوقعات الجميلة التي رسمها السجين في ذهنه عن حياة ما بعد التحرر، التي غالبًا ما تكون توقعات إيجابية تبعث على السعادة؛ إلا أن الواقع يكشف له عدم دقة تلك التوقعات أو حتى عدم صحتها أساسًا (6).

غير أن ما يهمنا أكثر في هذا المقال هو شعور المُفرج عنه بالمظلومية في مواجهة كل شيء تقريبًا، فيرى أن كل الآلام التي قد تحصل أمامه لا قيمة لها مقارنةً بالأهوال التي عاينها وعانى منها وقاساها، حتى وإن كان هو المتسبب بذلك الألم/ الضرر للآخر؛ ذلك أن مظلوميّته هو تكون بمثابة شهادة تبرير دائمة، ويقول فرانكل في ذلك: “…خلال هذا الطور النفسي يستطيع أي شخص أن يلاحظ أن الناس ذوي الطبائع الأكثر بدائية لا يستطيعون الهرب من تأثيرات القسوة التي أحاطت بهم في حياة المعسكر، فالآن وبعد تحررهم؛ صاروا يعتقدون أنهم يستطيعون استخدام حريتهم بلا قيود وبلا هوادة، فكان الشي الوحيد الذي تغيّر بالنسبة لهم هو أنهم الآن القامعون بدلًا من المقموعين، لقد صاروا محرّضين، وليسوا أهدافًا للقوة العاتية وللظلم المقصود، ويبررون سلوكهم بخبراتهم البشعة، وهذا ما يتكشف بوضوح حتى من خلال أحداث تافهة”(7)، إذًا لا يمكن للحس السليم أن يقبل بظلم المظلوم ولا أن يبرره، وهذا الشعور إنما مرده إلى “اختلال في الشخصية” يستوجب العلاج.

 

وأود في الختام أن أشير إلى نقاط مهمة، أولها أن الملاحظات التي ذكرها مؤلف “الإنسان يبحث عن معنى” لا تنطبق على أي سجين، وإنما انطباقها بشكل دقيق يكون على ذلك السجين المظلوم، وتنطبق أكثر على السجين الذي ارتبط اعتقاله بأهوال ومعاناة وتعذيب. ومن جهة أخرى؛ إن هذا التوصيف قد يمتد لينطبق على غير السجين؛ فقد ينطبق على جماعة محددة وضعت تحت حصار أو حالة حرب ورعب وقتل، فالمعيار هنا هو خضوع تلك الجماعة المحددة – غالبًا في نطاق جغرافي معين- تحت  “ضغط عقلي هائل” بسبب الظلم والطغيان من حولها، وهذا الأمر قد يمتد ليشمل أفرادًا من تلك الجماعة لم يخضعوا بشكل فعلي لما عانته جماعتهم؛ وإنما تأثروا بسبب ارتباطهم الشديد بوجدان جماعتهم. ومع أن هذه الملاحظات تتعامل بشكل أساسي مع الفرد؛ إلا أن التاريخ أثبت لنا أن هذا الاختلال قد يتجرّد ليشكّل المخيال الجمعي لجماعة محددة.

 

 

(1) انظر علي سبيل المثال: In Search of Palestine, Edward Said’s Return Home – BBC, 1998

(2) تنسب هذه المقولة لمارتن لوثر كنج جونيور.

(3) أحمد شوقي: فإن يكُ الجنس يا ابن الطلح فرقنا*إن المصائب يجمعن المُصابينا.

(4) تنسب هذه المقولة لتشي جيفارا.

(5) فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى، ت:طلعت منصور، الكويت، دار القلم، ط1، 1982.

(6) لكم تذكرني هذه النقطة بمقطع بديع من مسرحية (لولو-1974) للسيدة فيروز، وهو المقطع الذي يتكشف فيه وهم حياة ما بعد السجن للبطلة لولو (فيروز) وهي التي غُيّبت ظلمًا في غياهب السجن 15 عامًا، لتنهي فيروز مقطعها الجميل ذاك بالقول: “الي بيروح مش لازم يرجع”.

(7) فرانكل، ص 123. وقد روى الكاتب مع صاحبه الذي قام بالمشي على النباتات في أحد الحقول، فلما أنكر الكاتب منه ذلك؛ قال صاحبه بحنق: إن ابني و زوجتي قد أعدِما بالغاز، وأنت تريد أن تمنعني من أن أدوس على بعض سيقان قليلة من الشوفان!

0 583 10 يوليو, 2017 الخامس والثمانون, ثقافة وفكر يوليو 10, 2017