“الكند” أشهر الأسلحة التقليدية في الثقافة الشعبيّة العُمانية!

 

الكند ليس اسمه الصحيح، وسأعرّج لاحقا على رأيي في هذا الاسم. اسمه الصحيح هو بندقية رقم 4، أو بندقية (لي انفيلد) رقم 4؛ نسبة إلى المصمم (لي) ومدينة المصنع (انفيلد). بدأ إنتاج هذا السلاح في بريطانيا في عام 1939 وظل سلاحَ المشاة الرئيس للجيش البريطاني وجيوش الكومنولث حتى عام 1957 عندما حلَّت محله البندقية الآلية (L1A1 SLR ) وهي نسخة مُرخصة من البندقية الآلية البلجيكية إف إن (FN)، ومن هنا جاءت التسمية الشائعة في عمان باليفن والإيفن. ظل الكند كذلك سلاح المشاة الرئيس لقوات السلطان المسلحة حتى يونيو 1969 عندما استبدل الإف إن (FN) به؛ ذلك أن المعارك المتكررة بين جنود قوات سلطان عمان البرية (تم تغيير هذا الاسم عام 1996) ومقاتلي ثورة ظفار (بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل 1968، ولاحقا الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل 1970، ولاحقا الجبهة الشعبية لتحرير عمان 1974) كشفت عن هيمنة نيرانيّة لمُقاتلي الجبهة الذين تسلحوا بالبندقية الروسية نصف الآلية (سيمينوف) والبندقية الروسية الآلية الشهيرة جدًا AK-47 أو الكلاشنكوف (نسبة لمصمِّمها الروسي ميكائيل كلاشنكوف الذي توفي منذ بضع سنوات).

ويتم تلقيم الكند يدويا من مخزن يتسع لعشر طلقات، ومن هنا أيضا جاء اسمه الشائع في بعض مناطق عمان بـ”أبو عشر”. وبحسب موسوعة ويكيبيديا؛ يستطيع رامٍ ماهر إطلاق الطلقات العشر في غضون نصف دقيقة، ويبلغ سعر الطلقة الواحدة في سوق السلاح العماني في صلالة حاليا ريالًا واحدًا عمانيًا! والكند قاتل من مسافة نصف كيلومتر، في حين يبلغ مداه الأقصى كيلومترين ونصفًا أو يزيد.

استعمل الكند على نطاق واسع وبفعالية مشهودة في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وفي جميع الحروب بعد ذلك التي شهدها القرن العشرين، أشهرها حرب فلسطين عام 1948، والحرب الكورية (1950-1953) والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحرب فيتنام الأولى (1945-1954) والثانية (1954-1976) والحرب الهندية الصينية عام 1962، وحروب أفغانستان منذ عام 1980. كما استخدمه طرفا الصراع في حربي عمان الداخليتين، حرب الجبل الأخضر الأولى (1955-1956) والثانية (1957-1958)، كما كان السلاحَ الرئيسَ لمقاتلي جبهة تحرير ظفار (فترة 1962-1968 ). وما زال يُستخدم في بعض جيوش الكومنولث والشرطة الهندية والشرطة البنجلادشية، وهو السلاح الرئيس لكشافة الجيش الكندي وقوات الاحتياط الكندية (أعلنت كندا مؤخرا عن نيتها استبداله). وبحسب موسوعة ويكيبيديا تقدر عدد قطع بندقية رقم 4 في العالم بسبعة عشر مليون قطعة. وما زال مصنع السلاحPOF  في روالبندي باكستان يصنع هذه البندقية إلى الآن.

صنعت بريطانيا من هذا السلاح عام 1970 نسخة قنص معدلة هي  L42A1.، تعمل بطلقات حلف الناتو، وظلت هذه النسخة سلاح القناصة الرئيس في الجيش البريطاني حتى عام 1985. كما صنعت نيوزيلندا عام 1942 نسخة آلية من الكند هي رشاش تشارلتون، إلا أن إنتاجها توقف بعد الحرب.

في أواخر الحرب العالمية الثانية (عام 1945 أثناء الحملة الإسكندنافية) صنعت بريطانيا كذلك نسخة معدلة من الكند هي بندقية رقم 5 المشهورة في عمان بالبارشوت، وهي أقصر وأخف وزنًا من الكند وأجمل منه (انظر الصورة). وهذا سبب شهرتها في جنوب الجزيرة العربية، مع أنه تم إيقاف تصنيعها عام 1947 بسبب عيب في التصويب؛ لكن المؤرخين وهواة جمع السلاح على مستوى العالم أكدوا أنه لا يعاني أي مشكلة، وقد قام ابني الأكبر عبدالرحمن – وهو جندي سابق في الجيش السلطاني العماني – بالرماية به، فأكد لي أنه دقيق التصويب. في عام 1963 في أعقاب الحرب الهندية الصينية التي خسرتها الهند، بدأت الأخيرة في إنتاج نسخة معدلة من الكند هي بندقية Rifle 7.62 mm 2A المشهورة في ظفار باسم (الجرجي) بمخزن يتسع لاثنتي عشرة طلقة، وما تزال هذه النسخة السلاحَ الرئيس للشرطة الهندية والقوات الهندية شبه العسكرية.

والكند من الأسلحة التي تسمى في عمان بالسلاح العماني، ويندرج تحت هذا الاسم جميع الأسلحة غير الآلية التي يستخدمها السكان كالسكتون، التي تسمح الحكومة باقتنائها وبيعها وشرائها في حين حظرت مؤخرا جميع الأسلحة الآلية. ويبلغ سعر الكند حاليا في السوق العمانية نحو 180 ريالًا عمانيا، وحتى أثناء فترة (إجراءات طوارئ ظفار) التي أعلنتها قوات السلطان المسلحة في ظفار بعد موافقة السلطان سعيد بن تيمور – رحمه الله – (بعد مؤتمر حمرير سبتمبر 1968 الذي تبنت فيه جبهة تحرير ظفار الاشتراكية العلمية نهجًا فكريًا للجبهة، واعتبرت حربها في إطار صراع المعسكرين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ). أقول حتى أثناء تطبيق إجراءات طوارئ ظفار؛ تجنبت حكومة السلطان سعيد وقوات السلطان المسلحة العاملة في ظفار مصادرة السلاح العماني من رجال القبائل؛ بل ظلت الحكومة تسمح باستيراده رغم فرض إجراءات طوارئ قاسية خلال الفترة من أواخر 1968 إلى يوليو 1970 هي بلا منازع أحلك فترة في تاريخ ظفار المعاصر؛ إلا أن الحكومة منعت استيراد طلقات الكند والنسخ المعدلة منه؛ بيد أن تهريب الطلقات استمرَّ بعيدًا عن أنظار جمارك ظفار وفروعها، فقد راعى السلطان سعيد بنفسه وحكومته المشاعر القبلية للسكان، فاقتناء السلاح وحمله يعد علامة الرجل “القبلي” وهو حق غير قابل للتصرف بالنسبة للقبائل في جنوب السلطنة وشمالها. ولأن الجبهة بعد مؤتمر حمرير (سبتمبر 1968) انتهجت خطًّا ماركسيًا- لينينيًا (وهي عقيدة أممية مناقضة للعصبية القبلية ) فقد رأت القبلية عائقًا أمام تحقيق دولة في عمان على غرار جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الاشتراكية (سابقا) فقمعت النظام القبلي، وهمشت الشيوخ، وبنت وحداتها العسكرية على أساس غير قبلي؛ لكن بعد هزيمة الجبهة في 2 ديسمبر 1975 رجع النظام القبلي “أوتوماتيكيا” إلى سابق عهده، الأمر الذي يؤكد مجددًا فشل التحديث القسري أو هندسة المجتمع بقوة السلطة، في حين رأت حكومة السلطنة إلى القبائل ليس باعتبارها عدوًا؛ بل حليفًا؛ الأمر الذي أثبت فعالية الفِرق الوطنية التي شكلتها الحكومة من ثوار سابقين على أساس قبلي. والقبلية لا شك أنها عائق أمام بناء دولة مدنية حديثة على أساس المواطنة.

لكن من أين جاء اسم الكند ؟

أظن أن اسم الكند جاء من كندا؛ فما يزال “الكند” السلاح الرئيس لكشافة الجيش الكندي، بما في ذلك كشافة ألاسكا وقوات الاحتياط الكندية، كما كان سلاح المشاة الرئيس للقوات الكندية التي شاركت في المسرح الأوروبي في الحرب العالمية الثانية، وربما كانت أول دفعة دخلت إلى المنطقة من الكند شحنةً كنديةً؛ فأخذت البندقية اسمها منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إعلامي عماني، عضو الجمعية التاريخية العمانية، عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA. المصدر الرئيس لهذا المقال كان موسوعة ويكيبيديا:

https://en.wikipedia.org/wiki/Lee%E2%80%93Enfield

(تاريخ الدخول 14/6/2017)

0 4378 12 يوليو, 2017 الخامس والثمانون, ثقافة وفكر يوليو 12, 2017

عن الكاتب

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد عبدالله العليان