اللاشعور السياسي في الأزمة السعودية – القطرية 2/2

لـ

في الحلقة السابقة تناولنا من خلال استعراض تحليلي البعد القبلي في مفهوم اللاشعور السياسي بالأزمة الخليجية الناشبة هذه الأيام. وتتناول هذه الحلقة جزأين أصيلين في بنية المفهوم ذاته، وهما: العقيدة والغنيمة، وأثرهما في الحدث الراهن.

العقيدة:

يعتبر الجابري العقيدة من المحددات الأساسية للعقل الإسلامي بما اختزنته ( وما تزال) من رموز وقواعد إيمانية، تُرجمت وتترجم على نحوٍ عملي في الحياة من خلال سلوك الأفراد والأمم. وهذا المحدد شديد الالتصاق بكافة مراحل التاريخ العربي، بأبعاده السياسية والثقافية؛ ابتداءً من مرحلة التنزيل، مرورًا بمرحلتي التفسير والتأويل، (وانتهاء بمرحلة إعادة الإنتاج الثقافي التي نعيشها منذ قرون).

وفيما يتصل بتداخلات العقيدة في المجال السياسي؛ فيرى الجابري أن معالمها الأساسية بدأت في التشكل من خلال الفكرة الجبرية التي عمَّمتها ورسّختها الدولةُ الأموية في الوعي الإسلامي وبصورة ممنهجة وصارمة. وكانت انطلاقة هذه الفكرة في إعلان الخليفة الأموي الأول، معاوية بن أبي سفيان، أخذَ البيعة بالخلافة لابنه يزيد، وكان التسويق  النظري في هذا الإعداد للتوريث باعتبارها قضاء من الله وقدره :” إن أمر يزيد قضاء وقدر، وليس للعباد الخيرة من أمرهم”. وعقب هذا الإعلان السياسي الذي طُرح بغطاء ديني؛ شرَعَ الفقهاء المعتمدون في بلاط الدولة في وضع التفسيرات الدينية المدعّمة لهذا النهج الجديد في الحكم، لتتشكل مع الأيام جملة من الشروحات والقواعد الأيديولوجية المؤيدة لهذا الانقلاب على فكرة الشورى والانتخاب، وكان من جملة هذه الشروحات القاعدة الفقهية الأبرز التي تقول :” لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة”، وهي بالمناسبة قاعدة عارضتها كافة الفرق الإسلامية في تلك الفترة؛ لأن هذه الفرق أدركت أن مقصد هذه القاعدة قطع الطريق على المعارضين للسلطة ولفكرة التوريث؛ باعتبار أن الثورة أو حتى توجيه النقد للحاكم أمر غير جائز شرعًا، طالما هذا الأخير مقرٌ بأركان الإيمان، وهو شرح أصولي أسس لدولة الاستبداد والظلم طوال التاريخ الإسلامي. وإلى هنا ينتهي الاقتباس عن الجابري.

اتكاء السياسي على مقولة أو تفسير، أو حتى تبرير ديني يقدمه رجل الدين للأول هي أحد الأوجه الخدمية التي تقدمها المؤسسة الدينية لمؤسسة الحكم، على هذا تأسست وتشكّلت العلاقة بين الحاكم ورجل/ رجال الدين، الذي يُفضِّل بديلا عن هذه التسمية لقب العالم / العلماء؛ في حين أن الغاية الختامية لهذه العلاقة ونقطتها المركزية، فهي لا شيء سوى غاية واحدة وكل ما عداها فثانوي وأقل قيمة، إنها الخاصة بإضفاء صبغة “الشرعية” على السلطة وعلى السلوك السياسي للحاكم. هذه هي نوعية الخدمة وبؤرتها التي تكفل بها رجل الدين / العالم منذ القدم وإلى اليوم. ومع تشكل الدولة العربية الحديثة، اعتبارا من القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ فإن المؤسسة الدينية كانت حاضرة باعتبارها من متمِّمات النظام التي لا يمكن التخلي عن خدماتها. ومع الاستمرارية في تأدية هذه الخدمة النوعية؛ بقي الدين بحالة تموضع في حضن الدولة. وعليه ضمنت السلالات الحاكمة، أو حتى النظام المنتخب، البقاء والاستمرارية؛ فيما يحقق رجال الدين/ العلماء مزيدًا من المكاسب المادية والمعنوية؛ بينما الدين، بتعاليمه وتوجيهاته السامية؛ فيبقى هو الخاسر الأكبر من هذا الاستثمار المتبادل.

ولخدمة المؤسسة الدينية أوجه وأشكال عدة؛ إلا أن أخطرها وأكثرها تأثيرًا يكمن في ذلك المرسوم الديني الذي تصدره كلما دعت الضرورة تحت اسم “فتوى”، وهي إحدى المسؤوليات الأخلاقية العظيمة التي تكفَّلت المؤسسة الدينية القيام بها، باعتبارها الناطقة والمعبرة عن المقاصد الختامية للمراد الإلهي في أي قضية، بالاستناد إلى الأدلة الشرعية المعتمدة.

مع حالة التموضع للمؤسسات الدينية في رحم أنظمتها السياسية، كل منها يؤدي خدماته في التبرير الديني للسلوك السياسي، هذه الحالة  أثمرت تعارضًا حادًا ومكشوفًا في الأحكام الصادرة عنها، ومعظمنا عاصر حالة واحدة على الأقل من حالات التباين هذه. لعل أبرزها وأكثرها حضورًا هذه الفتوى التي صدرت عن تحالف الدول العربية والإسلامية المؤيدة لفكرة الاستعانة بالقوى الأجنبية في قتال طرف عربي مسلم آخر، وهو هنا العراق عقب احتلاله للكويت؛ فقد صدرت عن رابطة العالم الإسلامي، التي كان يرأسها آنذاك الشيخ عبد الله بن باز، فتوى شرعية أعطت لدول الرابطة إجازة الاستعانة بجيوش الأجانب، في حين أصدرت دول عربية وإسلامية أخرى كان لها رأي سياسي مخالف يتمحور حول فكرة أن هناك إمكانية وفرصة لحل النزاع الناشب داخل البيت العربي، وأن اللجوء لقوى دولية من شأنه أن تعيد هذه القوى بسط هيمنتها على المنطقة من جديد وبصورة مباشرة. وعليه أصدرت المؤسسات الدينية في هذه الدول فتوى تحرم بموجبها الاستعانة بالأجنبي.

حدود المفارقة لم تنتهِ عند هذا الحد من الاختلاف بين الدول؛ بل إن هذه الفتوى كشفت حجم التعارض داخل الدولة ذاتها، فالشيخ ابن باز وهو عالم سعودي معروف، كان قد أصدر هو ذاته في ستينيات القرن الماضي فتوى في الموضوع ذاته، وخلص بعد مراجعة للأدلة الشرعية الثابتة أن الاستعانة بالأجنبي عمل غير مقبول تحت أي ظرف من الظروف، وفي كلتا الحادثتين ختم سماحة المفتي مرسومه وبيانه بتأكيد حقيقة أن محتوى الفتوى ومقصدها هو إرضاء الله ومراعاة مصلحة الأمة.

واليوم، ومع تفاقم حالة النزاع التي يشهدها إقليم الخليج العربي؛ فإن الخدمة النوعية الموكولة إلى رجال الإفتاء لتبرير القرار السياسي، كانت من متمِّمات الفعل ورد الفعل السياسي بين طرفي النزاع، ولأن الاتجاهات السياسية متعارضة، كان من البديهي أن يكون الموقف الفقهي لأطراف النزاع متباينا، رغم اعتماد كلا الطرفين على الأصول الشرعية ذاتها، وجرى استخدام الأساليب التقليدية المتعارف عليها في استخراج الأحكام.

بداية حرب الفتاوى في الأزمة كانت من السعودية عبر هذا التعليق الذي أطلقه مفتي المملكة، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والذي تجاوز في محتواه الرأي الشخصي ليرقى إلى درجة الفتوى الرسمية. فهو يرى ابتداء أن الخطوات التي اتخذتها العربية السعودية والدول الثلاث الأخرى في معاقبة قطر أو حصارها خطوات تدخل في باب الأمور الإجرائية التي تعكس مصلحة المسلمين ومنفعتهم، ومقصود المصلحة الشرعية هنا لا يقتصر على السعودية ودول المقاطعة/الحصار فحسب؛ وإنما يشمل كذلك مصلحة قطر والقطريين أنفسهم. واختتم سماحته توجيهه بضرورة الانقياد لولاة الأمر في كل ما يرونه.

وتعزيزًا للتوجه ذاته؛ انضمَّت مصر ومن خلال مؤسستها الدينية الأبرز، الأزهر الشريف، الذي أكد علماؤه على صحة الموقف الديني من قرار المقاطعة، ليس ذلك فحسب؛ بل ساق الإعلان في تبريراته أن القرار يأتي لضمان الوحدة والاستقرار للأمة، وكأن لسان حال كلا البيانين يقول: إن الوحدة والتضامن العربيين هما الغاية من هذا الإجراء العقابي، فالقسوة أحيانا خير وسيلة للتأديب. والاستدلال على المصالح الشرعية بعدٌ فقهيٌّ دائم الحضور في الفتوى الدينية، وكثيرا ما يستشهد به مفتي العربية السعودية ويعتمده في استدلالاته الفقهية. ويحضر في الذهن من جملة هذه الشواهد، الفتوى التي أصدرها الشيخ عبد الله بن باز، مفتي عام المملكة في عام 1994 أي عقب حرب الخليج الثانية، وأجاز من خلالها للحاكم اعتماد خطوات إجرائية بهدف المصالحة مع إسرائيل، طالما أن الأمر يتوافق مع تقدير ولي الأمر؛ إلا أنه ما لبث أن تراجع عن فتواه نتيجة حالة الرفض الجامحة التي صدرت آنذاك عن الهيئات والمجامع الإسلامية. من المؤكد اليوم، وفي ظل هذه الإعلانات المتبادلة بين الرياض وتل أبيب بخصوص إقامة “علاقات طبيعية” بين الطرفين، أن تكون مؤسسة الإفتاء في السعودية وبتوجيه رسمي قد فرغت – أو على وشك – من إعداد تفاصيل فتوى تتضمن إجازة الصلح والتطبيع الكامل مع الجار الإسرائيلي، هذا الجار الذي وهبته مؤخرًا تطورات السياسة للمملكة على كبر.

غير أن المنظور الديني ومُبرِّرات القسوة لتأديب الجموح القطري، كانت له رؤية مناقضة ومنطق مختلف في الدوحة، فالمقاطعة من حيث المبدأ، وفقا لهذا المنظور سلوك يخالف تعاليم التآخي والتناصح التي قررها الدين الحنيف؛ بل إن هذه السياسة من شأنها أن تثير الفتنة بدلا من إخمادها، تفرّق ولا توحد. وتأكيدا للمعنى ذاته؛ أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يتخذ من الدوحة مقرًا رئيسًا له، بيانًا أفتى بموجبه أن السعي للصلح بين المسلمين واجبٌ شرعيٌّ، وأن القطيعة محرمة وفقا لتعاليم الشريعة. ومن على أحد منابر الدوحة أعلن الشيخ يوسف القرضاوي، القيادي في جماعة الأخوان المسلمين، أن مقاطعةَ قطر “حرامٌ شرعًا” ومخالف لتعاليم الدين الحنيف.

هذا التعارض في مخرجات عملية الإفتاء الشرعي، نتيجة طبيعية لحالة التشابك المعقد بين ما هو ديني وما هو سياسي، التي ظهرت مؤخرا في العلاقة بين السعودية وقطر، فمن المعروف للجميع أن الدولة السعودية لم تنشأ إلا نتيجة هذا التعاقد بين آل سعود والأتباع المخلصين لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعلى هذا الأساس تشكلت أيديولوجية الحكم في العربية السعودية، إنه المحور الثابت والأساسي لضمان استمرارية الإمساك القوي بالسلطة، إضافة إلى الدور الديني الذي تمارسه المملكة بفضل احتضانها ومن ثم التبشير بها على نطاق عالمي. غير أن الرياض بدأت تلحظ أن هناك من يحاول منافستها في زعامتها الدينية ووصايتها ليس فقط على الحركة الوهابية تحديدًا، بل على عموم المدرسة الدينية سلفية الطابع، وانتشر رأي سياسي منذ فترة بهذا الخصوص صادر عن مراكز دراسات وأبحاث أمريكية، بعضها له مكاتب في الدوحة تروج لفكرة أن واشنطن ترغب في رؤية مدى التأثير الذي يمكن لقطر أن تحققه داخل الحركات السلفية، وفيما إذا كانت ستنجح في هذا الدور كما نجحت في احتواء حركة الأخوان المسلمين تحت مظلتها.

الرياض لم ترَ في افتتاح أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة لأكبر مسجد جامع في قطر عام 2011 وأطلق عليه اسم” جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب”، وفي إشادة الأمير في كلمة الافتتاح بمنهج ابن عبد الوهاب، معلنا أن دور هذا المسجد سيكون نشر الهدى والوعي وفقًا للمنهج ذاته. السعودية لم تر في هذه الخطوة القطرية، وسابقات لها ولاحقات في السياق ذاته؛ إلا محاولة من حكام  قطر لزعامة العالم الإسلامي من خلال تنامي حالة التأثير على أبرز حركاته الفاعلة: سلفية كانت أو سياسية. وبالطبع لم تمرَّ هذه المناسبة، افتتاح المسجد الجامع، دونما تعليق سعودي ورسائل مقروءة بوضوح موجهة إلى الدوحة، تقول: إن ما تفكرون به بعيد المنال، إن لم يكن مستحيل التحقق. وأوضح تعليق هو الذي نطق به ولي العهد آنذاك، المعزول حاليا، الأمير محمد بن نايف، الذي صرَّح أن المملكة لن تتنازل عن المنهج الوهابي الذي قامت عليه المملكة وتأسست بموجبه.

بدا واضحًا منذ البداية أن المحاولة القطرية في فصل المركب الوهابي العقدي، عن السعودي السياسي هي محاولة لن يكتب لها النجاح، أو على الأقل ليس هذا أوانها، وأنه حتى تتحقق الفرصة فلا بد من مواصلة استثمار الدوحة بالمجال الديني وفقًا للمعطيات ونقاط القوة التي تملكها، وهي ذاتها مصدر إزعاج حقيقي للرياض، إنها أولا وقبل كل شيء هذه الحالة من الإسناد المفتوح الذي تغدقه قطر على حركة الإخوان المسلمين، والاستثمار بهذه الأخيرة، والحركات المتفرعة عنها، تحديدًا حركة حماس في سبيل مقارعة السعودية والإمارات العربية على وجه التحديد من دول الخليج العربي، بحركة دينية يفوق مدى انتشارها على الصعيد العالمي انتشار الحركة الوهابية ذاتها. إضافة إلى أن لدى حركة الأخوان طموح سياسي بلعب دور شريك في الحكم، إن لم يكن التفرّد به، وهي حالة خطرة بنظر الرياض وأبو ظبي ولا يمكن التراخي تجاهها، خصوصا بعد تجربة حكم الإخوان في مصر.

معلوم بداهة أن العالم الإسلامي لم يكن في غالب تجربته التاريخية / الثقافية عالمًا موحدًا، تنطق جهة واحدة باسم كافة تياراته ومذاهبه ومدارسه، هذه حالة لم تحدث ولم يألفها العقل الإسلامي، فلكل مذهب أو تيار مؤسسته والناطقين باسمه؛ غير أن ملاحظة تسترعي الانتباه في هذا التنافس والانقسام الديني بين قطر والسعودية؛ باعتباره يتشكل في فترة كانت النقطة التي يجري العمل عليها صبحَ مساءَ، وفكرة تحرص السعودية والإمارات ومن ورائهما دول الاعتدال على تأكيدها في أذهان شعوب المنطقة، نقطتها المركزية أن العدو الحقيقي للعرب والمسلمين هي إيران، وبالضرورة فإن هذا التخويف استتبعه تخويف مذهبي ضد الشيعة، لتُفاجَأ شعوب المنطقة أن هذا الترويج غير دقيق، فهذا الذي يجري من عداء بين دول لا تتبع فقط مذهبًا دينيًا واحدًا، المذهب السني؛ بل هي ملتزمة بالمدرسة الدينية الإصلاحية ذاتها؛ الوهابية، وأن الذي جرى بينهما منذ اندلاع الأزمة، أكبر بكثير من كل الذي جرى من إجراءات تجاه “العدو الإيراني الشيعي”، الناس فعلا بدأوا بمراجعة قراءتهم لكامل المشهد.

الغنيمة:

ثالث مفاتيح فهم حركة السياسة في التاريخ الإسلامي، وثالث محددات العقل العربي وفقا لشروحات الجابري. فإذا كانت القبيلة أولى أركان الدولة، والعقيدة غطاؤها الإيديولوجي؛ فإن الغنيمة تعدُّ العامل الاقتصادي الذي تشكلت بموجبه السلطة تاريخيًا، مستمدة قوتها من الخراج والريع، وكلما تعددت واتسعت موارد هذين المصدرين؛  زادت معالم القوة والهيبة للسلطة الحاكمة، وهي حالة لخصها رائد علم الاجتماع ومؤسسه، العربي ابن خلدون بقوله :” الُملك بالجُند، والجُند بالمال”. فبالغنيمة جرى تثبيت منطق الحكم القبلي، وكان مبتدأ هذه السياسة عندما اتخذ الأمويون من المال أداة في تحفيز الموالين أو غواية المعارضين وإفسادهم، إلى أن استقام منطق القبيلة والعقيدة الجبرية التي لا ترحم.

ويسهب الجابري في كيفية ممارسة السياسة بالغنيمة، كما أسهب من قبلُ في كيفية ممارستها بالقبيلة والعقيدة، ويرى أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان هو أول من وضع أسس هذه الممارسة وقواعدها على نحوٍ مكشوف، فإذا كان قد مارس منطق القبيلة بالمجالدة، أي القهر، والعقيدة من خلال تمسكه بالشرعية القرشية وتعميمه فكرة الجبر؛ فإنه مارس الغنيمة بما وصفه “المواكلة والمشاربة”، عبر إعلانه المبكر في خطبة بيعته التي شرح فيها أوجه اختلاف سياسته عمن سبقه:” … غير أني سلكت طريقًا لي فيه منفعة، ولكم فيه مثل ذلك، ولكلٍ فيه مواكلة حسنة ومشاربة جميلة ما استقامت السيرة”. فالغنيمة قابلة للاقتسام لكن في نطاق معادلة الموالاة والطاعة. والى هنا ينتهي الاقتباس من الجابري.

أموال الخراج وغنائم الفتوحات كانت تجمع وتُرسل إلى دمشق، لتتولى الأرستقراطية الأموية التعامل معها باعتبارها من حقوقها الخالصة، ليس ذلك فحسب؛ بل كانت هذه الأسرة تنظر إلى الأقاليم المفتوحة باعتبارها بستانًا خالصًا لها: ” إنما السواد –العراق- بستان قريش”. هذا النهج في التعامل مع الثروة أو الغنيمة غدَا القاعدة التي تعاملت من خلالها سائر الأرستقراطيات الحاكمة في فترات لاحقة مع ثروات أوطانها، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا نزرٌ يسير من تجارب الحكم العربي، وهي التجارب التي نتغنّى بعدالتها ونزاهتها. في حين أن السياق العام بقي يراوح ضمن نظرية المواكلة والمشاربة، التي حلَّ مكانها في تاريخنا المعاصر منطقُ المُحاصَصة. يقسم ريع الأوطان بحسب رغبة الحاكم، فهناك محاصصة ربعية في حدها الأعلى، وهناك عشرية في حدها الأدنى، ليبقى للحاكم النصيب الأوفى من الثروة، ثم تأتي حصة أسرته في المرتبة الثانية، والأسر والقبائل المقربة تأتي بالمنزلة الثالثة، والحصة المتبقية تخصص لإدارة شؤون الدولة. هكذا هو منطق التوزيع دونما مبالغة أو تهويل، والإحصاءات والجداول الصادرة بهذا الخصوص عن مؤسسات عالمية متخصصة، تظهر حجم موازنة الدول العربية تحديدًا وأوجه إنفاقها.  يفضل في هذا الصدد مراجعة الآثار الفكرية للكاتب الكويتي الراحل خلدون النقيب وتحديدا كتابيه: التيارات الفكرية في الخليج العربي، والمجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية.

الفارق الجوهري في معادلة “المواكلة والمشاربة” التاريخية التي أقرّها معاوية بن أبي سفيان، أن الآكلين والشاربين كانوا فقط من أبناء الجلدة، ولم يكن مُتخيَّلا في السابق أن تشارك أممٌ أخرى أو قوى أجنبية في عملية الأكل والشرب للثروة الوطنية، خصوصًا في الفترات التاريخية التي كانت القوة العربية/ الإسلامية هي المهيمنة على المشهد السياسي العالمي. أما اليوم، فإن هناك أشبه ما يكون بحالة مناداة وتداعٍ أممية، والكل في حالة سباق وتزاحم على مواطن الثروة العربية التي تفجرت على هيئة نفط وغاز. الكل يريد أن يأخذ من القصعة النصيب الأوفى، مشهدٌ استحضره حديث نبوي شريف، يعتبره بعضهم صحيحًا فيما رفضه آخرون لأن فيه ذكرًا للغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، لكن الذي يهمنا في السياق معنى الحديث ودلالته، الذي يقول فيه النبي محمد :” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”، فالمواكلة والمشاربة لم تعُد من نصيب نفر من أصحاب الثروة الوطنية؛ بل غدت حقا من نصيب آخرين بعضهم لا يواري كراهيته وعداءه؛ بل وحتى عدم احترامه لأصحاب الثروة الحقيقيين.

وفي مقدمة مظاهر النصيب المفروض تأتي ظاهرة الإنفاق على التسلح العربي من دول الغرب؛ وبالأخص من الولايات المتحدة الأمريكية، وتشير أرقام العام الماضي، 2016 إلى أن إنفاق العالم العربي على التزود بالسلاح يقدر بـ 15 بالمائة من مجمل الإنفاق العالمي البالغ 57 تريليون دولار، حصة العربية السعودية التي احتلت المرتبة الرابعة عالميا بلغت قرابة 64 مليار دولار، فيما بلغت حصة قطر 19 مليارًا، والإمارات العربية  15 مليارًا. وقبيل أيام من نشوب النزاع الخليجي – الخليجي أبرمت السعودية عددًا من الاتفاقيات التجارية مع الولايات المتحدة بقيمة 460 مليار دولار، من بينها 110 مليارات خاصة بصفقات عسكرية. وبعد أيام قليلة من صفقة القرن هذه؛ أبرمت قطر اتفاقًا مع الولايات المتحدة تبلغ قيمته 12 مليار دولار لتغطية بند واحد من بنود التسلح هو شراء مقاتلات جويّة أمريكية.

مسألة حاجة هذه الدول إلى هذه الترسانة المرعبة من الأسلحة قضية باتت بمنزلة تحصيل الحاصل، باعتبار أن القاصي والداني بات يعرف حقيقة أن أسهل إجراء يمكن للغرب افتعاله في المنطقة هو إثارة صراعات وتأجيج حروب، والأرضية مهيَّأة تماما وحاضرة الاستجابة، وما على الدول الغنية سوى فتح أنابيب ثرواتها على مصراعيها لتغذية آلة التصنيع الغربي وإدامتها. فاتورة حرب اليمن وحدها 6 مليارات دولار شهريا، تلتزم العربية السعودية بسدادها بحسب نائب مدير مركز كارنيغي للأبحاث، ولم يُشر في تصريحه إلى القيمة الإجمالية للفاتورة الشهرية. هذا بند من ميزانية حرب واحدة في المنطقة، فكيف الحال إذا اتسعت عملية البحث لتشمل كافة بؤر النزاع في العالم العربي الذي بات الاقتتال السمة الغالبة على أنحاء كثيرة منه. ونحن إلى الآن ما زلنا نتحدث عن باب واحد من أبواب إهدار الثروات العربية: التزود بالأسلحة؛ استخداما وتخزينا، فكيف ستكون الصورة إذا اتسعت المعالجة لتشمل الاستثمارات العربية في دول الغرب أو الأموال المجمدة في بنوكه ؟!

قتامة الصورة تكتمل إذا دققنا في الطريقة التي بات الغرب يجبي من خلالها أموال الخليج وثرواته. في السابق كانت مُوَاكلة الغرب ومُشارَبَته لثروات العرب تتحقق بالتراضي، وبنوع من المداراة والملاطفة. هكذا بالأمس؛ بينما اليوم فقد سقط القناع، ولم يعد هناك متسع لمراوغة أو مجاملة؛ إنما الجباية بالإكراه والغصب، هكذا أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غداة فوزه بالانتخابات الرئاسية؛ فقد أفصح أنه ذاهب إلى الخليج العربي لجباية الأموال وجعل أهله يدفعون، وسقف الدفع يوازي إن لم يتفوق على مديونية الولايات المتحدة: ” لدينا دين عام يقدر بـ 19 تريليون، لن ندفع هذه الأموال، هم سيدفعون”. وكل الذي تلقّاه من أموال أثناء زيارته للرياض، وما دفعته قطر لاحقًا بعد نشوب الأزمة، ما هو سوى جزء يسير من الطموح الكبير (صفقة القرن) في إفقار المنطقة وتصحيح مسار خطأ الطبيعة التي فجّرت مواردَ في المكان الخطأ وفقًا لنظرية عراب السياسة الأمريكية، هنري كيسنجر. إنها ذروة الاستهانة بالنظرة وقلة الاحترام، غير أن لهذه النظرة ما يبررها، فعندما ندقق في تاريخ الثروات بسجل الأمم والحضارات على مدى التاريخ البشري، فلن نجد ثروة كان خيرها ونفعها لغير أصحابها الأصليين كما هي ثروات العرب.

 

* رابط الجزء الأول: http://www.alfalq.com/?p=9562

0 957 19 يوليو, 2017 الخامس والثمانون, سياسة يوليو 19, 2017