الزيتون والجوافة: الشعر الحر وقصيدة النثر

لـ

في بعض دول الخليج العربي، تحديدا في سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية، ساد خلطٌ قديمٌ بين شجرة الزيتون وشجرة الجوافة، ولزمن طويل كانوا يقولون عن الجوافة زيتونا. ومع أن هذا اللبس في الأسماء تم الانتباه إليه لاحقًا، بعد أن تطورت طرق التواصل والاتصال، وصار الكل يعرف ما الزيتون وما الجوافة على الحقيقة؛ إلا أنه ما زال هناك – من بين مواطني الخليج – من اعتاد لسانه على تسمية ثمار الجوافة بالزيتون، مع يقينه ومعرفته بأن الماثلة أمامه هي ثمرة شجرة أخرى اسمها الجوافة !

يعود سبب الخلط بين ثمار شجرتين مختلفتين، إلى أن إحداها لم تكن تنبت في منطقة الخليج “شجرة الزيتون”؛ ومن ثمّ فإنها لم تكن معروفة على نطاق واسع في الزمن الماضي بسبب ندرة التواصل مع منطقة بلاد الشام التي تكثر فيها هذه الشجرة؛ لذلك كانت الأغلبية تجهل شكلها، لكنهم يعرفونها من خلال القرآن الكريم ويسمعون عنها؛ فكان لابد من البحث في البيئة المحلية عن تلك الشجرة المقدسة المذكورة في الكتاب الكريم، ولمّا لم يجدوها؛ سألوا العارفين ومن زاروا بلاد الشام ورأوا شجر الزيتون، فكان على هؤلاء العارفين وصفها من خلال التشبيه بأقرب ما هو متوفر من شجرٍ في البيئة المحلية، فكانت شجرة الجوافة.

الآن؛ لم يعد أحد في دول الخليج أو غيرها لا يستطيع أن يفرق بين الزيتون والجوافة، فالخلط واللبس الذي حصل قديمًا انتهى بسبب انتشار المعرفة والتأكد من نسبة الاسم والشكل إلى ما يناسبه بالصورة والشكل والرائحة والطعم، وتبيان الاختلاف الكبير أو الدقيق الذي يكون بين نوعين مختلفين من الأشجار والثمار. ومن حسن الطالع أنه لم يخرج علينا خبير أو مهندس زراعي، ليجادل بأن الجوافة هي الزيتون على الحقيقة، وهي المقصودة والواردة في القرآن الكريم، ولا يوجد ما يسمى زيتون غيرها. وربما يصل الأمر الى القول: “حسناً, إن كان ولا بدّ، فلنا زيتوننا الذي نعرفه، ولكم زيتونكم الذي تعرفونه”. لكن، لم يحدث ذلك والحمد لله في عملية الخلط الشكلي والمفاهيمي بين الزيتون والجوّافة.

أسوق ذلك كله للإشارة إلى خلط مشابه حدث في سياق لغوي ودلالي وثقافي بين تسمية الشعر الحر وقصيدة النثر عربيا، وهي تسميات لم يعرفها الشعراء العرب من قبل وعرفوها من خلال الاطلاع على الثقافة الغربية والأوروبية، ولأنهم وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى التجديد والتجريب والخروج من ربقة الشعر العمودي التقليدي الذي عرفته العرب على مدى قرون،  فحدث أن تم استيراد الأسماء الحداثية للشعرية الأوروبية، الفرنسية تحديدًا. وما حصل أن شعراءنا العرب والمنظرّين للشعرية الجديدة ألصقوا هذه الأسماء الجديدة بما يعرفونه منها أو بما هو قريب منها في تجربتهم وتجارب شعراء آخرين؛ فصارت لدينا مفارقة غريبة بين قصيدة نثر عربية وقصيدة نثر أوروبية وشعر حرّ عربي وشعر حرّ أوروبي. وحدث أن ما كان يسمى شعرًا حرًّا في أوروبا؛ صار يسمّى قصيدة نثر عند العرب، وما يسميه العرب شعرًا حرًّا- بحسب نازك الملائكة – هو في حقيقته شعر كلاسيكي بنظر الغرب، تمامًا كالشعر العمودي. أما قصيدة النثر فقد تم أخذ اسمها فقط دون مضمونها وشكلها.

ومع أن الخلط أصبح واضحًا الآن لكل مطلّع على هذا الأمر؛ الإ أنه لا أحد – كما يبدو -يجرؤ على تصويب هذه الحالة من الاشتباك في الدلالة، وإعادة الأمور إلى تسمياتها الصحيحة، والذي جرى أشبه بعملية هروب إلى الأمام؛ لذلك صار لنا شعرنا وتسمياتنا التي أخذناها منهم، ولهم شعرهم وتسمياتهم. وهناك من لا يزال يجادل ويمارس التنظير بأننا لم نأخذ اسم “قصيدة النثر” منهم أو على الأقل مضمونها؛ لأن أشكالنا الشعرية والنثرية ومضامينها لها جذور في التراث العربي الشعري والنثري وما بينهما.

هنا جدول اجتهدت في وضعه لبيان الاختلاف في الشعر الحديث بين أوروبا والغرب من جهة والعرب من الجهة الأخرى من حيث الشكل/التسمية، أقصد بين الزيتون والجوافة كشجر وثمر شعريًا.

0 666 27 يوليو, 2017 الخامس والثمانون, حداء الروح يوليو 27, 2017