فلسفة الحب: بين المعنى الروحي والأشكال المادية

لـ

تختلف العبارات والآراء التي تتحدث عن أصل الحب وفلسفته؛ فالحب نظريا هو مشاعر ضمنية جوهريَّة لا تعنى بالأشكال؛ إلا أننا لا نستطيع أن نمحق أثر الأشكال في الحب؛ كما لا يمكن أن نقول أيضًا إن الشكل أساس الحب؛ فجوهر الحب هو الروح غير المحسوسة. وقس على ذلك المثل الأعلى في الحب، الذي هو حب الإنسان لربه؛ إذ إن الله تعالى موجود غير محسوس ولا مرئي ولكننا نحبه. وهكذا، فالحب شيء غير حسي؛ ولكن أثره هو الأمر المحبوب.

كثيرون يطرحون تساؤلات في أصل الحب، وتتنوع إجاباتهم حسب اختلاف فهومهم وفلسفتهم وتجاربهم في الحياة. وربما يتفق الجميع على أن الحب هو نوعٌ من العاطفة الجاذبة لشخصٍ نحو شخصٍ من الجنس الآخر، والبعض يعدّ الأشكال والميل الجنسي نوعًا من المثيرات التي تنشط نتيجة الحب، وقد تكون هذه المثيرات ماديّة أو معنويّة. قد يتفق بعضهم مع هذا التعريف وقد يختلف؛ ولكن الحقيقة هي أن لكل شخص فلسفته وطريقته في الحب.

والحب كإحساس سامٍ ومجرد يكون للمثير ضمنًا وليس للشيء عينًا. لا يحتاج الحب للمثيرات الشكلية إلا في أحيان نادرة. الحب علاقة حقيقية لا انقطاعية؛ لأنه شعور لا متناهٍ من السعادة والارتياح. والأنفس التي تقع في الحب الجوهري لا تكون منكسرة كثيرًا؛ لأنها تجد المكان الملائم لتفريغ الطاقات الإيجابية والسلبية فيه؛ فتجد الإنسان المحب لربه يتجه إليه في السراء والضراء، والإنسان المحب لحبيبه متجهٌ إلى حبيبه في حال الرضى والسخط. فقد وقع هؤلاء في الحب الجوهري الذي معه لم يعودوا يفكرون كيف يفرغون أفراحهم وأتراحهم؛ فهم يتجهون مباشرة إلى المحب؛ إما شكرًا وإما شكوى.

إن المثير هو الأمر العاطفي أو الانفعالي؛ فأنت ترى الجمال فتحبه، حيث يصبح الحب مجرد إعجاب شكلي ولكنه لا يدوم؛ لأنه قد يفقد ذلك الشكل فيفقد عنه الحب. فنستطيع أن نستخدم الشكل مدخلًا، لكن لا نتركه أساسًا للحب؛ وإلا فُقد الحب لمجرد تغيّر ذلك الشكل.

والحب الضمني أو الحب الروحي قد ترى أثره، فعندما تحب شخصًا ما لأن روحه فكاهية؛ فأنت أحببت الضمن أو الجوهر، وقد يكون شكلُه ليس حسنا. وقس على ذلك الإنسان الطيب … الخ. إذا؛ الحب الجوهري ليس له علاقة بالمثير؛ لأنه يصل الروح بالروح، واتصال الروح منقطع عن أي مثير؛ لأن الروح يعلم أثرها ولا تعلم مادتها، ولا يُنتبه كثيرًا للأشكال أو المثيرات. والجدير أن الأرواح المتصلة بحب بعضها تكاد تشعر بالشعور نفسه في آن واحد؛ لأن حبها لبعضها تجاوز مرحلة الأشكال والمثيرات. هذا الحب هو الذي يدوم؛ فالروح لا تتغير، والأساس هو الجوهر وليس الشكل.

ومن أراد الحب؛ عليه أن يكون متنازلا عن ما يبدر من إشكالات مع المحبوب. والحب المجرد هو الطريق الوحيد لضمان بقاء العلاقات على الدوام. ولا يغيب عنا أن نذكر أن حب الإنسان للإنسان هو حب يجب أن يكون مستمرًا لا متناهيا ولا متصلا بمثيرات ما؛ بل يستمر باستمرار حب الروح الكامنة في دواخلنا؛ بعيدًا عن أي مصلحة، وإن اختلفت الآراء فهذا لا يعني أن نترك الحب لبعضنا؛ فالخلاف بيننا أساس في الحياة. وحبنا روحيٌّ وليس شكليّ.

0 331 02 أغسطس, 2017 السادس والثمانون, العدد الأخير, حداء الروح أغسطس 2, 2017