رَفَضة التناسل .. من هم ؟

لـ

نشر هذا المقال في موقع صحيفة الإنديبندت البريطانية

 

أيهمَّ حقاً إن انقرض البشر ؟ ألا تعتقد أن هذا الكوكب سيصبح أفضل بدونهم، وبدون ما يسببونه من معاناة وظلم ؟

إن كنت تجد ما كتب أعلاه غير منطقي؛ فأنت بلا شك لا تنتمي إلى حزب رفضة التناسل. فهؤلاء يعتقدون أن العالم سيكون أفضل في عدم وجود البشر، وهم يؤمنون بضرورة إيقاف التناسل البشري.

على الرغم من سوداوية هذا الموقف وقسوته؛ إلا أنَّ من يتبنونه يعتقدون أنه من الظلم جلب روح بريئة وطاهرة إلى هذا الوجود؛ فهم يؤمنون بأنّ من سيولد في هذا العالم التعس قد كُتب له الشقاء، كما أنه سيسهم هو نفسه في جلب المزيد من الألم  لنا جميعا.

ومع أن رفضة التناسل ليسوا جماعة ذائعة الانتشار والصيت؛ إلا أننا نجد في جنبات الإنترنت عددًا من المواقع التي تحتوي أعدادًا من المتفانين في خدمة هذه الفكرة. ويُعتقد أن أول ظهور لفكرتهم جاء على لسان شخصية المحقق (رستن كوهل – Rustin Cohle) في مسلسل True Detective ؛ إذ قامت هذه الشخصية بوصف ولادة الطفل بأنها تنم عن “عجرفة تجعل صاحبها يقذف بروح كانت في علم الغيب إلى هذه المزبلة” .

كما نجد، مثلًا، صفحة في موقع Reddit لمن يتبنون أفكارًا مشابهة، ويبلغ عدد المتابعين لها أكثر من 4000 شخص. وتحتوي على أفكار من قبيل “يعتقد غالب البشر بأنهم فانون ولكنهم ليسوا كذلك” وتجد كذلك من يتساءل مثلا: ” هل سيتكاثر البشر إن كانت عملية الجنس خالية من اللذة والمتعة ؟”. في مقابل أفكار هذه الصفحة التشاؤمية؛ نجد في الموقع الرسمي لحزب رفضة التناسل ومقرّه بريطانيا عبارات أقل سوداوية وأكثر مرحاً؛ كتلك الجملة التي يضعونها في موقعهم الرسمي على الإنترنت: “لنكن آخر الأجيال البشريّة، ولننضم إلى حزب أكثر ليبرالية وسعادة”. كما يحتوي بيان الحزب الرسمي على عدة مقترحات لكبح رغبة الناس في التناسل من أهمها: الحرمان من الامتيازات الضريبية، وإضافة ضرائب على اللحوم لضمان عدم إلحاق الأذى بالحيوانات من أجل تزويد حاجة البشر المتنامية إلى الطعام بسبب تكاثرهم، ووضع تشريعات تسمح للطبيب القيام بالموت الرحيم لأولئك الذين يعانون من مشاكل صحية خطيرة -سواء أكانت عضوية أم عصبية كالأمراض العقلية حتى إن كانت هذه الأمراض ليست مميتة – إذ إن بقاءهم على قيد الحياة يشكِّل عالة على البشرية، ومصدر ألم وضرر لمن يحيا حولهم-[1]

وعن هذا الحزب يقول مؤسسه نديم علي Nadeem Ali : ” إن فلسفة رفض التناسل قائمة على أهمية إدراك تبعات أن تولد في هذا العالم. فما إن تكون حيًّا حتى تصبح معرضًا للشقاء كما أنك معرض للمتعة أيضاً، ولكن الفرق أن المتعة مؤقتة ولا تدوم كدوام الشقاء والمعاناة” ويضيف: “من الأفضل الاستغناء عن متعة لا جدوى منها عوضاً عن جلب معاناة لا جدوى منها” .

من جانب آخر؛ يقول البروفيسور ديفيد بيناتار David Benatar من قسم الفلسفة بجامعة كيب تاون بجنوب أفريقيا[2] : ” لا أعتقد أن غياب البشر عن هذا الكوكب سيكون أمراً سيئًا على الإطلاق ” ولكنه يؤكد أن كلامه هذا لا يعني ” أن كافة الوسائل التي تهدف إلى تحجيم عدد البشر مما يساعد على فنائهم هي وسائل مقبولة أو محبّذة ” . ويضيف قائلا: ” إن ارتباط أفكار رَفَضة التناسل بمواضيع كالألم والمعاناة يجعل فلسفتها أكثر تعقيدًا، فهم لا يتمنون الموت للبشر كما يعتقد بعضهم، أو يروجون لفكرة الانتحار ويعتبرونها فكرة إيجابية أو ضرورية، ولا يتبنون مفاهيم الفلسفة العدمية، ولعل أكثر التعاميم المغلوطة بشأنهم هو اعتقادهم بأن علينا قتل أنفسنا !  بل على العكس؛ فإن مبادئهم نابعة من أفكار نبيلة نتبناها جميعاً كفكرة: أن المعاناة أمر قاسٍ وبشع؛ إلا أننا لا نعلم قوة تأثير هذه المبادئ فينا، وإلى أي مدى يمكنها أن تأخذنا ” وحول موضوع الانتحار يقول البروفيسور : ” رفضة التناسل لا يلزمون أي شخص بتبني فكرة معينة حول الانتحار، مع أني شخصياً أرى الانتحار مقبولًا في بعض الحالات التي تصبح فيها الحياة أمرًا لا يمكن احتماله، ولكنني أتفهم أن وجهة نظري هذه ما زالت بعيدة عن غالبية البشر، ولعل ذلك يعود إلى أن الموت – وإن كان خياراً أمثل لبعض الحالات- ما يزال يلحق ضرراً وألماً يصعب احتماله، ولكنني أعتقد أنه يجدر بنا تجنيب أولئك الذين لم يأتوا إلى هذا الوجود بعدُ، شرَّ هذا الألم الذي ينتظرهم”.

يدعم البروفيسور بيناتار وجهة نظره بالإشارة إلى عدد من الدراسات التي تشير إلى العواقب التي يسببها التفاؤل الأعمى؛ إذ يعتقد أن المبالغة في التفاؤل تجعل المرء يستهين بحقيقة الحياة وما تحمله، كما أن هذه الدراسات تؤكد أن الفقر يعدّ أحد مسببات المعاناة النفسية، إلى جانب ما يعمّ العالم من زيادة نسب معدلات العنف. كما أن أغلب الناس يختبرون أصنافاً من الألم والمرض، بعضها يمكن تجنبه وبعضها الآخر مُعدٍ. ويعتقد البروفيسور أن في مقابل هذه الحقائق، يلجأ بعض الناس إلى الركون للإيمان  – ببساطة – بأن البشر لا يتحلون بالكمال، وأنهم قد خلقوا بعيوب متوارثة. ويقول في هذا : “قد تعتقدون أن وجهة نظرهم غير معقولة؛ ولكن هناك تفسيرات نفسيّة لسلوكيات البشر التي تعارض أفكار رَفَضة التناسل؛ ولكن للأسف هذه التفسيرات غير منطقية، ولا تكفي لتبرير رفضهم لتلك الأفكار”.

ختاماً :

يرى البروفيسور بيناتار ورفاقه من رافضي التناسل أن الوضع الحالي للبشر وأريحيّتهم في التكيف المعيشي ليس وضعًا إيجابيًا؛ بل على العكس سوف يؤدي إلى انهيار البشرية وتداعيها بشكل مرعب. ويقول : ” معظم الناس لم يستوعبوا مدى سوء وضع العالم الذي يعيشون فيه، على الرغم من كل تلك الحقائق التي تكشف كارثيه الوضع”.

خارج الترجمة ( وجهة نظر ):

إذا ما حاولنا إسقاط هذه الفكرة على الواقع العربي؛ لوجدنا الكثير من العوائق، ولعل أهمها: الجهل والفقر والدين. فالجهل ومحدودية المعرفة والفقر في معظم البلاد العربية تجعل الناس في لهاث للحصول على لقمة العيش أكثر من لهاث الحصول على المعرفة. وهنا تختلف أوليات الشعوب، فالذي يبحث عن القوت معظم وقته أو ذلك العاطل عن العمل بسبب محدودية معارفه ومهاراته لا تخطر على باله مواضيع من قبيل الانفجار السكاني وصراع البشر على الموارد الطبيعية، وأثر زيادة أعداد الناس في مقدرات هذا الكوكب، وأثرهم في تدمير الطبيعة في ظل حاجتهم الدائمة لإيجاد المسكن والمأكل والمشرب. فهذا النوع من القضايا الكبرى لا تشغل المنطقة العربية الغارقة في مختلف أنواع الصراعات ومختلف مسببات الفقر والتجهيل.

وفيما يتصل بالدين؛ فهو يزخر ببعض الأدبيات من قبيل :قول الرسول ” تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة” وأن الأرزاق بيد الله وكل مولود يأتي رزقه معه. ولكننا نتجاهل آية مهمة من آيات القرآن التي تقول : ” ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر”. وفي هذا نرى أن الشعوب تنحو للميل إلى عاداتها القديمة في المباهاة بكثرة البنين؛ إذ كانت كثرة العدد مصدر قوة وعزوة للقبائل. وبوجود نصوص دينية توافق أهواء العادات والميول الموروثة أصبح أمر الدعوة إلى تقنين عملية الإنجاب يُواجه بالمقاومة والرفض من الجموع. وهو أمر مفهوم جداً في مجتمعنا؛ فما زالت دعوة شيخ الدين إلى التناسل وعدم استخدام موانع الحمل – لما فيها من مقاومة لإرادة الله – تلقى استجابة أكبر من دعوة العالم والطبيب، اللذين يحذران من زيادة السكان وضرره على العائلة الواحدة قبل ضرره الأكبر على المجتمع والبيئة.

(عن حزب رفضة التناسل):

تأسس حزب رفضة التناسل في بريطانيا في 21-1-2016. كما هو مكتوب في موقع الحزب الرسمي على الإنترنت، فإن الحزب لا يتوقع تحقيق أي نجاح على المستوى السياسي، فهم يدركون بأنهم  لا يتبنون فقط أفكاراً تعاكس التيار العام، ولكنها أفكار تعارض نظرية التطور بأكملها. ويؤمنون أن أقل النجاحات في كبح جماح  ولو شخص من التناسل؛ سوف يسهم في تحسين وضع هذا العالم. تجدون في موقع الحزب أدناه الكثير من المعلومات حول هذا الحزب ورسالته، بالإضافة إلى مكتبة مرئية تحوي عدداً من التعريفات والشروحات حول هذه الحركة. كما تجدون عددًا من عناوين الكتب التي يقترحها مؤسسو الحزب للتعرف على الأفكار التي أسهمت في تشكيل وجهات نظرهم حول التناسل وأضراره.

موقع حزب رفضة التناسل

https://antinatalism.co.uk/about/

 

رابط المقال الأصلي :

http://www.independent.co.uk/life-style/antinatalism-people-think-world-earth-better-off-if-humans-not-exist-humankind-extinct-a7565591.html

_______________

[1] قامت المترجمة بإضافة هذه العبارة لمزيد من التوضيح للنص الأصلي.

[2] قام البروفيسور بتأليف كتاب حول هذا الشأن عنوانه : Better Never to Have Been  and Debating Procreation: Is It Wrong?

0 287 07 أغسطس, 2017 السادس والثمانون, العدد الأخير, ثقافة وفكر أغسطس 7, 2017