فن الإفراط!

لـ

سكاي سي كليري1 تُحاور الفيلسوف البريطاني غاري كوكس.

يُعد موضوع “الوجودية” أحد أبرز المواضيع التي يتداولها الناس عادةً في أحاديثهم بطريقةٍ أو بأخرى؛ فكل شخص تقريبًا لديه فكرة عنها، على الرغم من أن قلة منهم يعرفون معناها الدقيق، وحتى أولئك الذين يعتقدون بأنهم يدركون معناها جيدًا، يختلفون عليها عادةً؛ ذلك لأن الوجودية هي فلسفة تقوم على مبدأ إدراك الأشياء وفهمك لها بنفسك، ومن ثم تكوين استنتاجك الخاص حول الطريقة التي ترغب في أن تعيش بها.

بيد أن من أفضل تعريفات “الوجودية” التي قرأتها، تعريف الفيلسوف البريطاني غاري كوكس في كتابه الذي صدر عام 2009 : ” كيف تُصبح وجوديًا: أو كيف تُصبح واقعيًا، تمالك نفسك وتوقّف عن اختلاق الأعذار ! (How to Be an Existentialist: or How to Get Real, Get a Grip and Stop Making Excuses) وهو كالآتي:

“تتلخص فكرة الوجودية في مفهومي الحرية والخيارات الشخصية؛ إذ تتجلى في مواجهة الواقع بصدقِ وشجاعة وبرؤية الأشياء حتى نهايتها، وبعدِّ كلماتٍ، ككلمة “خَيار” كلمةً جوهرية وأساسية في الحياة . وحتى تُصبح وجوديًا يتطلب ذلك منك جهدًا كبيرًا؛ إذ تكمن الصعوبة الحقيقية في المحافظة عليها وصونها والحفاظ على ما يُسمّيه الوجوديون “واقعيتها”، في الوقت الذي يدعوك فيه الآخرون لتركها، وتُحدثك نفسك للتخلي عنها، وتتألبُ الأشياء عليك لتدفعك للاستسلام كالجبناء والخضوع لما يُطلق عليه الوجوديون “سوء نية” ؛ وسوء النية يُشبه كثيرًا ما يسمّيه الفنانون والموسيقيون ونجوم الروك “خنوعًا” “.

تُعجبني كثيرًا مهارة كوكس في تخفيف “دسامة” المجلدات الفلسفية كـكتاب “الوجود والعدم” لجان بول سارتر، وتحويلها إلى نصوصِ تحمل نوعًا من الطرافة واللطافة، لذلك انتهزت الفرصة لقراءة كتابه الجديد الذي يتضمّن سيرة ذاتية لأحد أبرز الوجوديين، عنوانه :الوجودية والإفراط: حياة جان بول سارتر وسيرته(Excess: The Life and Times of Jean-Paul Sartre Existentialism and)

إليكم مقابلتي مع – غاري كوكس الذي يعمل حاليًا زميل أبحاثٍ فخري في جامعة برمنجهام- حول كتابه الأخير هذا.

لماذا ما يزال الناس مُهتمين بموضوع “الوجودية”، وبجان بول سارتر بالتحديد برأيك؟

يتردد اسم “سارتر” كثيرًا في وسائل الإعلام، مرتبطًا  بكلمتي “وجودي” و”وجودية”، وبتمليحٍ دائمٍ لشيءٍ غامضٍ وعميقٍ ومعقّدِ ورائع إلى حدٍّ ما، مما يثير فضول الأشخاص عميقي التفكير لمعرفة المزيد عن هذا المذهب الفلسفي. وكحال أية فلسفة عظيمة، تزخر الوجودية بحقائق خالدة حول الوجود الإنساني، تكون في كثيرٍمن الأحيان حقائق مرة وصعبة التقبّل؛ غير أنها موجّهة لأولئك الذين يرغبون بالعيش بصدق وواقعية، كما يرى سارتر.

كانت حياة سارتر جزءًا لايتجزأ من رسالته الفلسفية؛ فقد كان يُدافع عن الأشياء التي يؤمن بها حتى لو بدا في الغالب ساذجًا أو متزمّتًا سياسيًا، وكما يقول دائمًا بأنه “خلق نفسه من العدم”. كان سارتر تجسيدًا حيًّا للمذهب الوجودي الذي يرى بأن الحياة لاتحمل أي معنى، إلا إذا اخترنا نحن إضفاء معنىً لها. كُل هذه الأفكار جعلت منه شخصية جذابة بشكل دائم وأيقونة وأنموذجًا لأناس من مختلف الأعمار والخلفيات.

 

كان سارتر ميّالًا إلى الإفراط في كل شيء؛ فقد كان يكتب كثيرًا، ويحب نساءً كثيرات، ويفرط في تناول سجائر بويارد كوبرال Boyards Caporal ، والويسكي (شراب مُسكر)، والقهوة، والمنبهات العصبية والأقراص المنومة؛ فاشتهر بجوانب حياته هذه تمامًا كشهرته بفلسفته. هل لك أن تُحدّثنا قليلًا عن الدور الذي لعبه “الإفراط” في حياته، وعن المبدأ الذي ذكرته في كتابك: “ما يهم هو كيف تعيش، وليس كم من الوقت ستعيش” ؟

كان سارتر يملك طاقة كبيرة وقدرة هائلة على التحمل؛ فقد عمل بجد واستمتع بحياته بإفراطٍ في الوقت ذاته، فكانت “الكتابة” إفراطه الرئيس، بينما إفراطاته الأخرى كالنساء والعقاقير فقد كانتا مصدر إلهام له؛ فدفعتاه بشكل “مفرط” باتجاه مشروعه الطموح لمحاولة تفسير الوجود الإنساني. غير أن إفراطه دمّر حياته؛ فعاش أعمى فعليًا في سنوات حياته السبع الأخيرة، وعانى من أمراض نفسية لعدم قدرته على مواصلة الكتابة؛ إذ لم يكن باستطاعته رؤية كتاباته ومراجعتها. كان يُعاني أيضًا من “نقص الأكسجين الدماغي” ؛ لذا كان يواجه صعوبة بالغة في التركيز. لم يندم سارتر قط على طريقة حياته هذه، التي اتبّع فيها أسلوبًا وجوديًا حقيقيًا. وكونه عاش حياته مفرطًا في كل شيء؛ فمن المُذهلٌ حقًا أنه عاش 74 عامًا.

ألّفت عدة كتب حول جان بول سارتر أبرزها : “سارتر و الرواية” (Sartre and Fiction)، و “قاموس سارتر” (The Sartre Dictionary)،  و”سارتر: دليلك إلى الحيرة” (Sartre: A Guide for the Perplexed)، بالإضافة إلى كتاب ” كيف تُصبح وجوديًا؟”، الذي أدهشني لتمحوره بشكل رئيس حول وجودية سارتر. لماذا قررت الكتابة عن سيرة حياة سارتر؟

عندما كُنت أكتب أطروحة الدكتوراه الخاصة بي عن سارتر، مُركزًا على كتابه “الوجود والعدم”، لم أكن أعرف كثيرًا عن حياته، وكتابي”سارتر: دليلك إلى الحيرة” (Sartre: A Guide for the Perplexed) كان بمثابة “إعادة كتابة” لأطروحة الدكتوراه. بدأت البحث الفعلي عن شخصية سارتر حينما كنت أؤلف كتاب “قاموس سارتر” (The Sartre Dictionary)؛ حتى أتمكن من تضمين معلومات عن سيرة حياته بالإضافة إلى الأمور الفنية الأخرى التي احتاجها الكتاب. بحثتُ كثيرًا حينها؛ فساعدني ذلك جدًا لأكوّن خلفية معلوماتية قويّة أستطيع الاستناد عليها إذا ما قررت الشروع في أي مشروع قادم عنه. فكتاب “سارتر والرواية” مثلًا انبثق من بحثٍ كنت أجريه في ذلك الوقت بالإضافة إلى مجموعة من الآراء التي كوّنتها عن قصصه القصيرة ورواياته ومسرحياته؛ إذ إن كل عمل من أعماله الأدبية هذه يعكسُ السياق الشخصي والنفسي الذي كُتب فيه كقصص حبه والعقاقير التي كان يتناولها، كما يعكس بشكل متزايد السياق السياسي والتاريخي المتمثل في الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة؛ لذا تحول كتاب “سارتر والرواية” إلى ما يشبه “سيرة حياة”.

يُحاول الكٌتّاب دائمًا التفكير في موضوعٍ للكتابة عنه، فيبحثون عن شيءٍ يجدون أنفسهم مهتمين به بدرجة كافية  ومُلمين به بصورة تمكنهم من تأليف كتاب كامل عنه؛ لذا بعد أن كتبتُ عدّة كتبٍ فلسفية أخرى سابقًا ولم تكن حول سارتر، بات من البدهيّ أن أكتب عن سيرة حياته وأنا أعود إليه مرة أخرى؛ فلسنوات عدة، كنت متجهًا لتأليف كتاب عن “الوجودية والإفراط “، ولكنني  كنت أجهل ذلك فعلًا.

 

 

 

كُتِبَت سابقًا عدد من السير عن حياة سارتر، كـ “حياة سارتر” (Sartre: A Life) للكاتبة الفرنسية آني كوهين-سولال، فضلًا عن كتاب “سيرة حياة سارتر” (A Biography of Sartre) للكاتب البريطاني رونالد هايمان، الذي اعتمدت عليه في كتابك وعددته “الطريق الذي أنار لك دربك”، لماذا نحتاج إلى سيرة جديدة؟  وما الذي يميز السيرة التي كتبتها عن السير السابقة ؟

تلك سيرٌ عظيمة وملحمية، ولا شك في أنني استعنتُ بها إلى جانب عدد كبير آخر من المصادر؛ وذلك لأكتشف حقائق كثيرة عن سارتر؛ بيد أن ما يُميز كتاب “الوجودية والإفراط” (Existentialism and Excess) أنه أتى في نصف حجم السير الملحمية هذه، وهو كتابٌ شامل غير أنه موجز وسهل الفهم، كتاب سريع القراءة غير مخصص للفلاسفة والأكاديميين، وإنما وضع للقراء الذين يقرأون عن سارتر للمرةّ الأولى، القراء الذين يرغبون في التعرف إليه والاستمتاع بما يقرؤونه في الوقت ذاته. قصة حياة سارتر هي قصة جذابة جدًا بلاشك، ولست متأكدًا ما إذا كان العالم يحتاج إلى سيرة جديدة عنه، ولكني كتبت واحدة في كل الأحوال لأنني كنت أرغب في ذلك، وقد ضمّنتُ  – بالتأكيد – في رؤيتي لحياة سارتر وأعماله كل الأفكار والآراء وتحليلات العلماء التي رسمتها وكوّنتها عنه وعن فلسفته على مدى عدّة عقود، ومنذ أن اكتشفتُ لأول مرة روايته “الغثيان” حينما كنت في سن المراهقة.

اختلفت الآراء حول كتابك “الوجودية والإفراط ” (Existentialism and Excess)؛ فلاقى الكتاب تقييماتٍ نقدية إيجابية و سلبية حادة . ما سبب تباين ردود الفعل  التي أثيرت حوله برأيك ؟

قال الممثل والمغني الأمريكي إلفيس برسلي يومًا بأن للنقاد وظيفة يتوجب عليهم تأديتها؛ فيؤدونها. وأجرؤ على القول بأن عددًا قليلًا فقط من التقييمات النقدية على موقع أمازون مثلًا، كانت “سخيفة”، ولكن لكل شخص الحق في إبداء رأيه في نهاية المطاف. هناك أيضًا كثيرٌ ممن يطلقون على أنفسهم “نُقّادًا”، فيتصفحون الكتاب، في أفضل الحالات، متبعين أسلوبًا تهكّميًا نابعًا من حقد، ليسهل عليهم انتقاده، ثم يهرعون لكتابة تعليقٍ ما للترويج لأسمائهم. أحد المعلقين صرّح بشكل واضح بأنه لم يعجبه كتابي؛ لأنه لم يكن يُحب سارتر. في كل الأحوال، ناقل الكفر ليس بكافر! وكما ذكرت أنت، لاقى كتاب “الوجودية والإفراط” (Existentialism and Excess) تقييمات نقدية إيجابية أتت لاحقًا من أشخاص استغرقوا وقتهم لدراسة الكتاب مليًّا وقراءته كاملاً. وفي نهاية المطاف لا يمكنني الإملاء على الناس الطريقة التي ينبغي أن يفكروا بها، وقد أشرتُ في الكتاب إلى أن ذلك كان خطأ ألبير كامو الكبير الذي ارتكبه أثناء الشجار الذي حصل بينه وسارتر وأفضى إلى إنهاء صداقتهما، بسبب الكتاب الذي ألفه كامو بعنوان “الإنسان المتمرد”. وقبل ذلك كله، أدعو القراء إلى أن يمعنوا التفكير قبل اتخاذ أي قرار؛ فهذا ما ينبغي أن يفعله “الوجودي”.

تقول في كتابك بأن نظرتك لسارتر تغيرت عندما كنت تكتب سيرته، كيف حدث ذلك ؟

نعم، انتهى بي الأمر إلى أن أُعجب بشخصية سارتر أكثر ويقل حُبي له؛ فقد ذهب سارتر إلى أن العبقرية تتمثل في كل ما يفعله العبقري؛ فصاغ عبقريّته من خلال قدرته الرائعة، التي باتت تعد أسطورية الآن، على العمل المُجهد؛ فلم يكن يُوجِله أي مشروع فلسفي مهما بدا صعبًا، وليس أدل على ذلك من محاولته التوفيق بين الوجودية والماركسية في كتابه “نقد العقل الجدلي”، بالإضافة إلى نتاجه الضخم واللافت، الذي تناول فيه مجموعة واسعة من القضايا الفلسفية، بوصفه أكاديميًا وكاتبًا وروائيًا وصحافيًا. بيد أنني اكتشفتُ بأنه – كحال غيره من الناجحين- كان في بعض الأحيان أنانيًا وبخيلًا ومتعصبًا لأولئك الذين أحبوه. كما أصبح دوغمائيًا على نحو متزايد في مواقفه اليسارية المتطرفة، وهو ما يمكننا القول بأنه يتعارض مع كياسته وعبقريته التي كشفت عنها تقييماته للنفس البشرية. يستكشف الكتاب دوافعه المعقدة بالتفصيل، شارحًا ومفسرًا تصرفاته ومواقفه، واضعًا إياها في سياقها المناسب، وإن لم يجد أعذارًا لها في أغلب الأحيان. كان سارتر شخصية معقدة، لم يكن شخصًا مثاليًا؛ بل انطوت شخصيته على كثيرٍ من الجوانب السلبية والإيجابية.

ما  التحديات الرئيسة التي واجهتها عند كتابة سيرة حياة لسارتر؟

تمثلت أبرز التحديات  التي واجهتها في محاولة إنصاف حياته العظيمة وأعماله في أقل من 75000 كلمة؛ فقد نوقشت فلسفة سارتر وعلاقتها بحياته، على مدى سنوات عدة، وهنا يكمن التحدي الأكبر في جمعها وتقديمها بأسلوب متناسق وثري وممتع في الوقت ذاته.

في أحد فصول كتابك المعنون ب “الفيلسوف والمخرج السينمائي”، تطرقت إلى التعاون الفاشل الذي جمع بين سارتر والمخرج السينمائي الأمريكي جون هيوستن؛ فقد كان من الممكن أن يُنسب سيناريو فيلم “فرويد: الشغف السري” (Freud: The Secret Passion) إلى سارتر؛ ولكنه سحب اسمه لأنه لم يكن موافقًا على المحتوى. وربما كان كرههم الكبير لبعضهم بعضًا سببًا آخر. هل تعتقد بأنه لو لم يسحب سارتر اسمه من الفيلم، كان إرثه سيختلف كثيرًا، في الولايات المتحدة عمّا هو الآن؟

كانت أفكار سارتر متزنة جدًا في الوقت الذي أُنتج فيه الفيلم؛ لذا ومن أجل صيته الفكري الثمين، لم يكن أمامه سوى سحب اسمه من الفيلم. لستُ متأكدًا ما إذا كان إرث سارتر في الولايات المتحدة سيكون مختلفًا كثيرًا لو اختار إبقاء اسمه مرتبطًا بالفيلم؛ فمن يتذكر الفيلم الآن ؟

قد يبدو إرث سارتر في الولايات المتحدة جيدًا جدًا، وبالتأكيد أفضل مما هو عليه في فرنسا؛ فأنا أعرف من خلال تعاوناتي ومراسلاتي، وليس آخرًا هذه المقابلة، بأن هناك شغفًا دائمًا بسارتر وفلسفته الوجودية في الولايات المتحدة، وعلى الرغم من دوغمائيته المفرطة وفكره اليساري المتطرف والمناوئ للأمريكوية (المبادئ التي ترتكز عليها الثقافة الوطنية الأمريكية/المترجم)، هناك الكثير في وجودية سارتر ما يتوافق مع مبدأ الإيمان بالقدرات  وروح الاعتماد على الذات التي تعد أساس “الحلم الأمريكي”.

في الفصل الأخير، الذي حمل عنوان ” نوع من الاستنتاج”، أشرت إلى أن “سير الحياة” تبقى غير مكتملة؛ لأنها قد لا تستطيع تجسيد حياة الآخر بدقة و”لا يمكن أن تحيط بكل ما يتربط به”. هذا يُذكرني بالتشبيه الذي ذكر في كتاب “الوجود والعدم”، حين شبّه سارتر محاولته لفهم الآخر، بمحاولة الإمساك بشخص هارب؛ ولم يبقَ معنا شيء له سوى معطفه الذي تركه خلفه، والذي لا يمثل سوى “غطائه الخارجي”. هل تعتقد بأن سارتر كان محقًا في أننا لا نستطيع أن نخترق دواخل الآخر، ولا يمكننا أبدًا فهم بعضنا الآخر بدقة ؟

تبقى حياة الناس دائمًا مشروعًا مستمرًا؛ فحتى بعد موتهم تظل حياتهم مفتوحة للتأويلات والتفسيرات من الآخرين مستقبلًا؛ لا سيما وأننا دائمًا ما نكون غير متأكدين من دوافع التفكير والشعور لدينا ودوافع التصرفات التي نتصرفها. سيرتي حول حياة سارتر هي  جانب آخر جديد لحياته، وهي مساهمة أخرى في نسيج غني من سير حياته الموجودة سابقًا، وإن كان نسيجًا مُحاكًا من مجموعة من الحقائق الراسخة. وكما يعلم سارتر جيدًا، فإنه من المستحيل كتابة سيرة حياة دون تقديم وجهة نظر شخصية حولها، ولكن في الفصل الأخير طلبتُ من القُرّاء أن يكوّنوا وجهة نظرهم الخاصة حوله؛ غير أنني أيضًا أكّدتُ بشدّة أيضًا على أنهم غير مُجبرين على ذلك على الإطلاق، وحاولت جاهدًا تجنّب توجيههم باتجاه استنتاج محدد حتى لا أبدو كقاضٍ يوجه الأوامر لسلطة التحقيق في نهاية المحكمة.

وقد يجهل بعضهم، بأن أعظم إسهامات سارتر في مجال الفلسفة وعلم النفس تمثلت في ابتكار أدوات مفاهيمية تُساعد على إزالة الغموض ومعرفة جوهر الإنسان؛ فنظريته “سوء النية”، على سبيل المثال، تُعد أداة قوية لتحليل أفعال الإنسان واكتشاف دوافعه الحقيقية، التي غالبًا ما تكون دوافع يسعى الإنسان لتجاهلها وإنكارها. نحن أحرارٌ و مسؤولون إلى حد كبير عن خياراتنا؛ غير أننا غالبًا ما نتظاهر أمام أنفسنا والآخرين بأننا لسنا كذلك، وأننا لا نملك سلطة الاختيار، وأن علينا أن ننحي باللائمة على الآخرين في ذلك. سارتر بارعٌ في هذه الأمور. وقد تطرقت لهذه المواضيع بشكل مفصل في كتابي”كيف تُصبح وجوديًا” (How to be an Externalist) ؟

في مقدمة كتاب “الوجودية والإفراط” (Existentialism and Excess) وضعت اقتباسًا للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة الذي يقول :”ماذا؟رجل عظيم؟ أنا دائمًا لا أرى سوى رجلٍ “فاعلٍ” لغاياته”. ذكرت بأن هدف سارتر  كان في أن يصبح كاتبًا عظيمًا بعد وفاته، وهو ما يبدو أنه قد حققه. كيف تنطبق مقولة نيتشه على سارتر إذن؟ وهل تعتقد بأنه رجل عظيم أم أنه مجرد “فاعل” لغاياته الشخصية؟ أم أن هذا جزءٌ من المواضيع التي تتحدى فيها القراء ليقرروا فيها بأنفسهم أو يختاروا عدم اتخاذ قرار معين؟

كان سارتر متأثرًا إلى حدٍّ كبير بنيتشه، الذي أستطيع أن أنعته بالوجودي. تُعيد العبارة المقتبسة في مقدمة الكتاب مبدأ سارتر الذي يذهب إلى أن العبقرية تتمثل في كل ما يفعله العبقري، بالإضافة إلى مبدأ الوجودية الأكثر عمومية الذي يذهب إلى فكرة “أن تكون يعني أن تفعل”. كان سارتر رجلًا عظيمًا بفضل الأعمال التي أنتجها وفقًا لرؤيته ومبادئه وغاياته الفلسفية؛ فقد كان “فاعلًا” متعنّتًا لغاياته، وكما يكتب في سيرته الذاتية “الكلمات”(The Words) ” لم أرَ أنفسي كمالكٍ سعيد للـ “موهبة”: هاجسي الأول كان أن أحمي نفسي، لا بما في يدي ولا بما في جيبي، وإنما من خلال عملي وإيماني”.

عُرف سارتر بنقده الشديد لنظام الرأسمالية في الولايات المتحدة الأمريكية. برأيك كيف كانت ستكون مواقفه حول سياسة القرن الحادي والعشرين؛ لا سيما سياسة الولايات المتحدة الأمريكية؟

انتقد سارتر النظام السياسي للولايات المتحدة بشدة، خصوصًا نظام الفصل العنصري وحرب فيتنام. وثار ضد الرأسمالية؛ لكنه كان يتمتع بامتيازاتها من طعامٍ جيد وسفرات خارجية متكررة، مع أنه لم يكن من المهتمين بجمع الثروات. كان أكثر الأشياء المثيرة للغضب هو تعصبه السياسي؛ فمن جهة انتقد الولايات المتحدة بشدة وهي الدولة التي أكرمته أيما إكرام، ومن جهة أخرى، وبصورة أكبر من معظم معاصريه، سعى كثيرًا إلى إيجاد أعذار لنظم الديكتاتورية القمعية للاتحاد السوفيتي والصين كعمليات التطهير السياسي، ومعسكرات العمل القسري، والفشل الاقتصادي وانعدام الحرية. أعتقد بأن موقف سارتر من سياسة القرن الحادي والعشرين، لا سيّما سياسة الولايات المتحدة، كان سيكون سهل التوقع؛ إذ سيكون مشابهًا لموقف المثقفين البرجوازيين و اليساريين المتطرفين، كما سيكون سارتر متحمّسًا كثيرًا لانتقاد الرئيس الحالي دونالد ترمب على سبيل المثال، الذي يستحق بلا شك أن يُنتقد على كافة الأصعدة، فيما عدا مواقفه المناهضة لما تقوم به  “داعش” وكوريا الشمالية. ومع أنه عانى من الظلم وكان هدفًا للإرهاب؛ إلا أنه كان أيضًا متعاطفًا مع الإرهابيين، وأعتقد بأنه كان سيظل كذلك في الوقت الحاضر. تلك ادعاءات مثيرة للجدل ولكنني أحث الناس على قراءة الكتاب، وتحديد وجهة نظرهم  اعتمادًا على الأدلة المذكورة فيه.

ما هو إرث سارتر “الأكثر خلودًا” برأيك؟

فلسفته الشاملة والثاقبة عن الوجود الإنساني كما طُرحت في كتاب “الوجود والعدم” والأعمال المرتبطة بها؛ فهي التي ستجعله يعتلي مكانة مميزة في تاريخ الفلسفة الطويل بعد أن نُسيت إلى حد ما سمعته “المرعبة” بوصفه مفكّرًا حرًّا، مُتمردًا ومثيرًا للفتن.

يتذكر أغلب الناس بأن سقراط مات من أجل ما كان يؤمن به أكثر من تذكرهم بماذا كان يؤمن بالضبط، ولكن سارتر حينها لم يمت من أجل ما كان يؤمن به؛ بل ترك ذلك لبعض شخصياته الروائية.

ما هي مشاريعك القادمة؟

أعمل مع دار بلومزبري للنشر والتوزيع (Bloomsbury) على إصدار نسخة “الغلاف الورقي” من كتابي “دليل الوجودي إلى الموت والكينونة والعدم” (Existentialist’s Guide to Death, the Universe and Nothingness)، وستكون هناك ترجمة لكتابي هذا “الوجودية والإفراط” إلى اللغة الألمانية. كما انتهيتُ مؤخرًا من تأليف كتابِ لدار بلومزبري حول فلسفة الرياضة، ركزت فيه على لعبة الكريكيت الذكية. وأعكف حاليًا على مشاريع أخرى، أبرزها كتاب حول سيرتي الذاتية.


______________________________

1سكاي سي كليري هي فيلسوفة ومؤلفة كتاب “الوجودية والحب الرومانسي” (Existentialism and Romantic Love)

 

رابط النص الأصل: https://tinyurl.com/y8bx4xbt

0 543 10 أغسطس, 2017 السادس والثمانون, العدد الأخير, حداء الروح أغسطس 10, 2017