هل ساهمت الأصولية الدينية في تدهور التعليم بالدول الإسلامية؟

لـ

يعد نصيب الدول الإسلامية من الإنتاج العلمي ضئيلا جدا مقارنة ببقية دول العالم حيث لا يتعدى إنتاج 42 دولة إسلامية ما يقارب 5% من الإنتاج العلمي في العالم. وتدفعنا هذه الأرقام إلى التساؤل، ما مدى تأثير التيارات الإسلامية على التعليم والإنتاج العلمي؟ لذلك، ففي السنوات الأخيرة ارتفعت أصوات المحذرين من سطوة الأصولية بمختلف أيديولوجياتها وتوجهاتها على المنظومة التعليمية في العالم العربي. وكون التعليم من أهم وسائل بناء الدولة وأخطر الأدوات لتربية الجيل  الناشئ على أفكار ومفاهيم وتوجهات معينة، فقد أصبح هدفا لكل التيارات الأصولية التي تطمح للوصول إلى السلطة بما فيها التيارات الأصولية الإسلامية.

وبحسب دراسة وردت في مجلة Middle East Quarterly،  بلغ العالم الإسلامي ذروة  العلم والتعليم في القرن التاسع الميلادي حتى القرن الثاني عشر.  فقد بلغ التطور في تلك الفترة مجالات الطب والهندسة والفيزياء وعلم الفلك في عدة مدن مثل بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، وهو يدل على أن الدين آنذاك لم يشكل عائقا أمام التقدم وفقا للمؤرخين دونالد هيل وأحمد الحسن اللذين يذكران في نفس التقرير أن من أهم أسباب التقدم العلمي آنذاك انفتاح العالم الإسلامي واحتضانه للعلماء والمفكرين كافة بغض النظر عن أصولهم أو توجهاتهم الدينية.

بدأ العالم الإسلامي بالتراجع في بدايات القرن الثالث عشر، فيذكر برنارد لويس أن المسلمين لم يهتموا بالتقدم الحاصل في أوروبا آنذاك في عصر النهضة وعصر الإصلاح والتنوير والثورة العلمية. واعتمد المسلمون في تلك الفترة بشكل كبير على العلماء من الأقليات غير المسلمة كالأرمن واليهود واليونان في مجالات الطب والترجمة، والذين ساعدوا المسلمين في النقل المحدود للعلم والتكنولوجيا من أوروبا في ذلك الوقت، وفي نفس التقرير؛ يعزو أرون سيجال التراجع العلمي إلى عدة أسباب، أبرزها غياب التسامح وظهور التطرف الديني إضافة إلى قيام علماء الدين مثل أبي حامد الغزالي بالتشكيك والتحذير من التساؤلات الدينية والفلسفية.

إن تأثير التيار الأصولي الإسلامي على التعليم لا يتضح فقط في أسلوب التدريس التلقيني الذي لا يقبل التساؤلات والنقد والتفكيك المعرفي، بل يتجلى أيضا في المحتوى و طبيعة المنهج. فمثلا، فيما يتعلق بتدريس التاريخ، يذكر تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام أن التاريخ في أغلب الدول العربية لا يتم تدريسه بشكل حيادي. فتخضع مناهج التاريخ المدرسية في أغلب الدول العربية لسيطرة الأصوليين الإسلاميين حيث يتم التركيز على التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية وتأسيس الدولة الحديثة، أما بالنسبة إلى الحضارات الأخرى وأبرز الأحداث التاريخية في الدول تُذكر بشكل بسيط أو تجاهلها كليا حتى لا تكاد تُذكر؛ مثل الثورات التي حدثت في أوروبا كالثورة الفرنسية والروسية. كما لا يتم التطرق بتاتا لتاريخ دول مهمة على الساحة الدولية كتاريخ أمريكا وروسيا ويتم أيضا إغفال وقائع محورية ما زلنا نشهد تبعاتها حتى اليوم. إضافة إلى ذلك يتم ذكر الروايات التاريخية التي تتفق مع الروايات الدينية فقط. وكل هذا يدل على أن تدريس التاريخ لا يتسم بأي موضوعية وشفافية بل يتم بطريقة انتقائية محدودة وفقا لأهواء المزاج السياسي والديني العام. وقد أدى هذا إلى نشوء أجيال جاهلة لأبرز الأحداث التاريخية والحضارات الإنسانية ودورها في صياغة و تشكيل العالم الحديث، كما أنها عاجزة عن التحليل لأي حدث جديد وربطه بوقائع تاريخية سابقة.

أما فيما يتعلق بالتربية الدينية فيوضح محمد فاعور، الباحث في مجال الإصلاح التربوي في العالم العربي، في التقرير ذاته أن المنهاج المدرسي يدرِّس المذهب الديني السائد في الدولة فقط على أنه المذهب الصحيح ولا يتطرق إلى المذاهب الأخرى مما أدى إلى إنتاج جيل غير متسامح ولا يتسم بالتعددية فهو لا يعترف ولا يقبل بأي مذهب غير مذهبه. وعلى نفس السياق، لم تسلم المناهج العلمية من سطوة التيار الديني الأصولي المتشدد فكل نظرية علمية (بغض النظر عن أهميتها) لا تتفق مع التراث الديني أو التفاسير الدينية (بغض النظر عن دقة هذه التفاسير) يتم رفضها ولا تطرح  في المنهج العلمي، متغافلين عن حقيقة أن النظرية لا تعني الحتمية فهي تخضع للخطأ و الصواب. ومثال ذلك نظرية النشوء والارتقاء لداروين التي تم استثناؤها من كل المناهج العلمية على الرغم من أن كتاب داروين “أصل الأنواع” الذي يشرح النظرية سبق أن تمت ترجمته إلى العربية في القرن التاسع عشر لأنه لم يكن هناك أي مقاومة تذكر ضد نشر الأفكار العلمية الغربية من قبل المثقفين المسلمين. وكذلك الحال مع نظرية ماركس الشيوعية التي تم تجزئتها و تدريسها من ناحية اقتصادية في بعض الدول دون التطرق لها من ناحية اجتماعية و سياسية لرفض التيار الديني لها.

التعليم الرجعي

ومن أبرز الأمثلة على الهيمنة الأصولية الدينية في التعليم هو عدم تدريس الفلسفة –باستثناء الفلسفة الإسلامية- أو مبادئها كمنهاج مدرسي في عدة دول عربية كونها تحفز على التساؤل والتحقيق في ماهية الأشياء، لذلك يعتبرها التيار الديني خطرا محدقا وضربا من الكفر لأنها تثير الجدل والتشكيك. فعلى سبيل المثال، منذ بضع سنوات قام التيار الإسلامي في الكويت بالضغط على وزارة التربية من أجل تقليل حصص الفلسفة والموسيقى في المدارس لصالح الدراسات الإسلامية، ولا يختلف الحال كثيرا على مستوى التعليم العالي أو الجامعي، فسطوة التيار الأصولي الإسلامي تطال كل أكاديمي ومثال ذلك الحادثة التي وقعت عام  عندما 2012 حين قام الإسلاميون في الجامعة الأردنية بالضغط على رئاسة الجامعة لإقالة عميدة كلية اللغات الأجنبية بسبب قيام طالباتها بإعداد باعتباره سلوكا منافيا للدين والأخلاق متجاهلين المشكلة الأساسية التي يتطرق لها الفيديو وهي التحرش الجنسي في الجامعة. كما قام أتباع نفس التيار بإجبار محاضرة في نفس الجامعة على توقيع اعتذار خطي بسبب قولها لطلابها أن المصافحة باليد لا تقلل من وقار واحترام المرأة.

و أدى كل هذا إلى إنتاج جيل جاهل بأهم نظريات الفلسفة الفكرية وعاجز عن التحقيق و التحري والتثبت من صحة المعلومة ودقتها فيصدق كل ما يقال ويسلم لكل ما يرد فيسهل التغرير به من قبل الجماعات التكفيرية المتطرفة، لنعود بعدها لنتساءل عن أسباب جهل شعوبنا.

0 1168 13 أغسطس, 2017 آفاق فلسفية, مقالات أغسطس 13, 2017