أن تحيا مثل فيلسوف

لـ

لجيمس ميلر(•)  الترجمة: شمعون بوزاغلو(••)

يديعوت أحرونوت مارس 2017(•••)

 

عن الكتاب:

معنى أن تحيا مثل فيلسوف هو ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين حياة الفيلسوف وتعاليمه في نظر سقراط “أبو الفلاسفة”،وحسب الحقيقة التي تبحث عنها وتسعى إليها، بالإضافة إلى ممارسة سلوكك بالطريقة الصحيحة في الحياة؛ وبخاصة أن تعطى لنفسك المسئولية للمحاسبة على أفعالك؛ هذه هي الحياة الوحيدة التي تستحق العيش، والتساؤل هنا هل فعل الفلاسفة الآخرون كذلك؟ ليس بالضرورة،  فكثير (وربما معظمهم اليوم) نظروا إلى الفلسفة من خلال النطاق النظري فقط، والمهنة الأكاديمية لا تتطلب وسيلة حياة كهذه أو غيرها.

وعن الحياة يبحث جيمس ميلر كفيلسوف عن  تطور المسألة التقليدية الفلسفية من خلال قصص رائعة لاثني عشر من أعظم الفلاسفة بعد سقراط ، فتجتمع هنا قصص أفلاطون، أرسطو، أوغسطين، سينيكا، ديوجانس، مونتان، ديكارت، كانط، روسو، إيمرسون، نيتشه كل واحد وروايته لـ “سبل الحياة” الفلسفية أو غيرها، وهل تم تدريسها أم تجاهلها بشكل متعمد ودون أعذار؟

إن مشاهير الفلاسفة لا تستحق حياتهم حقاً أن تكون نموذجا يحتذى به، ولكنها في الواقع تعد غذاء للفكر. كان ديوجانس يسير في الشوارع مع شعلة مضاءة في وضح النهار، معلنا بحثه عن الإنسان عندما قال: “أنا أبحث عن الإنسان”؛ وزاد روسو للحياة الحق المطلق؛ على الرغم من أن حياته الخاصة لم تكن فقط في  الأخلاق الإلهية (الأزلية)، بينما سعى كانط إلى وضع معايير الأخلاق الإنسانية التي تصلح لكل إنسان في كل زمان. إن كتاب “أن تحيا مثل فيلسوف” يأخذنا إلى الجذور العميقة للفلسفة و”محبة الحكمة” القديمة، وفي محاولة للإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بكل واحد منا: الحياة الجيدة والطريقة الصحيحة للحياة، وما دور الفلسفة في كل هذا.

***

كانت شخصية الفيلسوف مثيرة وعجيبة، وفي بعض الأحيان كان هدفا للسخرية والنكات، ولكن في أكثر الأحيان كان مصدر إلهام ويقدم بأقواله وأفعاله نموذجا للحكمة. إن القصص عن الفلاسفة العظام كانت لفترة زمنية طويلة ذو دور تكويني في الثقافة الغربية؛ مثل المؤلفين الرومانيين شيشرون وسنيكا ماركوس أوريليوس، وكانت إحدى الطرق لقياس التقدم الروحي هو مقارنة سلوكهم بسقراط، والذي شهد الجميع له بوصفه نموذجا مثاليا يحتذى به للتعلم. ودرس جون ستيوارت ميل (1806-1873) اليونانية الكلاسيكية واللاتينية، واطلع على كتاب كسينوفون عن سقراط، و على حياة وآراء مشاهير الفلاسفة منذ بداية القرن الرابع قبل الميلاد مثل ديوجانس لارتيوس ، واليوناني إبيكوريس الذي ربما عاش في القرن الثالث الميلادي، واضطر إلى استيعاب هذه الأشياء في سن الشباب ، وكان له من المعرفة والاطلاع ما كان لرجل راشد، وكان مزودا بالمعلومات الواسعة التي تمكنه أن يقرأ باليونانية واللاتينية الكلاسيكية ليس فقط كسينوفون وأفلاطون، ولكن أيضا موسيرنيس سينيكا وبلوتيرتشوس، والقصص التعليمية ذات الجوانب الموضوعية، فضلا عن الكتب الفلسفية الأخرى.

يرى الكاتب أن كل شخص متعلم يجب أن يعرف شيئا عن سقراط وأبيكوريس وغيرهم من الفلاسفة اليونانين والرومانيين، وكذلك الأنواع الفلسفية التي لا تزال مهتمة بالفيلسوف الأسكتلندي العظيم ديفيد هيوم (1711-1776) الذي كتب عن بعضها في مقالاته الأخلاقية والسياسية، ولهيوم وديوجانس لارتيوس لكل واحد منهما فلسفة تنعكس ليس فقط من الناحية النظرية ولكن في الأسلوب ونمط الحياة، وقد أظهر لارتيوس نمط السلوك  في كتابه (مختصر تراجم مشاهير قدماء الفلاسفة) ومعلومات السيرة الذاتية التي كتبها عن شخصيات مثل أبيقور، مؤسس أبيقورايتي أو الفيلسوف زينون السيشومي(رجل القرن الرابع قبل الميلاد وليس زينون الإليائي صاحب المفارقات)، أما من الفلاسفة الذين تحدث عنهم الكاتب في العصر الحديث فقد كان كل من كارل ماركس (1818-1883) و فريدريك نيتشه (1844-1900)

ويرى الكاتب في الوقت الحاضر أن معظم الناس التي تهتم بالتعليم العالي، بما في ذلك الفلاسفة لا يعرفون أي شيء عن ديوجانس لارتيوس أو الفلاسفة القدماء، وأرجع أن العديد من المدارس في كثير من البلدان، ولاسيما في المناهج الكلاسيكية وضعها سيء للغاية، وأن المناهج المعاصرة أفضل للفهم والانضباط الفلسفي الذي يتعامل مع مختلف مجالات التخصص في الدلالات والمنطق وفلسفة العلوم والتقنية. يرى الفيلسوف النموذجي الحديث كانط في كتابه “نقد العقل الخالص”  (1781). وكذلك جون رولز في نظرية العدالة (1971)، أن “الفلسفة” تشير إلى دراسة أهم الخصائص العامة والمجردة للعالم، ولفئات تفكيرنا: الروح، المادة، والمنطق، والإثبات، والحقيقة، وهذا هو التعريف الوارد في قاموس أكسفورد للفلسفة التي يحددها الفيلسوف البريطاني الشهير سيمون بلاكبورن.علاوة على ذلك في الجامعات الحديثة يتم نشر أفكار ومذاهب كانط و رولز حيث يتم تدريسها لطلاب الفلسفة، كما أن الحقيقة حول أي بيان ينبغي أن يتم تقييمها، بغض النظر عن كل ما قد تعرفه عن هذا الشخص وأقواله، وكما قالت أستاذة العلوم السياسية والفلسفية بجامعة يال الأمريكية سيلا بن حبيب إن “النظريات الفلسفية مطالبة بتجاوز الحقيقة فما فوق السياق التاريخي والاجتماعي”من وجهة النظر لـ”الطاعة”، وأن التفاصيل عن الحياة الشخصية تبدو كافية، ولا علاقة لها بفهم أو تقدير آراء المفكرين.

 

 

إن عدم النظر في مبدأ هذه الأدلة المتصلة بالمسائل الشخصية وهو ما يعرف الآن باسم “المغالطات المنطقية” التي تدحض فيها الحجة عن طريق مهاجمة الشخص أو الدافع أو غير ذلك، مثل سمة الشخص الذي يجعل الحجة، أو الأشخاص المرتبطين بالحجة، بدلا من مهاجمة جوهر الحجة نفسها، بمعنى آخر إن الهجوم على شخصية الشخص تعالج مباشرة الحجة نفسها، وهو رأى حديث شائع في أوساط  الفلاسفة، ومن فحص معظم المفكرين اليونانيين والرومان من أفلاطون حتى أوغسطينوس يجد أن التفكير كان بطريقة واحدة فقط ليحيا الحياة بأسلوب فلسفي. ولقد حاول سقراط والفلاسفة الكلاسيكيين المتابعة وكانت نقطة البداية تأكيد نظام محدد للمطالبات (حتى عندما تم بناء هذه القدرة لتعريف المصطلحات وتحليل المطالبات كانت الحجج الأساسية مفهومة المنهج، ولكن لاكتشاف  ״النوع البشري أو النوع الذاتي״الذي يمكن أن يتطور ونتيجة لذلك يؤخذ على محمل الجد والسعي وراء الحكمة .

 

وقد بين الفلاسفة اليونانيون والرومانيون أن ״الخطاب الفلسفي” نبعٌ من نمط الحياة  وكحق للاختيار وليس العكس، كما قال سقراط في ذكرى كسينوفون” إذا كنت لا أعبر عن رأيي في كلمات، فالفعل لعملك هو الأصدق كثيرا من القول “أو بمعنى آخر العمل الصادق هو العمل الذي لا ريبة فيه لأنه وليد اليقين، و لا هوى معه.

كان يفترض في اليونان وروما القديمة عموما أن حياة الفيلسوف معبرة عن الواقع بالفعل، عن صور الحياة ونظام للاعتيادات النوعية عامة، ونتيجة لذلك ذكرت معلومات السيرة الذاتية بشكل روتيني تقييما لأهمية وجود فلسفة معينة؛ على سبيل المثال اعتبر أن سقراط وقف بنبل أمام الموت، واعتبر ذلك في دوائر واسعة كحجه لصالح أرائه حول كيفية التصرف في الحياة، لكن هل وقف سقراط أمام الموت بكرامة حقا؟ وكيف يمكننا أن نتأكد من معرفة الحقيقة؟ بعبارة أخرى: كيف كان المسلك الفعلي لسقراط؟ ونظرا لهذه الأسئلة وعدم ثقة الفلاسفة إلى “المغالطات المنطقية” التي تميل إلى تلقي التعزيزات كنوع من أنواع الشكوك، ولكونها حديثة بالنسبة للقصص المستخدمة عن أخبار الفلاسفة.

لقد بدأ الاهتمام بجمع أكبر قدر من السير عن الفلاسفة: مختارات من ديوجانس لارتيوس  وثاليس ميلتوس” ( 546 – 624  قبل الميلاد) ولكن كان ينقصها الدقة والنموذجية ، وقد كتب  “طاليس ” عباراته المميزة التالية “اعرف نفسك ” إن أنتيسِتنيس في اتصاله الرئيسي بالمدارس الفلسفية اعتبره الفلاسفة مؤسسًا للفلسفة الكلبية، وكان يُعرف أنتيستنيس بنزقه وروحه الساخرة، وتلاعبه بالألفاظ، ويحكى أنه قال :”أفضّل أن يلقى بي بين الغربان على أن يلقى بي بين المجاملين، فالغربان تأكل لحم الموتى، أما المجاملون فيأكلون لحم الأحياء”،  لقد امتلك أنتيسثينيس الشجاعة في التمرد السلبي على القوانين والأعراف، وبالمقابل تنبيه الناس على الأخطاء في سلوكهم واعتقاداتهم وأسلوب حياتهم، ودعا المجتمع الأثيني إلى العيش وفقاً للفضيلة، ووفقا لوصف “طاليس “عندما كان شارد الذهن وسحبته عجوز من منزله لإلقاء نظرة على النجوم، سقط في حفرة، وعندما كان يئن ويشتكى قالت له المرأة العجوز:” أخي طاليس أنت لا يمكنك حتى أن ترى ما أمام قدميك، فكيف يمكنك أن تعرف ما هو في السماء؟

لقد كان الانتقال من الأشكال القديمة للحياة إلى أشكال الحياة الفلسفية الحديثة حادا ومفاجئا، ولكن لا يزال من الممكن أن  نتصور أن ديكارت ( 1650- 1596) الذي كتب بعد جيل واحد من مونتان كان يستطيع أن يكتب نوعا من السيرة الذاتية الأسطورية، وأن روسو (1712- 1778) ظل ما يزيد على قرن من الزمان غير قادر على أن يرفع إلى صديق له سيرة ذاتية صادقة، تفي بالتفاصيل الخاصة به؛ إذاً لا عجب من أن العديد من الفلاسفة في العصر الحديث مثل كانط، على سبيل المثال، سعى إلى اللجوء إلى أشكال متنوعة في الدراسة والتدريس، وعلى الرغم من هذا لا يزال المثل الأعلى القديم للفلسفة باعتبارها وسيلة للحياة مصدر إلهام لهم.

يذكر مؤلف الكتاب جيمس ميلر أن التفلسفات الأكاديمية من هذا النوع لم تترك انطباعا كبيرا على فريدريك نيتشه، وأنا شخصيا أفضل أن أقرأ ديوجانس لارتيوس، وهو الذي كتب في عام 1874م كتاب “التأملات” والذي يعده كتاب الانتقادات الوحيد على الفلسفة، فما ستتعلمه أكثر من أي وقت مضى هو انتقاد الكلمات بكلمات أخرى، وبعد مائة عام أعرب ميشيل فوكو (1926- 1984) عن رأي مماثل في شتاء عام 1984 قبل بضعة أشهر من وفاته، فقد كرّس سلسلة محاضراته الأخيرة الكوليج دى فرانس، على إظهار الحياة الفلسفية كما تخيلها ومارسها القدامى وطريق الحياة النضالية، والعلاقة بين “الحياة الفلسفية” المستقيمة والفاضلة،  كما تخيلها أو مارسها بعض القدامى ( الكلبيون واليونانيون) ثم الهاجس الثوري الذي يسكن المعاصرين، ومن أجل توضيح هذا المسار الطويل، الذي قاد الفيلسوف القديم الذي يبجل الحقيقة مقارنة مع الثوري المعاصر الذي يسعى إلى تغيير التاريخ؛ انطلق ميشيل فوكو من المفهوم اليوناني  ״حرية الرأي ، التعبير الحر״، ويحيل فوكو المفهوم إلى التحدث بصراحة وعلانية، وهذه الصراحة تنطبق على وجهة الوجود الأكثر جوهرية، وتتضمن بعدا سياسيا هاما بخصوص قول الحقيقة عن الذات، وبالتالي قام بعرض النهج الفريد للحقيقة بدراسة حياة سقراط  وحياة ديوجانس لارتيوس، وأوصى فوكو بالمزيد من البحث في هذا الموضوع المثير للاهتمام وكتابة تاريخ الحياة الفلسفية، واتباع طريقة الأحداث والقرارات من منظور السيرة الذاتية، ووضع النظام في الحياة الفلسفية، ويوضح أن دراسة الحياة الفلسفية من المنظور العملي لسلطة العلوم مفيد وهام وبنفس القوة والأهمية لأنها تعطى للمجتمعات معنى للحياة، ولهذا ما علينا هو أن نبذل جهدا خاصا لتطوير مداولاتنا للرد على أسئلة كثيرة منها ما ذكرها كانط ” ماذا يمكنني أن أعرف؟ ما الذي ينبغي علي فعله؟ ما الذي أطمح إليه؟

يعد هذا الكتاب بداية لدراسة السيرة الذاتية للفلاسفة وكيفية كتابة تاريخ الحياة الفلسفية والإصغاء إلى النبوءة الصادرة من داخل الذات، واستغلالها لضمان الامتلاك التام لكل حكمة منتظرة من الفلسفة والتي قام بها الكاتب على اثني عشر فيلسوفا من سقراط إلى نيتشه؛ وعلى الرغم من اختلافاتهم؛ فحياة كل واحد منهم يمكن أن تعلمنا شيئا عن السعي لمعرفة واحترام الذات وحدودها، ويستطيعون أن يخبرونا عن الطريقة التي غيرت طبيعة الفلسفة باعتبارها وسيلة للحياة والتي تغيرت مع مرور الوقت.

0 412 17 أغسطس, 2017 آفاق فلسفية, ترجمات أغسطس 17, 2017