الإله في أخلاق سبينوزا

لـ

سبينوزا المنفصل عن الجميع والمتصل بالجوهر

(1)

هل يمكن لسبينوزا (1632 – 1677) إلا أن يكون في الصفوف الأولى في معركة الفلسفة الكبرى من أجل الحقيقة؟ لقد وجد سبينوزا نفسه في وسط يهودي محافظ، ونشأ بين أكناف العائلة والجماعة التي كانت أقلية وقتئذ في هولندا، وتربى تربية دينية أظهر فيها علامات الحصافة والنبوغ، لاسيما من خلال المناقشات والمحاججات التي كان يجريها بين يدي أساتذته. درس التلمود والتوراة، ودرس فلاسفة اليهود أمثال موسى بن ميمون وابن عزرا وبعض علماء اللاهوت اليهودي، لقد تزاوج عطش المعرفة في عقل سبينوزا مع توقد العقل، فكان أكبر من أن تضمه طائفة أو أن يحتويه مذهب، لقد طالع  سبينوزا أهم النتاج الفلسفي في عصره؛ فقد قرأ فلسفة كل من فرانسيس بيكون (1526 – 1561) ، توماس هوبز (1588 – 1679)، رينيه ديكارت (1596- 1650)، إلا أنه خص هذا الأخير بالعناية والاهتمام حتى أنه عُدّ من الديكارتيين حاله في ذلك حالُ عدد من معاصريه من الفلاسفة أمثال نيقولا مالبرانش (1638 – 1715) وغوتفريد لايبتنز (1646-1716) [1]، كانت قراءات سبينوزا وآراؤه تثير قلق الأوساط الدينية اليهودية المحافظة حتى ضاقت به بعد أن رفض كل محاولات الإغراء [2]، فكانت فتوى الطرد والنبذ واللعنات التي أصدرها الكنيس اليهودي بامستردام في مواجهته في عام 1656 [3] ، واستتبع هذا الطرد طردا آخر وهو طرد من العائلة والحرمان من الميراث، كما نبذه الفلاسفة المتملقين للتيار الديني، وعلى الرغم من أنه كان محسوباً على الديكارتيين، إلا أنه تجاوزهم وذلك بتجاوز ديكارت نفسه [4] حتى لقد قيل بأنه كان أكثر ديكارتية من ديكارت؛ فديكارت توقف عن تطبيق منهجه عند أعتاب الدين، وكان سبينوزا من الجرأة بمكان أن تجاوز تلك الأعتاب مطبقاً المنهج النقدي والقراءة التاريخية على الكتابات الدينية المقدسة[5]، وقد قيل بأن السبينوزية هي ديكارتية متطرفة، وهذا ما يفسر ردور الفعل المتطرفة حيال سبينوزا وفلسفته [6]، وهكذا كان سبينوزا حراً متخففاً مما قد يبطّئ خطاه في سبيل الحقيقة.

(2)

إلى أي  مدى كانت فلسفة سبينوزا وتصوراته عن الإله والإنسان والأخلاق متفردة عن الخطاب والتصور الديني و الفلسفي الشائع وقتئذ؟ وما سر الشعور بالخطر الذي اكتنف التيار الديني الموجود في هولندا والمتمثل في البروستانت والكاثوليك واليهود، أخذا في الاعتبار أن هولندا في تلك الفترة كانت تعد واحة التسامح والحريات مقارنة بفرنسا الكاثوليكية المغرقة في التعصب، وأخذا في الاعتبار أن كثيراً من الآراء التي قال بها سبينوزا لم تكون جديدةً كلياً؛ فعلى سبيل المثال تحدث المتصوفة قبله مطولاً عن واحدية الجوهر والحلول، وآراء جرسونيدس (الحاخام ليفي بن جرشون 1288-1344) الرافضة للمعجزات والخوارق والذي يقدم العقل على الوحي، وابن عزرا (إبراهيم بن منير ابن عزرا 1092-1167) الذي اعتقد بخلود المادة وأنكر الخلق من عدم، وكتابات كرسكاس في امتداد الجوهر ورفض العلل الغائية في الكون [7]، و جوردانو برونو (1548 – 1600) واحدية الجوهر وتجانسه و وحدة الروح والمادة [8] ، فعلى الرغم أن هذه الآراء كانت موجودة قبل سبينوزا، إلا أن سبينوزا كان بحق الوعاء الذي استوعبها جميعا، ومن ثم قدمها في شكل خطاب فلسفي “متسق” وبمنهجية هي الأجدر على تقريب الإنسان من الحقيقة، والأقوى على حمل الآخر على الاقتناع، أعني بذلك المنهجية الرياضية/الهندسية، إذاً فالفارق في حالة سبينوزا يتمثل في ثلاثة عناصر وهي جُرأة المضمون، وحداثة المنهج ، وقوة الاتساق. وهذه العناصر بالتحديد هي التي ميزت آراء سبينوزا عن المتصوفة[9].

يعد كتاب سبينوزا “الأخلاق مبرهناً عليها على النهج الهندسي”  رحيق فكر سبينوزا، ذلك أن الرجل بدأ كتابته عام 1663 ولم ينشر إلا بعد وفاة صاحبه عام1977، وما بين الكتابة والنشر كانت المراجعة وإعادة المراجعة والاستماع إلى تعليقات الخواص من الأصدقاء ونقدهم، وعلى الرغم أن سبينوزا أراد نشر كتابه قبل وفاته بعامين وقدمه للمطبعة إلا أنه سمع بأن اتحاد اللاهوتيين أراد أن يصدر فتوى ضده، فسحب الكتاب من المطبعة [10]. يحتوي كتاب سبينوزا “الأخلاق”والذي اعتبر “لحظة حاسمة في تاريخ الغرب الفلسفي…” [11] على خمسة أقسام على الترتيب : في الله، في طبيعة  النفس وأصلها، في أصل الانفعالات وطبيعتها، في عبودية الإنسان أو في قوى الانفعالات، في قوة العقل أو في حرية الإنسان. وكما يظهر من عنوان الكتاب فإن سبينوزا تبنى المنهج الهندسي في عرضه للكتاب، فهو لا يسترسل في مناقشة مواضيعه؛ وإنما قدمها وناقشها في صورة تعريفات، بديهيات، ومصادرات، وقضايا، وبراهين، وحواشٍ [12] ، لقد استفتح سبينوزا كتابه الأخلاق بمقالة عن الإله، مناقشاً فيها تصوره عن الله، وهذه الافتتاحية مهمة لسبينوزا وهي بمثابة تأسيس ميتافيزيقي للأخلاق، لأنها “تبين لنا ما ينبغي معرفته لكي يصبح المشرع الأخلاقي ممكنا”[13] .

(3)

إن تصور سبينوزا عن الإله حتم عليه مفارقة ديكارت في إحدى آرائه الجوهرية، ففي حين أن ديكارت كان يقول بالجوهرين؛ أي أن الكون مكون من ثنائية: مادة/جسم، وروح/عقل، ولكل منها جوهره المستقل وقوانينه النظامية، وأن الأصل فيهما الانفصال إلا أن اتصالهما الظاهر هو اتصال عارض لا أكثر [14]، نجد أن سبينوزا يقول بوحدة الجوهر؛ أي أن ثمة جوهراً واحداً فقط، ولهذا الجوهر صفتان/حالان وهما: الفكر والجسد (=الامتداد)، وأن هذا الجوهر هو عبارة عن قوانين أزلية ناظمة وحاكمة لهذا الكون بكل ما فيه، و تتجلى هذه القوانين بمخلف الأشكال المادية في هذا الوجود، فهذه التجليات المادية (=الجسد/الامتداد) مهما اختلفت إلا أنها تعبر عن ذات الجوهر، ومردها إلى قوانين الجوهر المسيرة لها، وأن اختفاء أيٍّ من هذه التجليات لا يعني بالضرورة عدم وجود الجوهر. وبهذا الفهم يكون هناك تطابقٌ بين الإله والطبيعة، من حين أن الإله هو ذات الجوهر (=القوانين) المسيرة لهذا الكون، وأن كل ما هو موجود في الطبيعة هو بمثابة ترجمة دقيقة لتلك القوانين (=امتداد)، يقول سبينوزا في القضية رقم (11): “الله ، أعني جوهراً يتألف من عدد لا محدود من الصفات المعبرة كل وواحدة عن ماهية أزليه ولامتناهية واجب الوجود”، أما القضية رقم (15) فتوضح بأن “كل ما يوجد إنما يوجد في الله، ولا يمكن لأي شيء أن يوجد أو يتصور بدون الله”،  وفي معرض رد سبينوزا على منتقديه في مسألة أن الامتداد الجسماني لا يليق بالله لأنه متناه وغير أزلي، يقول سبينوزا: إن الماء يتكون ويفسد بما هو ماء، ولكنه لا يتكون ولا يفسد بما هو جوهر، وحتى يوضح سبينوزا هذه المسألة بشكل أدق قام باشتقاق مصلطحي “الطبيعة الطابعة” و “الطبيعة المنطبعة”، أما الطبيعة الطابعة فهي ذات الجوهر (=الإله) أي مجمل القوانين الدقيقة المسيرة لهذا الكون، أما الطبيعة المنطبعة فهي التجليات المادية لتلك القوانين (=الامتداد أو الجسد)[15].

إذاً فإله سبينوزا موجود بدليل وجود القوانين التي تسير وتحكم لأشياء في الكون، وهذه الأشياء كما يشير سبينوزا في القضية رقم (33): “لم يكن بالإمكان أن تنتج عن الله بطريقة أخرى وبنظام آخر غير الطريقة والنظام اللذين نتجت بهما”، وهذه القوانين ليست لها “أي غاية محددة مسبقا وأن كل العلل الغائية لا تعدو أن تكون إلا مجرد أوهام بشرية” [16] ، وهذا الأمر يستتبع أن لا مجال إطلاقاً للقول بالبعث والحساب، وإن كان ثمة معنى للخلود، فالخلود بالنسبة لسبينوزا يكون في أن الإنسان ما هو إلا امتداد للجوهر الأزلي الخالد، ولما كان الإله بحسب توصيف سبينوزا “يتصرف بقوانين طبيعته وحدها”، فإنه لا مجال للخوارق أولتعطيل قوانين الطبيعة الناظمة[17]، وأن الجهل بالعلل والأسباب وقوانين الطبيعة هو الذي يحمل البشر على تصديق أن قوانين الطبيعة تعطلت استجابة لصلاة أو دعاء؛ ذلك أن الناس “يحكمون على الأشياء وفق استعدادهم العقلي، وإنهم يتخيلونها أكثر مما يعرفونها”[18] ، وهذا الأمر ينطبق كذلك على رؤية البشر للخير والشر وللقبيح والحسن، فهم إنما ينظرون إلى هذه الموضوعات كما تبدو لهم هم لا بما هي عليه؛ فهذه الأشياء “لا يكون تقدير ما لها من كمال إلا بالنظر إلى طبيعتها وقدرتها، بمعنى أن هذه الأشياء لا تكون أكثر أو أقل كمالاً لكونها تروق للحواس أو تنفرها أو لكونها تلائم الطبيعة البشرية أو تقززها” [19].

إن رؤية سبينوزا للإله تتمثل في “تأليه الطبيعة و تطبيع الإله” وذلك بالمعنى العميق لهذه العبارة لا بالمعنى الشعاراتي، وهذه الرؤية بالذات تجد أرحب قبول من جانب المشتغلين بالعلم الطبيعي، أي بمعنى أن ثمة جوهرا خالدا أزليا، قوانين شاملة لا تتغير ولا تتبدل، وهدف الإنسان كشف هذه القوانين لمعرفة العلل الكامنة، وعندما سئل آينشتاين إن كان يؤمن بالإله، أجاب أنه يؤمن بإله سبينوزا، وقد عرف عنه محبته الخاصة لسبينوزا، لدرجة أن عدداً من دور النشر حاولت مراراً حثه على الكتابة عن سبينوزا إلا أنه كان يرفض في كل مرة[20].

 

____________________

[1] في عام 1663 قام لايبتنز بزيارة سبينوزا واطلع معه على مسودة كتاب الأخلاق، ولا يبدو أن الكتاب وقع موقعاً حسناً عنده، فقد قال عنه أنه “مذهب رديء، من شأنه في أحسن الأحوال أن يبهر العامي، ولا يمكن الدفاع عنه، ومخالف للصواب”. انظر جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، بيروت، دار الطليعة، ط3، 2006، ص361.

[2] حاول بعض أعضاء الطائفة اليهودية استمالته تحت إغراء المال إلا أنه أبى. انظر عبرالرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1984، ص137.

[3] بعد فترة قصيرة من صدور فتوى اللعنات، قام أحد المتطرفين بمحاولة اغتيال سبينوزا بالسكين إلا أنه أصاب ثوبه دون جسده. وبعد أن نبذ سبينوزا من العائلة والطائفة قام بتحويل اسمه من باروخ (=مبارك) إلى مقابله في اللاتينية “بنديكتس”.

[4] Richard Mason, Why Spinoza?, Philosophy Now  Magazine, Issue 119, April-May 2017.

[5] سبينوزا، مقالة في اللاهوت والسياسة، ت:حسن حنفي، بيروت، دار التنوير، ط1، 2005، ص 10. انظر أيضاً: هاشم صالح، مدخل إلى التنوير الأوروبي، بيروت، دار الطليعة، ط1، 2005، ص185.

[6] محمد مصطفى حلمي، الأخلاق لسبينوزا، المقال متاح على موقع حكمة: http://hekmah.org

[7] طرابيشي، مرجع سابق، ص 359

[8] زكي نجيب محمود، فلسفة سبينوزا، المقال متاح على موقع حكمة: http://hekmah.org

[9] Mason, Why Spinoza?

[10] هاشم صالح، مرجع سابق، ص186

[11] المرجع السابق، ص197 – 198

[12] لم يكن سبينوزا أول مع اعتمد هذا الشكل في الكتابات الفلسفية وإنما سبقه فلاسفة آخرون. انظر: سبينوزا، الأخلاق، ت:جلال الدين سعيد، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009، ص 12.

[13] المرجع السلبق، ص 16

[14] زكي نجيب محمود، المرجع السابق.

[15] ، سبينوزا، الأخلاق، ص63

[16] المرجع السابق، ص 74 – 75

[17] المرجع السابق، ص 41

[18] المرجع السابق، ص 79

[19] المرجع السابق، ص 80

[20] Max Jammer, Einstein and Religion, USA, Princeton University Press, P.42

0 4161 24 أغسطس, 2017 شخصية, ملفات الفلق أغسطس 24, 2017