الحرية في مفهوم سارتر

لـ

يمكن القول إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يضع مسألة حريته كقضية وجودية مهمة لطالما احتلت الصدارة في التاريخ الفكري والفلسفي والإنساني على مر العصور، فهو يسائل ذاته باستمرار عما إن كان ما يفعله نابعا من إرادة حرة أم هو مدفوع تحت ظروف حتمية شكلته ولا تزال تشكله ولا دخل له فيها، ولعل الجدل  القائم في هذه المسألة قد تم التطرق إليه عبر أكثر من زاوية سواء أكان من الزاوية الفلسفية أم الدينية أم العلمية،ولايزال هذا الجدل قائما إلى يومنا هذا ،ويجسده السؤال التالي: هل يملك الإنسان إرادة حرة، أم هو مكبل بالحتمية؟  إن نظرة سريعة إلى الحتمية ومن آمن بها تأخذنا إلى النقطة الرئيسية التي يشترك فيها جميع الحتميين ممن تناولوا هذه المسألة من زوايا مختلفة، وهي إيمانهم بأن الإنسان ليس حرا في اتخاذه للقرارات وأن كل حدث أو ظاهرة ما هو إلا نتيجة مسببات داخلية أو خارجية، فهناك سلسلة من الأسباب السابقة التي أدت في النهاية إلى النتيجة الحالية، وليس للإنسان أي إرادة أو سلطة عليها ( محمود، 2011). فهناك الحتمية البيئية التي تؤمن أن البيئة والتربية لها الدور الأكبر في تشكيل قراراتنا التي نعتقد أنها نابعة من إرادتنا الحرة الواعية وأننا منساقون بتأثيرهما علينا وما الإرادة الحرة إلا وهم، وهناك من نظر إلى الحتمية من زاوية اقتصادية حيث إن طرق الإنتاج في أي مجتمع تؤثر على سلوك الإنسان وتشكل وعيه، وهناك الحتمية المادية التي تؤمن بأن الإنسان يتحكم تكوينه البيولوجي وتأُثير الجينات والصفات الوراثية وعمل الدماغ في أفعاله، وهناك أيضا الحتمية النفسية والتي آمنت بالمسببات الداخلية للسلوك ومن أبرز من تطرق إليها فرويد ونظرته أن الإنسان محكوم باللاشعور والذي له الدور الأكبر والفاعل في كل ما يقوم به دون أن يكون للإنسان أي دخل فيه، بينما نظرت المدرسة السلوكية في علم النفس إلى السلوك الإنساني من زاوية خارجية أي أنه محكوم بمبدأ المكافأة والعقاب وأننا منذ الصغر نتعرض لمثيرات خارجية نمتنع عنها خوفا من العقاب أو نكررها طمعا في المكافأة وبالتالي لا دخل لقراراتنا الحرة فيها ( محمود، 2011).

أما أصحاب المدرسة الثانية ممن يؤمنون بحرية الإرادة، يعتقدون أن الحتمية تقود الإنسان إلى الشعور بالعجز وتنامي عدم الشعور بالمسؤولية، كون أن كل شيء حتمي ولا دخل للإنسان فيه، وهم يفترضون أن الإنسان له القدرة على الاختيار الحر وبذلك تكون الإرادة الحرة هي قدرة الإنسان على الاختيار العقلاني من بين مجموعة خيارات دون إكراه أو انقياد أو نتيجة مسببات سابقة قامت بالتأثير عليه. يستندون فيها بذلك على حجة شهيرة مفادها أنني طالما أستطيع أن أتخذ القرار ونقيضه في الوقت معا، فذلك يعني أن لدي إرادة حرة في اتخاذ القرارات، فأنا أستطيع دوما تغيير القرارات التي اتخذها إن أردت ذلك ( محمود، 2011).

وبين هاتين المدرستين، ظهر مفهوم مختلف للحرية وماهية الإرادة الحرة للإنسان، وفيه يوضح سارتر الخطأ الذي وقع فيه الحتميون بافتراضهم أن الأسباب الداخلية أو الخارجية الفاعلة فينا والتي لا دخل لنا فيها كالبيئة والظروف الاجتماعية والنفسية والاقتصادية هي عائق أمام الحرية، وبين أصحاب الإرادة الحرة الذين قاموا بتعريف الفعل الإرادي الحر على أنه قدرتنا على الاختيار من بين بدائل، اختيارا عقلانيا موضوعيا دون تدخل الهوى والإكراه في هذا الاختيار، مما يعني أن أي فعل قمنا به بدافع الهوى أو الإكراه  ليس حرا بالضرورة. نبدأ أولا بالخطأ الذي وقع فيه الحتميون من وجهة نظر سارتر وهو اعتقاد كثير من الناس أن وقوعنا في حتميات كثيرة منها عدم اختيارنا للبيئة التي نعيش فيها وعدم اختيارنا لأسرتنا ولظروفنا المعيشية والاجتماعية وغيرها يجعل من الحرية محط وهم ويفرغها من معناها .

وقد تناولت موريس ( 2011)  في كتابها جان بول سارتر مفهوم سارتر للحرية، فالخطأ الذي وقع فيه العديد من الفلاسفة والمفكرين هو اعتقادهم أن الحرية ترادف القدرة على القيام بكل شيء والتحرر من القيود كلها، وبذلك فإن القيد يعوق الحرية وانكشافها، ولكن سارتر ينظر للقيد من منظور مختلف تماما وهو استحالة أن تكون هناك حرية إلا لدى كائن يقاوم موقفا خارجيا، وذلك يعني أن الموقف أو القيد هو شرط أساسي لانبثاق حرية الإنسان من حيث إنها تكشف عن قدرته المستمرة على تجاوز الموقف وتؤكد  موريس ذلك بقولها” في رأي سارتر أن الحرية لاتوجد إلا في عالم مقاوم” ( موريس، 2011، ص 230 )  وأن هذه العراقيل التي يتعرض لها الإنسان هي ما تكشف حريته أصلا، فالمواقف الخارجية التي يلقاها ويصطدم بها هي ما تجلعه يطرح الخارج كموضوع له، ومن ثم يتجاوزه كاشفا بذلك حريته من حيث قدرته المستمرة على التجاوز، ولذلك يقول سارتر: “إن المقاومات التي تكتشفها الحرية في الموجود لا تشكل خطرا عليها، بل إنها تتيح لها أن تنبثق كحرية، ولا يمكن أن يكون ما هو لذاته حرا إلا إن كان ملتزما في عالم يقاومه” ( سارتر، 2009، ص 616).

ومن هنا كان القيد شرطا لكشف حريتنا، وليس عائقا أمامها،ومن جهة أخرى يتصور سارتر أن الظروف والعوائق التي تعترضنا هي حيادية في الأصل، بمعنى أنها لا تحمل في طياتها حكما واحدا إلا إن طرحها كائن خارجي كموضوع له ومن ثم أضفى عليها الحكم الذي يناسب ظرفه الشخصي، فالصخرة التي أمامي وتعيق تقدمي، لا يمكنها أن تكون عائقا، إلا إن أدركتها أولا بأنها عائق أمامي، فهي حيادية بحد ذاتها، ومن هنا كان الإنسان هو الذي يقرر إن كان الموقف قيدا له أم لا( سارتر، 2009).

ومن جهة أخرى؛ يخالف سارتر أصحاب الإرادة الحرة ممن ينفون الحرية عن الفعل المدفوع باللاعقلانية وحالات الهوى والشغف، ذلك لاعتقادهم بأن الإرادة الحرة هي التجلي الوحيد للحرية، بينما يكون الفعل المدفوع بالهوى والشغف وحالات السقوط في اللاعقلانية ليس حرا، وعليه فإن الفعل الحر معهم هو الفعل الإرادي فقط ،هذا اللبس والخطأ الحاصلان هو نتيجة حصر الحرية في نمط واحد معين من الفعل وذلك ما لا يؤيده سارتر. فالحرية ليست مقتصرة على الفعل الإرادي.

إننظرة تحليلية سريعة للفعل الإرادي والفعل الشغفي  تجعلنا نكتشف أن كلاًّ منهما هو فعلٌ قصديٌّ متحركٌ صوب غاية وهدف، ولكنهما يختلفان فقط في الأسلوب أي الطريقة التي يتعاطيان بها الموقفَ، فالذي يواجه المدير بالحقائق الموضوعية عن سبب تغيبه، يقوم بهذا الفعل بطريقة عقلانية متبنيا طرح الحقائق حول أسباب تغيبه، والغاية من هذا الفعل في النهاية هو التملص من العقوبة وحماية الذات، والذي يواجه هذا الموقف بالهروب من مواجهة المدير، قد وقع في الفعل الشغفي غير العقلاني المدفوع بالمخاوف وليس التفكير المنطقي، ولكن هدفه من الهروب أيضا التخلص من العقوبة وحماية الذات ولو كانت الاستجابة مختلفة عندهما ( سارتر، 2009).

خلاصة القول: يخالف سارتر من يعتقد أن الإرادة الحرة هي التي توجِد الحرية وتسبقها، ويؤكد أن الحرية ملازمة للفعل الإرادي والفعل الشغفي معا، فكلاهما استجابة سلوكية تختلف في الأسلوب وتتفق في الغاية، فهما يعبران في نهاية المطاف عن الحرية الإنسانية التي تتشكل بأوجه مختلفة، لكن ماذا تعني الحرية إذن إن كان الموقف لا يعيقها بل يكشفها، وإن كانت الإرادة ليست التجلي الوحيد لها بل هي شكل من أشكالها فقط؟ وماذا يعني أن يكون الإنسان حرا ؟ هل يعني ذلك أن يحصل على كل ما يريد ؟ وهل الحرية تعني ذلك في الأساس ؟

لقد أثار سارتر في كتابه “الكينونة والعدم” زاوية أخرى نراها مهمة، وهي كون الإنسان حرا لا يعني أن يحصل على كل ما يريده، وإنما يعني ذلك قدرته المستمرة على اختيار ذاته أي “أنه يقرر بذاته أن يريد، بالمعنى الواسع لكلمة يختار”  ( سارتر، 2009، ص 617 )، وفي كل مرة يصادف فيها موقفا، أي قدرته على أن يختار دوما مهما كانت الظروف حوله قاسية، ويضرب سارتر مثلا بسجين، محكوم عليه بالسجن، فإن هذا السجين ليس حرا في الخروج من السجن، فإن ذلك غير ممكن نتيجة ظرفه القاسي، ولكنه حر في أن يختار أن يحاول القيام بإطلاق سراحه، أي حر في أن يختار ذاته التي تتجلى في مشروع وجودي وهو المحاولة في الخروج، وذلك ما يجعل سجينين بنفس الظروف يتصرفان بشكل مختلف رغم تشابه أوضاعهما، فأحدهما يختار أن يستسلم  ويصاب بالإعياء، بينما يختار الآخر الأمل والاستمرار في المحاولة (سارتر، 2009).

وفي النهاية لا يمكن أن يحصل الإنسان على كل ما يريده، هذا الخطأ الذي أوقع الكثيرين ممن يعتقدون أن الحرية هي الحصول على النتيجة المبتغاة دوما، ولكن الإنسان حرٌ دائما في اختيار ذاته في كل مرة يصادف فيها ظرفا، نال مراده أم لم ينله، هذا الاختيار الذي هو في النهاية فعلٌ قصديٌّ يثبت نفسه بالشروع المباشر بالتنفيذ، فلا يمكن أن يكون الفعل بدون تنفيذ وإلا تحول لحلم في رأي سارتر ( سارتر، 2009).

وعليه فإن الفعل هو الشكل الذي تتخذ الحرية فيه وجودها، كما أن الفعل والاختيار هما الشيء ذاته، فأن تختار يعني أن تفعل، حتى لو اخترت عدم الاختيار فهو بحد ذاته فعل، ولو أتينا لمفهوم الفعل، فإننا نلاحظ أن مفهوم سارتر للفعل هو التحرك صوب غاية، وأن هذا التحرك صوب الغاية تلك قصديٌّ، وأي فعل تنقصه البنية القصدية هو ليس فعلا، فالإنسان الذي تسبب سهوا بحدوث شيء ما، لم يقم بالفعل؛ لأن فعله ينقصه القصد الذي يقود لغاية ما، على عكس من يفعل وهو يعرف أن لديه غاية في فعله هذا مهما كانت بسيطة ( سارتر، 2009).

يحدد سارتر ما يجعلنا نقوم بفعل ما ونختاره دون غيره، فما يقودنا ليس الوضع القائم الذي نحن فيه، وإنما إدراكنا لما هو غير موجود بعد، أو كما أسماه سارتر إدراكنا للعدميات ( موريس، 2011). فالذي جعل العامل الفقير ينتفض ويثور ضد سيده الذي لا يعطيه ما يكفيه، ليس صعوبة وضعه الحالي، فالأوضاع تبقى حيادية في الأساس، وإنما ما دفعه هو تصوره وضعا تكون فيه حالته أفضل، أي تصوره لما هو غائب عنه، وليس أدل على ذلك من كون أن هناك من يكونون في الوضع نفسه، ولكنهم لا يقومون بأي فعل أو ثورة على أوضاعهم؛ ذلك لأنهم يكونوا في وضع التماهي مع أوضاعهم ولم يتخذوا مسافة ليتأملوا ويتصوروا وضعا مستقبليا أفضل، وبذلك لا يمكن للإنسان من وجهة سارتر أن يتصرف دون إدراكه للعدميات، أي  تصوره لحالة غائبة عنه يكون فيها وضعه مختلفا وهذه الحالة هي  عدم، أي غير موجودة بعد ولكن يمكنها أن توجد(سارتر، 2009).

من هنا تظهر الحرية السلبية كما أشارت إليها موريس ( 2009) لدى قيامنا بتعديم مزدوج، وهما الغاية التي أسعى للحصول عليها، وهي غاية غائبة عنا وكما رأينا فهي ضروب من العدم، ومن إدراكي لنقص وغياب شيء ما (وضع حالي ليس مكتملا)، ونتيجة لهاذين التعديمين فإني أشرع للقيام بالفعل ( موريس، 2011). وبعد أن نكون قد قمنا بتعديم مزدوج صوب تلك الغاية؛ تظهر لنا الحرية الإيجابية، وهي اختيارنا للغاية التي نسعى لها، وهنا يختلف كل إنسان عن الآخر في اختياره لما يريد ( موريس، 2011).

يكشف لنا سارتر جانبا مهما بهذا الخصوص، وهو أن كل فعل نختارُ أن نقوم به مهما كان بسيطا فهو يعبر عن المشروع الأساسي الأول الذي يحركنا، أي يوجد هناك مشروع كبير سابق لكل ما نقوم به، ومنه نحن نختارُ أن نتصرف بهذا الشكل أو ذاك ( مورريس، 2011) ويمكن تعريف  هذا المشروع  الأصلي على أنه ” أسلوب المرء في الوجود في العالم” ( موريس، 2011، ص 243)؛ وكأن هناك نمطا كبيرا يعبر عن أفعالنا الصغيرة، وهو يختلف من إنسان لآخر، ولذلك فإن تغيير المرء لسلوكه المعتاد هو في غاية الصعوبة؛ لأن أي تغيير يعني تغيير المشروع الأصلي وذلك يعني أنني أختارُ أن أكون شخصا مختلفا ولكن تظل هناك إمكانية دوما لتغييره.

يتضح لنا في هذا المقام أن الإنسان محكوم عليه أن يختار في كل ما يواجهه، سواء أَختار لنفسه ما يسعده أم ما يجعله شقيا، وبالتالي فهو مسؤول عن كل ما يختاره، حتى في أقسى الظروف التي يتعرض لها كالأسر وغيره، فلا يزال لديه دوما تلك المساحة مهما كانت المصاعب باختيار ذاته، أكان هذا الاختيار عقلانيا أم مدفوعا بالهوى والشغف، وذلك ما يميز فلسفة سارتر ويجعلها محط انتقاد في الوقت ذاته، فهو من جانب يربي في الإنسان المسؤولية وأن يتحمل تبعات أفعاله، ويبعده عن الشعور بأنه ضحية أو عبدٌ للظررف، ومن جهة أخرى انتقده البعض بإلقائه اللوم والحمل على الفرد بشكل غير موضوعي مما لا يجعل للظروف الخارجية أي سلطة عليه، كما انتقده الحتميون ممن يرون في الأسباب الداخلية كاللاشعور وعمل الدماغ والتكوين الوراثي السلطة الأكبر في كل ما نفعله. ومهما كانت الانتقادات حوله، إلا أننا في أمس الحاجة اليوم إلى أن نبعث في الإنسان فلسفة ثائرة، تعيد للإنسان مركزيته وتشعره بمسؤوليته في كل ما يقوم به، مما يبعده عن الغرق في العدمية أو الشعور بالعجز أو كونه ضحية دوما للقدر أو الظروف.

____________________

المراجع:

1- سارتر، جان بول. الكينونة والعدم: بحث في الأنطولوجيا الفنومينولوجية. ترجمة: نقولا متيني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.

2- محمود، جودت. ( 2011). ” حرية الإرادة والحتمية في السلوك الإنساني”. مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي. تم استرجاعه في 20/6/2017 على الرابط http://www.ssrcaw.org/ar/print.art.asp?aid=280211&ac=1

3- موريس، كاثرين. جان بول سارتر. ترجمة: أحمد علي بدوي. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011.

0 4948 29 أغسطس, 2017 آفاق فلسفية, شخصية أغسطس 29, 2017