سيريالية النقد السياسي

لـ

سيريالية النقد السياسي في الفيلم السوفيتي “التوبة (1984)”

 

ينتمي الفيلم السوفيتي التوبة للمخرج الجورجي تنغيز أبولادزه إلى ذلك النوع من النقد السياسي الساخر لأنظمة الحكم الشمولية، حيث يمارس المخرج نقدا سيرياليا سوداويا للستالينية من خلال التركيز على صراع النظام السياسي مع كل من الدين والمجتمع. الفيلم يأتي في فترة يشهد الإتحاد السوفيتي ضعفا متراكما، فبات من المستحيل إخفاء العيوب التاريخية الضاربة في عمق الفلسفة التي تأسس على أثرها قبل حوالي ستين عاما. يمكن أن نقول أن الفيلم يمثل فترة بريجنيف، حيث الإرث الثقيل للفترة الستالينية أخذ في البروز على السطح على شكل قرارات سياسية خاطئة، وتردد اقتصادي في ظل صراع محموم مع الليبرالية التي أخذت تكتسح العالم.

فيلم سيريالي يعج بالكوميديا السوداء التي تسخر من الأنظمة الشمولية التي تصادر تعريف الحقيقة، وتصادر حق الناس في اكتشاف مصادرهم الأخلاقية بأنفسهم. يذكر بالرواية الخالدة لجورج أورويل “1984” . حوارات عميقة مع أداء مذهل وتصوير سينمائي غني بالرموز والإيحاءات التي تجعلك تبحث في الثقافة السوفيتية لاكتشاف المرحلة التي انتقلت فيها الجمهوريات السوفيتية باتجاه الليبرالية.

الفيلم باللغة الجورجية، وقد بدأ المخرج؛ وهو نفسه كاتب السيناريو؛ في كتابة الفيلم بعد تعرضه لحادث شنيع في 1981، وبنهاية 1982 كان السيناريو جاهزا، وبعد سنتين من محاولات أخذ التراخيص الرسمية بدأ الإنتاج والتصوير، ليتم الانتهاء من الفيلم في 1984. ولكنه ظل حبيس الأدراج لثلاث سنوات أخرى حتى يتم أخذ موافقة السلطات. في 1987 تمت الموافقة على الفيلم، بعد أن عرض على غورباتشوف نفسه ووافق عليه. شارك به الإتحاد السوفيتي في مهرجان كان، حيث فاز بالجائزة الكبرى في 1987، بالإضافة إلى جوائز أخرى من مهرجان شيكاغو والاتحاد الدولي للنقاد، بالإضافة إلى مهرجانات الاتحاد السوفيتي نفسه. الفيلم من أداء أفتاندي ماخاردزه في دور فارلام أرافيدزه، وأيضا في دور ابنه أبيل أرافيدزه.

يبدأ الفيلم في منزل السيدة كيتو بارتللي صانعة الكعك، حيث يقرأ جندي يرتدي زيا من قرون سابقة؛ يقرأ متأسفا خبرا في الجريدة عن وفاة فارلام عميد البلدة، وخلال ذلك يلتهم كعك السيدة كيتو بشراهة. تتوقف السيدة كيتو عن صناعة كعكة لأحد زبائنها لتنضم إلى الجندي الذي يقرأ الخبر. تستعيد كيتو ذاكرتها السيئة مع فارلام ليأخذنا المخرج مع ذاكرتها وانتقامها إلى مشاهد الفيلم، وليختتم الفيلم لاحقا في نفس البيت؛ منزل كيتو التي تطرق نافذتها عجوز تسأل عن الطريق إلى الكنيسة، فتقول لها كيتو: هذا شارع فارلام، وهو لا يؤدي إلى الكنيسة، فتجيب العجوز: لماذا يكون لدينا طريق لا يؤدي إلى الكنيسة.

ينقل المخرج لنا انتقام كيتو مع مشهد جنازة ودفن فارلام حيث يأتي المعزون لتأبين الراحل العظيم، ولتعزية عائلته المكونة من ابنه أبيل وزوجته جوليكو وابنهما تورنيك. يركز المخرج هنا على إظهار النفاق في إظهار الحزن والأسف على فقد الشخصية العظيمة؛ كل ذلك مع وضوح تام بأن هذه المشاعر الزائفة لم تقنع الحفيد. يهتم المخرج كثيرا بمشهد جنازة فارلام وهي تحمل على الأكتاف، رغم أنها قد لا تبدو مهمة للمشاهد حتى يضيفها في الفيلم، ولكنه يعرضها بطريقة فيها قدر من التهكم على العادة الجورجية في دفن الشخصيات الرسمية.

تتسارع الأحداث بعد إخراج جثة فارلام من قبره ووضعها متكئة على شجرة في حديقة منزل ابنه أبيل، ثم في الليلة التالية على نفس الشجرة ولكن هذه المرة يتم الاتصال بالشرطة للتحقيق. يُعاد دفن الجثة بعد وضع قفص حديدي حول القبر، وفي ذلك رمزية متعمدة من المخرج. مرة أخرى في الليلة الثالثة يكتشف الجيران الجثة موضوعة على طاولة حديقة المنزل. يعاد دفن الجثة ويتم وضع حراسة ليلية على القبر. حيث يكتشف الحفيد تورنيك من ينبش قبر جده، وهي نفسها كيتو صانعة الكعك، وكان قد أصابها تورنيك في كتفها برصاصة من سلاحه.

يتم القبض على كيتو وتحال للمحكمة حيث تعترف هناك بأنها هي من أخرجت جثة فارلام وأنها ستفعل ذلك مرارا حيث أن مثل فارلام لا يجب أن يستريح في قبر بعد كل الجرائم التي ارتكبها، وأنها ستعيد الكرة مرارا ما دامت حية.تسمح لها المحكمة بأن تحكي قصتها التي تبدأ في سردها منذ كان عمرها ثمان سنوات عندما أصبح فارلام رئيس البلدية، والذي ارتكب خلال فترة حكمه جرائم كثيرة منها سرقة لوحات والدها ونفيه إلى سيبيريا وقتله تحت التعذيب ووفاة والدتها نينو ومقتل ميخائيل كورشيللي والكثير من الأبرياء وحرق الكنيسة.

لا نعرف في آخر الفيلم ما هو حكم المحكمة على كيتو بارتيللي، فالمخرج كان يركز على حالة الندم التي تصيب أبيل بضغط من ابنه الذي يكتشف المجد الزائف لعائلته والذي قام على أنقاض الجثث، فتكون توبة تورنيك سببا في فقدان أبيه لصبره ليقوم في آخر الفيلم بإخراج جثة والده فارلام بنفسه وإلقاءها من فوق الجبل.

صرح المخرج أبولادزه في لقاء بأن قصة إخراج جثة شخصية مهمة ووضعها عند شرفة منزل أهلها قد حصلت فعلا في غرب جورجيا، وأنه استلهم فكرة الفيلم من هذا الحدث ليصنع شخصيته الرئيسية التي مزجت إيحاءات من أربعة شخصيات تاريخية مهمة، فالشارب من هتلر وقصة شعر الرأس من ستالين والقميص الأسود من موسيليني والنظارة الأنفية من لافرينتي بيريا؛ رئيس الأمن السوفيتي وجهاز الشرطة السرية، وهذا الأخير ربما هو المعني بالدرجة الأولى في الفيلم حيث كان القائد الأول في جورجيا قبل أن ينتقل إلى موسكو بطلب من ستالين، ويعتبر الاسم الأكثر رعبا في الفترة الستالينية.

 

 

الفيلم جرى منعه في ألمانيا الشرقية عندما أعلن عنه، حيث تسرب إليه من ألمانيا الغربية التي نجح فيها الفيلم نجاحا قويا منذ أن جرى بثه في أكتوبر 1987، وقد استخدم المخرج فيه موسيقى سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن، وكذلك موسيقى “إلى السعادة” التي كتبها شيلر ولحنها بيتهوفن، وتستخدم اليوم في النشيد الأوروبي في الاحتفالات الرسمية. استعان المخرج كذلك بمقاطع من موسيقى “رقصة سابري” للموسيقي الأرميني لآرام خاتشاتوريان. بالإضافة إلى مقاطع موسيقية من الفرنسي كلود ديبوسي، والألماني فيلكس مندلسون، والإيطالي جوزيبي فيردي، وبعض القطع الموسيقية من الفولكلور الجورجي القوقازي.

المخرج استعان أيضا بأشعار وعبارات لشخصيات تاريخية مهمة، ففي أحد لقطات الفيلم يردد فارلام السوناتة رقم (66) لشكسبير: مُتْعَباً من كل ذلك، أصبح طالباً الموت المريح. حين ألاحظ مثلاً أن المثوبة تقدم كالشحاذة. والناس التافهين داخل إطار من البهجة الصاخبة. وأصدق الإيمان يقسم به تضليلاً. والشرف الرفيع يتخذ بالخزي مكاناً غير مكانته. والفضيلة العذراء تصير بالوقاحة بغياً. والكمال الصحيح تلحقه الإساءة بالعار. والقوة تصبح بالتراخي مُعَوّقه. والفن بالسلطة مُلْجَمَ اللسان. والغباء – وكأنه ديكتاتور – يَحْكُمُ الذكاء. والحقيقة الواضحة بالسذاجة تسمى زوراً. والخير أسير تحت حراسة الشر الخطير. متعباً من كل هذا، كم أتمنى أن أنطوي بعيداً. لولا أني حين أموت، أترك من أحبه وحيداً. (ترجمة بدر توفيق)

كما استشهد المخرج على لسان شخصيته فارلام بعبارة كونفوشيوس عن القطة السوداء، وهذا كان سائدا فعلا في الفترة الستالينية. “من الصعب الإمساك بقطة سوداء في الظلام، خصوصا إذا لم تكن هناك قطة من الأساس.”، والعبارة التالية: “وسوف نمسك بالقطة في الغرفة المظلمة حتى لو لم تكن هناك”. وكذلك بالنفق الأرضي من بومبي إلى لندن، حيث كانت عبارة واقعية في الفترة الستالينية.

يعتبر الفيلم من أكثر ما أنتجه الإتحاد السوفيتي في نقد الشيوعية، ونقد الستالينية بالدرجة الأولى. وهو عموما حركة جريئة في عصر أقرب ما يكون لفترة رئاسة بريجنيف حيث التخبط في القرارات وضعف الاقتصاد وبدء التحلل التدريجي.الفيلم يمثل ثلاثة أجيال تبدأ من فارلام الصارم والذي يمثل الماضي الحافل بالجرائم والقسوة، ثم ابنه أبيل الذي يمثل الحاضر المتردد وغير القادر على التخلص من قبضة شمولية الماضي، ثم تورنيك الحفيد الذي يمثل المستقبل الذي يجب أن يواجه جرائم الماضي ويعترف بها ويعتذر عنها. ربما فترة تورنيك تقابل رمزيا مرحلة غورباتشوف.

التوبة في الفيلم لم تأتي من مقترف الجرائم الحقيقي وهو فارلام، بل من ابنه الحائر وحفيده الذي هو الوحيد الذي يعتذر لكيتو عن جرائم جده في حق أسرتها. ولكن هل إثارة جرائم الماضي وفتح ملفاته هو الحل؟ المخرج يترك الإجابة مفتوحة. لأن تحمل مسؤولية الماضي موضوع جدلي، فإذا قلنا أن أبيل الابن مذنب بدفاعه عن أبيه، فهل على الحفيد أن يتحمل مسؤولية أخطاء جده وأبيه؟ القضية تصبح مسألة جدل أخلاقي، وهو الذي جرى داخل المحكمة بين كيتو التي تصر على ضرورة رد الاعتبار للمظلومين، في مقابل الادعاء الذي يرى أن كيتو تعالج المشكلة الأخلاقية بمشكلة أخلاقية أخرى وهي إهانة ميت.

في الأخير أستطيع أن أقول أن المخرج يريد أن يقول لنا أن أنظمة الحكم الرهيبة ليست مجرد بيروقراطية مجهولة، وإنما صناعة رجل شرير معروف بشخصه، وأن التوبة تكون باكتشاف المسؤوليات وتحملها. وجزء من هذه المسؤوليات بأن لا نسمح للظالم أن يُدفن مع جرائمه فتنسى الأجيال الجديدة حقيقة الطاغية. بل يجب أن يعي الجمهور حقيقة الطغاة وما ارتكبوه في حق شعوبهم من جرائم فظيعة وما تركوه من آلام لا تندمل أبدا.

 

 

الفيلم تتخلله أيضا أحلام تُعرض مرتبطة بالواقع بطريقة سريالية. ولا يخبرنا المخرج أي المشاهد أحلاما وأيها حقيقية تاركا ذلك للمشاهد أن يبحث بنفسه عن الإسقاطات لتلك المشاهد. كما هو الحال مع مشهد رقص جثة فارلام مع زوجة ابنه، ومشهد ضرب التابوت في الجدران الإسمنتية التي تشبه جدران السجن، ومشهد أبيل وهو يعترف لشخصية مجهولة عن خوفه وتردده في نفس الوقت الذي تأكل تلك الشخصية سمكة، وفي النهاية نكتشف أن تلك الشخصية ما هو إلا فارلام الأب.

0 1034 03 سبتمبر, 2017 آفاق فلسفية, مختارات سبتمبر 3, 2017